2022/09/08

محاولة مرتبكة في تقديم كتاب "طينيات" لسعيف علي


 

يطرح كتاب سعيف قضية معرفية في محاولة لتعريف الشعر، فقد وسم المؤلف كتابه منذ البداية بأنه شعر ثم تدخُل المتن فتقف على نصوص منثورة ذات طابع سردي تخالف المألوف من الشّعر المنثور القائم على نظام السّطر حيث السّرد هو اللون الغالب وعلى الصورة الشعرية البسيطة أو المركبة وعلى العلاقات المعجمية المخالفة للدلالات الوضعية.

قد تجد كل هذه الأشياء ما عدا نظام السطر وحيث السرد هو الغالب على قماشة النص. بيد أن هذا السرد على درجة كبيرة من ضمور الحدث حتى يصبح ذلك الحدث لا أهمية له، متمثلا في عناصر محدودة جدا من المعجم كبعض الأفعال أو ما يشي بالزّمان والمكان.
ففي النص الأوّل المعنون "منمنمات لنصف وجه" يتقدّم النص على واجهتين أو مسلكين يؤسّس أحدهما متنا ويؤسّس الآخر ما يشبه الحاشية عليه: هو متضمّن ما يشبه الحكاية حيث يخرج المتحدّث إليه (ضمير الخطاب) من صفته ليدخل في صفة الغريب، يذهب في رحلة طويلة نحدس في غير يقين أنّها رحلة الكتابة. ويتقدّم النّص في إهاب كثيف من المجازات والكنايات التي لا مفاتيح لها وانزياحات لا رجوع لها على متن ترسانة من العلاقات الغريبة بين مفردات المعجم.
هذه الرحلة يحدوها البحث عما يمكن أن يُكتب وعن الأحوال المنتظرة المنتابة لمقترف الكتابة ممّا يجعل هذا الفعل في النهاية مخاطرة ومغامرة في الوجود.
وكتاب طينيات ليس باكورة الإنتاج لدى سعيف عليّ فقد أصدر قبل هذا آثارا في الشّعر والقصة داخل تونس وخارجها، فالرجل قد تمرّس بالكتابة وخبرها وأخذت تجربته تتّضح في اتجاه الأشكال الوجيزة من النصوص الأدبية سردا وشعرا.
وكتاب الحال "طينيات" لو حاولنا تصنيف النّصوص التي تضمّنها داخل منظومة الأجناس الأدبيّة لوجدناها أميل إلى جنس القول الشعريّ (بعبارة الفارابي) منها إلى السّرد، وإن تضمّنت على نحو ما بعض ملامح القصّ كما في النّصّ الأوّل "منمنمات"
في النّصّ الأوّل من الكتاب إلى حدود الصّفحة الرّابعة والسّتّين تتّخذ النّصوص من النّاحية التيبوغرافية طابع الصّفحة الملآى، ثم تتّخذ النّصوص بعد ذلك نظام السّطر الشّعريّ. لكن اختلاف الشّكل التّيبوغرافي لم يغير من طبيعة القول كما سنرى لاحقا.
ونأخذ النّصّ الأوّل بشيء من التّمعّن على سبيل النّموذج، فهو له صفة الفاتحة، وربّما تضمّن رؤية الكاتب لفعل الكتابة وبالتّالي فنحن نحدس أنّ له صفة تأسيسيّة ما.
يتضمّن "نمنمات لنصف وجه" ما يشبه الحكاية حيث يخرج المتحدّث إليه (ضمير الخطاب) من صفته أيْ من وضعه الأونطولوجي الأوّل ليدخل في وضع جديد هو وضع الغريب (الذي قد يؤوّل على أنه الكاتب أو متعاطي الأدب، يسافر في رحلة طويلة نحدس في غير يقين أنّها رحلة الكتابة). ويتقدّم النّص في إهاب كثيف من المجازات والكنايات التي لا مفاتيح لها وانزياحات لا رجوع منها إلى مراجعها ... يتقدم بواسطة ترسانة من العلاقات الغريبة بين مفردات المعجم.
هذا الرحالة يحدوه محاولة الكشف عما يمكن أن يكون موضوعا للكتابة وعن الأحوال المتوقعة المنتابة لمن يقترف الكتابة وعن الدّور الذي قد يضلع به، ممّا يجعل الكتابة في النّهاية مخاطرة أو مغامرة وجوديّة تطال العمق الأونطولوجي للإنسان.
أمّا النّصّ الذي بدا لنا كالحاشية على النّصّ الأوّل فإنّه معزول بصريّا في فضاء القوسين يتخلّل المتن ويقطعه إلى فقرات ويمثل في علاقته به ما يشبه الشّرح الغامض أو التّعليق. هاهنا تصرف غريب في فضاءات النّصّ: فإنّ ما يُدعى عادة "Paratexte فضاؤه في تخوم النّصّ المقيمة في أوّله (مداخل ومقدمات وإهداءات...) أو في أسفل الصّفحة (إحالات وشروح وتصويبات...) أو في آخره ( ذيول وفهارس وتعقيبات...) مخالف للمتن تيبوغرافيا ومعجميا لا يمازجه حتى دلاليا.
إنّ ما تحدّثنا عنه من دلالات متعلقة بما يمكن أن يكون محمولا دلاليّا للنّصّ مجرّد انطباع محاط بالرّيب، ذلك أنّ الكتابة عند سعيف عليّ في هذا المؤلف منخرطة في الاتّجاه السّوريالي. هذا المنهاج في الكتابة يقتضي التّحرّر من كلّ البُنى المنطقيّة للذّهن أو في الحلم أو في الهذيان la déraison، le délire وهذا يقتضي بالتّبعيّة أن يتجاوز الكاتب جميع القيم الجماليّة المشتركة والقيم الأخلاقية والسّياسية والثّقافية المتعارف عليها
نقرأ في نصّ "غسيل اللذة": ص 52
"لم يتوقع أبدا أن هديل حمامة أغنية تأتي من صدد القصص المائلة. اقتحم بالصّوت المتعاقب كلّ تخوم العشق ثمّ أعلن أنّ النّور خواء، أعلن من زاوية ينفرج على النّجم قطيع من بقر وحشيّ.
يصيح، يحرس ماء البئر مثل دجاج أحمر لم يبض، لكنّه حين يأتي الفجر بحليب النّوق، يأتي بخبز لا يتكسّر في الأكل، يقول، يرفع ألواحا تأكلها الأرضة: عودي إلى الماء، عودي على غصن كسّرته آنية الفخار الممطرة، بكلّ سرّ عابثة"
فأنت في هذا القول قد تجد المحلّات الإعرابية في صلب الجملة قد ملئت بطريقة تركيبيّة تستجيب للقاعدة النّحوية، بيد أن العلاقات المعجمية في صلب النّص يعتريها التّنافر والغموض، تنسف مبدأ الانسجام النّاظم للكلام ليكون ذا معنى قابل للتلقّي والتّفكيك وتحصيل المعنى.
هذا الغياب أو هذا التّغييب فإنّه مؤدّ إلى نسف العلاقات المنطقيّة في الخطاب... كأن ترى التّعاقب الزّمني أو التّزامن أو الغاية بين ( يصيح/ و يحرس) أو النّتيجة بين (يصبح/ ويأتي) وهو ما تسعى إلى إقامته الكتابة السّوريالية من تجاوز للبنى المنطقيّة وطلب اللامعنى، فالكتابة عند سعيف في هذا المؤلف تحترم البُنى التّركيبية للجملة العربيّة وقد تخالفها أو تتجاوزها فالجملة تخضع نسبيّا إلى مبدإ الانسجام في العلاقات في المستوى التّوزيعيّ للكلام، لكنّ الانسجام في هذا المستوى غير كاف لإحداث التّواصل ويقتضي انسجاما آخر في المستوى الاستبداليّ حيث يكون القارئ قادرا على إنجاز علاقات حقيقيّة أو مجازيّة بين الاستبدالين المتجاورين ، فمن الصعب مثلا أن تقف على علاقة بين (صدد/ و القصّ) أو بين ( (القصص و المائلة)، كما أنّ ما طمح إليه الكاتب من تصوير بواسطة التّشبيه ينأى كلّ النّأي عن الاعتبارات الجماليّة السّارية، فانظر إلى هذا التشبيه الغريب واحص مردوده من التّقريب بين بين شيئين ومن الجمال على حد سواء:
"يحرس ماءَ البئر مثل دجاج أحمر لم يبض" (ص 52)
وانظر أيضا إلى هذا التّنافر المؤدّي إلى تلاشي المعنى وانعدامه في قوله: "قالت سيرة رجل كبرى إنّه اقترب من عطش امرأة حيث وُلدت الشّمس بلا ثلج" (ص127) .
مثل هذا التّنافر المؤدّي إلى اللّامعنى لاحظناه في النّصوص الوجيزة كما لاحظناه في النّصوص الطوال (ص67) حيث تنتشر الجملة عبر علاقات انزياحيّة لا يمكن ردّها إلى المنطق التّواصليّ بسهولة، فنقرأ في نصّ: "بيان الغياب ... انثيال" غياب المسند إليه وإمكانيات تأويله بين أنتَ وأنتِ وهي وبين الأمر والماضي المسند إلى الغائب المذكر ولا يسعفك السّياق بعد ذلك لتتأكّد من وجهة الخطاب فتظل هذه الوجهة مفتوحة على كل تأويل ويظل التأويل دون حدود... وهو التّوجه الذي تحدّث فيه "أمبيرتو إيكو" ونادى بكبح جماح التّأويل مقاومة لتلاشي الدّلالة.
اقرأ:
"بعد بيان مقتضب لحصيلة غياب طويل وفي آخر جدول حسابات متورّم بالثقل "راقب" (أمر أم ماض؟) الوجه الصحو بحذر "ترقق"(أنت/ هي؟) في انثيال الضوء انهمر (الإسناد؟) على صفة اللغة حين يكون ماء مطر صيفيّ تعلق بالرّؤية اللازمة سدّد على صفة الوقوف في محطة الظلال المربعة..."
إن مثل هذه العلاقات بين مفردات المعجم في الفضاء التّوزيعي للجملة قد جعل الكاتب ربّما يبحث عن أداء معنى منفلت زائغ وشريد يجتهد في طلبه ويحاصره فلا يضبطه. هذه الممارسة نتج عنها جمل متضخّمة طويلة تجاوزت ثلاثا وعشرين كلمة في مواقع كثيرة منها:
"هل تذكرين مجازك الأوّل وأنت تقفين مشدوهة بين يديْ أمّك وهي تطرّز إزارا بخيط حريريّ فسفوريّ يخرج كلّ ليلة حين يغادر المصباح الحجرة"
بيد أنّ القراءة إن انفلتت والمعنى إن ساح وتشرّد وغامت مقروئيّة النّصّ فإنّ نصوصا كثيرة أخرى أمكن للقارئ أن يحصل منها على صور ممكنة الإدراك:
"البحر اختفى في زرقة السّماء
لم تعرف السّمكة العوة إليه بعد تحليق صغير بجناح مرتجف
وحده الليل اكتشف أنّ وراء السّتار
كانت الشّمس تضحك على الجميع( ص 124) .

2022/09/07

قصيدةُ الرُّبانِ


 رُبَّانُ دَربي كَأَنِّي قَشَّةَ القَصبِ

أَطفُو نَحيفًا بِغَرقى طيلَةَ الحِقَبِ
صِرتُ المُنادي مُجيدا رَاكبا شَفَقي بَينَ القلاقِلِ "طُربيدًا" وذا لقَبي يَوما أُصحِّحُ زَيْدا بَعدَ أَن عَدَلاَ يَوما أُرابطُ أُنهي حُجَّةَ الكَذِبِ رَبِّي، ظَهيري! أَيُخفي ضَعفنَا بَطَلاً ؟ إِنَّا طَغَيْنا فَزادَ الضَّعفُ في الطَّلب لَمَّا نَهيبُ بِيَمٍّ بِالبَهاءِ دَنا يَرقُصْ بِوَعدٍ كَما الفِرعَوْنُ بالذَّهَبِ قِيثَارَتي فَسُقَتْ قَبلَ الدُّجى فَقَسَتْ فِي الجُبِّ تَلْهو بِظِلٍّ بَاتَ مُنتصِبِ نَستَنسِخُ مِن بُيُوتِ العِزِّ مِحْنَتَها حَتَّى سَمِعنا نَفيرا لَحظَةَ التَّعب رَبَّاهُ، عَرِّجْ ، فَذي الأكْوانُ حائِرَةٌ فيها البَشائِرُ مِن حُرٍّ و مُغتَصِبِ مِن بَيتِ شَادي نُجارِي الطََيرَ فِي جَلدٍ مِثلَ المَطاحِنِ نُهديهَا وَلا تَهِبِ تُلقِي التَّماسي لِجارٍ أيقَنَ العَدَما وَالنَّارُ فِعلُ الدَّها في كومَةِ الحَطب إِنّا عُمينا ! فَيا عَلاَّمُ اِلقِ بِنا !! وَسْطَ المَدائِنِ غَيما حَطَّ في النَّقبِ قُدسَانِ صَارا، وغَابَتْ فِي الصَّدى سُبُلٌ بِيضُ الدِّماءِ وحُمرُ الدَّاءِ والحَسَبِ لا الشَّرْقُ نَابَ مُعيدا حُلَّةً سبَقتْ لاَ الغَربُ ليلُهُ “شَوْقيٌّ “مِنَ الكَذِبِ إِنَّا ومَهما يُجازِي بَيتَنا جَبلاَ نَرضى بِضيقٍ يَراهُ الجِيلُ في العُلَبِ رُبَّانُ هَلِّلْ لِذُخرٍ صَارَ يَحْقُنُنا تَحتَ العَصابَةِ أَو كالسُّلِّ وَالنُّدَبِ آتِي شَمالا ولازالَ الغَبِيُّ هُنا يَنآى لِضَمِّي مُعِيدا صَدمَةَ الصَّخَبِ يُلقُونَ شَوكًا إلى الأَعمى كَتِذكَرَةٍ يَمشي سَعيدا ويرقَى مِن لَظى اللَّهَبِ بِالقَلبِ أَشْقى وَ يُخفي الحُبُّ مَعدَنَهُ مَادامَ كَأسُ الهَوى يُسقى لِمُنتَحِبِ مِيزانُ إِحسانِنا لِلحِلمِ مُحتَكِما خِلنَاهُ يَصحَبُ لكِنْ جَادَ في الهَرَبِ رُبَّانُ إِنَّ قَصيدي لا يَزيدُ أَذى كَالصَّوتِ دُبِّجَ حتَّى اِزدانَ بالعَتَبِ إِنِّي قَرأتُ وضُعفي يَلتَقي بِغَدي يَصطادُ قوتًا نَما بِالحبِّ والحَسبِ يَا بيتُ حِجرَكَ شُطآنٌ بِراحِلَةٍ آتِيكَ أَحبو على الشِّريانِ والرُّتَبِ رُبَّانُ عَوّضْ فَإِنَّ الآس غَرَّ بِنا يَجتازُ خَيرُهُ لا يَرضى بِمُنتَخَبِ كَفَّرتُ نَصِّي لَكَي أُحضى بِمغفِرَةٍ قَبلَ الفَضائلِ شَهرَ النَّارِ أو رَجبِ فَاِرفَعْ دُهامي فَللحُكّامِ صَافِرَةً أَغفو و تَعفو ونَنْسى قَشَّةَ القَصبِ مَنْ كانَ يَشكُو مَطَبَّاتٍ ليَأتي هُنا إِنَّا نُفَرِّقُ بَينَ الخَمرِ والعِنَبِ ضَمِّدْ فُؤوسَكَ إِنَّ الفَأسَ مَعرَكَةٌ تُحيي الإلهَ بِعيدٍ قَلَّ في الر ُّتَبِ فَالوَقتُ غَيبٌ ولا " طُرخانَ" مُنتَقِما كلُّ يُنَجِّسُ والوِجدانُ في القِرَبِ مِنكَ اِنْطلَقنا و للرُّبَّانِ أَمثِلَةٌ فِي البَحرِ تَحكُمُ فَوقَ الأرضِ، لَم تَغِبِ رُبَّانُ، هَوِّنْ ،أيَا رُبَّانُ إنَّا عَلى دَربِ الهِدايَةِ رَغمَ الحَوجِ والكُرَبِ أّنتَ حَقنتَ قُلوبَ القَانِطينَ دَمَا لكِنْ مِياهُ الخَطايَا حَطَّمتْ رُكَبي حُبًّا لِقانا يَزولُ المَاءَ مُرتجِلاَ يَنسابُ خَمرا وَليسَ الأمرُ بالعَجبِ أُمٌّ تَحِنُّ بِلا ثَديٍ مُناضِلةً تَبكي رَضيعا و يُبكينا أَذى الطَّلبِ تُهدي سَماءً لِأَرضٍ غَابَ مُرشِدُها ذِكرى اِستفاقَت حَكَتْ مَا اِزدَادَ للعَرَبِ كَمْ سادَ في الوَكرِ تِحنانٌ لِمُرتفَعٍ كالطَّيرِ نُعلي ولا نَعلو علَى السَّبَبِ في كُلِّ دَفعٍ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةً نَلقى الوِسادَةَ بَينَ الأَرضِ والسُّحب بَينَ المَتاعِبِ لاَتُخفى مُناسبَةٌ قَد بَانَ ضُعفي وذِي الأبْياتُ مِنْ غَضَبي وَالشَّامُ تُؤنِسُ بَيتَ الأَسرِ سالِمَةً والقَانِطونَ أجادُوا قُبلَةَ الخَشَبِ شَمسُ العِراقِ أَحالوها لِمُغتَصِبِ والأَرضُ بَاتَتْ مَضيقًا دونَما سَبَبِ إنَّ الخُيًولَ تَرى الجَنَّاتِ قاحِلَةً مادامَتِ السُّوقُ تُحيِي مَنطِقَ الكَذِبِ عَادَ المَساءُ بِلا بَدرٍ يُصالِحُنا فَالخَيرُ غَادَرَ قَد نَلقاهُ في الكُتُبِ فِقدانُ صَرحِنا هَزَّ العرشَ مُزدَحِما فَالعَصرُ عَادَ بِنا لِلنّارِ والحَطبِ رَبَّاهُ عَرِّجْ ! فَإنَّ الغَمَّ مَا اِنفَلَقا إِلاَّ بِجُرعةِ سُمٍّ سارِدا لَهبي لا ظِلِّ إنِّي بِضُعفِ أَحتَفي وَكفى ! أَنتَ الوَفِيُّ وَفيرًا فُزتَ بالرُّتَبِ رُبَّانُ، إنَّا نَراكَ الَمَعهَدَ الأَبَدي يَفنى البَهاءُ وَيَفنى العَهدُ في الخُطَبِ تَأتي كَماءٍ بِأجواءٍ أَتى النَّجفَا
يَمضي رئِيسًا بِلا أَمرٍ إلى السُّحُبِ

2022/09/06

مقام الرّضا / باب الله الأعظم


 تَحَنُّنا

أفلت قلبي
مثل صُوَيْت ينساب على خجل
تشفّ الرّوح عن الرّوح
أشقّ كلّ السّتائر بينهما
ربّما يشعّ الأثير بين أصابعي
ربّما أحذق صرف اللّعنات إلى اللّعنات
ربّما أكتفي بأَجَل في الضّبابيّ هناك
اليد الأسقفيّة تصلني بما خفيَ
اليد ذاتها
تراكم هذا الطينيّ على عينيّ
توشك أن تمنعني عنّي
ثمّ بزيت "المِيرُون" تمسح مفرقي على مهل
كائن نورانيّ يتمايل
كلّما نقرت الدفّ
معموديّة على مشارف الوجد تُضاء
كلّما تمايلت..
أختام على جسدي تتهجّد
كلّما سكنت..
(فرانكشتاين يرفس عظام أجداده
يشجّ سفينة نوح
يقترب نصف متر من المرآة
واجما..
يحكّ جبينه بسبّابته
يفرك خصيتيه
هذا الحطب المحروق
ينبت شجرة صنوبر)
في المَخْزَف تزدحم الأخيلة
شهود على الجانبين
وقت مستقطع للحصاد
أصبغة لإزعاج السّلطات
أبطال ملثّمون
يلملمون الأوراق المتساقطة
(عند بابك وقفت
شربت من كاساتك حتّى ارتويت
أيها السيّد
الذي يَحْبِك هذه الدّراما
لك فقط
أطأطئ رأسي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب " أحد عشر تمرينا من أجل القيامة " ، 2021

رقصة الذّوبان الأخيرة


 افتح لي

بابا أو نافذة افتح لي الزّرّ الأوّل في قميصك خذ رأسي من الوهن إلى غابة الضّوء و النّسيان و انفض ما علق في عشبك الأبيض و الأسود من قطرات خدّي السّائل ، إنّي تعبت من البكاء بلا صوت تعبت من لعق الشّفاه المالحة تعبت من حياة لسانها لا يشبهني تعبت من وجوه تتمشّى أمامي دون أن تراني أو أراها . لم يكن قلبي خزّان أوجاع لكن تضخّم الكتمان في داخلي جعل الماء المرّ ينتفض عن أقفاصه . إنّني الآن رغبة حرّة كجمرة في الرّيح تلتهب ... خذ منّي صمت النار و شعلتها خذ منّي رقصة الذّوبان الأخيرة وغنّ لي بصوت الجسم المنطفئ ستجيء الحياة ستجيء الحياة
حين ينفخ الرماد في اللهب .

2022/09/03

بيني وبين سيلفيا بلاث


كان عليّ أن أتسلح بعزيمة أكبر
عزيمة تجعلني أتخلّى عمّا يرهق فكري
فكري المصاب بالتكلس و أنا أروض هذا الفراغ
و ألملم أوراقي
المتبعثرة هنا وهناك
سألتقط نثارات الضوء من فم الأفق
وأرعى فراشاتٍ هدّها طول الشتاء
فلم تقو على تصميم أشكال خاصة بالربيع القادم
أنا قرية يغشاها الظلّ
يتفسخ الظلام على صوتي
يمدّ ساقيه في صمتي المتنامي
الأبواب تسعل
الطريق الممتدة في المدى تسعل
الجدران التي تسند ظهري تسعل
وكلما تداعى حجر منها
فتحت فمها لتروض الحاضر
على النظر إلى الماضي بعينٍ ودودة
لن أفسح المجال كي تتمدّد في اتجاه معاكس
ولن أعيرَِ بعض الفرح لسيلفيا بلاث
هي لم تنجح في رأب الصدع في قلبها الصغير
واختارت أن تجتازٓ عتبة الممكن إلى المطلق من فجوة ضيقة
لم تكفر عن سيئاتها
ولم تستطع أن تخضع للروتين المتواتر
وعندما سكبت الصباح في مشكاتها
ذبلت الورود على شفتيها
لم تصلِ من أجل عودة الشمس ..
ولم تتزين وهي تستقبل نهايتها
ولم تخبئ العطشَ في كُمّ قصيدتها الأخيرة
ولا في وجوه العشاق
ولا في آثار المارة ..
لم تخبئها على الأرصفة
ولا على مقاعد محطات القطارات المسافرة
حيث يستحيل الحِبرُ
أودية عظيمة
على ورقة صغيرة ..

مصداقيةُ النَّقد ودورُه في الثقافةِ الأدبيَّة


 كثرتْ في العصرِ الحديثِ المدارسُ والمذاهبُ النقديةُ, بعضُها كانَ امتداداً وتطويراً للنقدِ العربيِّ القديمِ, وبعضُها الآخرُ مقتبسٌ ومتأثرٌ بالمدارسِ النقديةِ التي ظهرتْ في أوربا والعالمِ الغربيِّ.

وَهكذا تنوَّعتْ تلكَ الاتجاهاتُ النقديةُ, وصارتْ مجالاً واسعاً لكلِّ منْ هبّ ودبّ! وساعدَ على ذلكَ هذا الانفتاحُ الواسعُ على العالمِ عنْ طريق التَّواصلِ الافتراضيِّ ووسائلُ التواصلِ المتنوعةُ. وأهمّ مجالٍ تطاولتْ فيه أصابعُ النقدِ هُوَ مجالُ القصيدةِ, لأنّ نظرةَ النقّادِ إلى الشِّعرِ ماتزالُ تحملُ الكثيرَ من النزعةِ الشُّوفينيةِ التي تكرّستْ عبرَ أجيالٍ, باعتبارٍ مايزالُ يعتبرُ القصيدةَ العربيَّة ذاتَ خصوصيةٍ تميّزُها عن الشّعرِ العالميّ منْ جهةِ كونِها تحملُ تراثاً يمتدُّ عبرَ التَّاريخِ, بينما ينظرُ الأدباءُ والنقّادُ إلى الأجناسِ الأدبيَّةِ الأخرى على أنّها أجناسٌ مُستحْدَثةٌ لا تعبّرُ عنِ الشَّخصيَّة العربيَّةِ ..ولذلكَ فإنّ المجالاتِ الأخرى كالقصّةِ والمسرحِ والرِّواية بقيتْ في منأى عنْ تطاولِ الأيدي المُبتدئةِ في النقدِ, لأنَّ هذهِ المجالاتِ أقلُّ شعبيةً واهتماماً لدى العامّةِ . ورُبّما هيَ مجالاتٌ لا تشجّعُ النقّادَ بشكلٍ عام, لِما فيها منْ خطورةٍ ودروبٍ مجهولةِ التَّشعباتِ في مجالاتِ النقدِ الأدبيّ.
إنّ إشكاليةَ الحَداثة بقيتْ تلامسُ الأغراضَ الأدبيّة ملامسةً هادئةً, أو فيها نوعٌ منَ الخوفِ أو البُطءِ في عمليةِ التَّحديثِ, أوْ تأخّرتِ الحداثةُ عنِ الخوضِ في هذهِ المجالاتِ. بينما أخذَ الشِّعرُ والقصيدةُ نصيبَ الأسدِ منَ الحداثةِ خلالَ فترةٍ قصيرةٍ منْ هذا العصرِ, فرأينا تعددَ المذاهبِ الأدبيةِ وظهورَها أحياناً في توازٍ, فخلالَ عقودٍ قليلةٍ, تطوّرَ الأدبُ منَ الكلاسيكيةِ إلى الرُّومنسيةِ مروراً بالواقعيةِ والرَّمزية والاتجاهاتِ المُختلطة التي تجمعُ معظمَ الاتّجاهاتِ في الأدبِ, وعندَما غزَتِ الحداثةُ مجالَ الشِّعر تلقفَها الشُّعراءُ الذينَ مَلّوا منَ الواقعِ الشِّعري الذي شكّلَ عبئاً على ما يُسمونَ شعراءَ الحداثةِ. وهنا ظهرتْ إشكاليةُ الحداثةِ بينَ التَّمرّدِ على الشَّكلِ الكلاسيكيّ للقصيدةِ العربيّة, وبينَ حركةٍ إبداعيةٍ تواكبُ التَّطوّرَ الذي أصابَ المجتمعَ العربيَّ, وتماشياً معَ هذا العصرِ. وتحضرُني مقولةٌ تتردَدُ على ألسنةِ النقّادِ والأدباءِ بشكلٍ عامّ] هيَ ( القصيدةُ العربيةُ مشروعُ شاعر مثقّف ), فالقصيدةُ الحديثةُ تلزمُها ثقافةٌ واسعةٌ في كلّ مجال ثقافيٍّ, كي تنافسَ القصيدةَ القديمةَ التي تتكئُ على الوزنِ والقافيةِ ومخزونٍ لا مُتناهٍ من الصُّورِ الشِّعريَّة التي تراكمتْ عبرَ العصُور. فالقصيدةُ الحديثةُ ترى نفسَها الوعاءَ الأنسبَ للتَّطوّرِ الفكريِّ والثقافيِّ والفلسفيِّ والمجالَ الرَّحبَ لاستيعابِ الثقافةِ العربيَّة والعالميّة. وهكذا تظهرُ حاجةُ الشَّاعرِ المُلحّة للثقافةِ المُتنوعةِ لكي يستطيعَ أنْ يُطوّرَ في شكلِ القصيدةِ ومضمونِها. فالثقافةُ بما فيها من تنوّعٍ تمنحُ الشَّاعرَ أفقاً واسعاَ سَواءٌ كانتْ هذهِ الثقافةُ مُستمدةً منَ التراثِ المعنويِّ أمِ المَادي العربيّ أو غيرهِ منَ التراثِ العالميّ, وذلكَ بقراءةٍ حديثةٍ تَستجلي معالمَ هذا التراثِ وتصوغُه بشكلٍ جديدٍ وملائمٍ للعصرِ الذي نعيشُ فيهِ, وهنا نحنُ أمامَ سُؤالٍ مُهمٍّ يطرحُ نفسَه : مَنْ منَ الشُّعراءِ المُعاصرينَ يستطيعُ أنْ يحملَ رايةَ الحَداثةِ, ويتمُّ مسيرةَ التَّحديثِ في الشِّعرِ بعدَ أنْ رأينا كَمَّاً هَائلاً منَ المُتطفلينَ على القصيدةِ الحديثةِ, وما دورُ النقدِ في إيقافِ هذا الطَّوفانِ منَ الشِّعر الذي يَجترّ أفكارَ السَّابقينَ وأسَاليبهم, في ظلِّ غيابٍ شبهِ تامٍّ للثقافةِ؟؟؟
منْ هنا -في رأيي- يبدأُ عملُ الناقدِ الصَّادق, وتظهرُ مِصداقيةُ النقدِ الحَقيقي في تأثيرهِ على أرواحِ المُبدعين وتكريسِ الأدبِ الرَّاقي والحَقيقي, منْ جهة ونبذِ الأشكالِ المُزيفةِ, وَهنا تبرزُ أهميةُ النقدِ الحَقيقيِّ النزيهِ الذي يترفَّعُ عنِ كُلِّ أشكالِ الزَّيفِ والمُحاباةِ والتَّساهلِ في تناولِ القضايا الأدبيّة والفنيّة للقصيدةِ. إنّ غيابَ الشَّفافيَّةِ في النَّقدِ يؤثرُ بشكلٍ مُباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ على النتاجِ الأدبيّ , فيرفعُ المُزيفَ من جهةٍ ويحبطُ المُبدِع الحقيقيِّ منْ جهةٍ أخرى.. لذلكَ نلاحظُ غيابَ بعضِ المبدعينَ عنِ السَّاحة الأدبيّة, وأعتقد أنّ سببَ ذلكَ يعودُ إلى ما أصابَ النَّقدَ منْ عَمىً ثقافيٍّ عامٍّ كما قالَ الناقدُ عبدُ الله الغذاميّ.

2022/09/02

ربّ الأيائل يا أخي


 ربّ الأيائل يا أخي

ربّ الأيائل
واحرس منامها
في أعالي الجبال
ولا تترك السّهو يأخذك
لاشتهاء الدّم.....
ولا تتبع مهنة الصّيد
انس مهنة الصّيد ... مهنتك القديمه
الصّيد يوقعك في شراك القتل
تتبعه فيغويك لآخر نفس
دع الأيائل تتنفّس
وانسج لك سترة من ورق التّوت
ولا تقتل حياة ......
اترك لك الحلم تجدّده
كيفما كان حالك
واخلد للنّوم رغم احتمال القصيد..
وإن لم يعد للطّريق بوصلة
ستقودنا أحلامنا المهمله...
والنّبوءة شيآن مختلفان تماما
كأن تكون هنا في المكان و الزّمان
وأكون هناك في اللازّمان و اللامكان ..
ويوحّدنا عشقنا لامرأة
كالأرض تدور على نفسها
كي لا تكون هنا أو هناك
ويجمعنا و همنا السّرمدي
الحياة جميله ... الحياة قصيره ... الحياة ذميمه . ..
الحياة آلامنا ... الحياة أحلامنا ... الحياة نشوتنا . ...
الحياة شهوتنا ... الحياة رغبتنا ... الحياة صحوتنا ...
الحياة صدقنا حين تكذب المفردات ..
حين تعجّ المعاني بتأويلها . ...
الحياة صفعة الرّيح على النافذة .. وهي مغلقة أو نصف نصف ... الحياة مطر موسميّ يجيء بلا موسم ...
الحياة رقصة فاجره . ... عدو وركض إلى الهاويه ..الحياة مظلّة العائدين بلا ذكريات ... الحياة غناء المحبّين حين تخون حكايتهم فاصله .. الحياة شموع تذوي ولاتجد فتيلا لابقاء جذوتها ضاويه . .. الحياة خدعة اللاعبين دون اهتمام باللعبة: خاسرة ام رابحه . .. الحياة حياة بحقّ ولتكن فانيه .... الحياة في آخر الفصل انتظار لموت بلا قابله ... الحياة مشاويرنا القادمه .... الحياة فراغ تملؤه قصّة خاويه . .... الحياة حرب هزائمها كانتصاراتها زائله ... الحياة بداية ما ينتهي عاجلا ....
الحياة طريق سريع إلى الهاويه ....
الحياة لغة لا معنى تمنحه في الهزيع الأخير من العمر
للأغنيه . .....
دعنا من اللغة الآن
قلت أنها تورث كالأرض .. ربّما ...
لكنها تبدّل موقعها كالآنيه . .. وترحل مع الجند فاتحة للكتاب وتحتل السّنّة المهزومين و تنتصر للآخره ....