كثرتْ في العصرِ الحديثِ المدارسُ والمذاهبُ النقديةُ, بعضُها كانَ امتداداً وتطويراً للنقدِ العربيِّ القديمِ, وبعضُها الآخرُ مقتبسٌ ومتأثرٌ بالمدارسِ النقديةِ التي ظهرتْ في أوربا والعالمِ الغربيِّ.
وَهكذا تنوَّعتْ تلكَ الاتجاهاتُ النقديةُ, وصارتْ مجالاً واسعاً لكلِّ منْ هبّ ودبّ! وساعدَ على ذلكَ هذا الانفتاحُ الواسعُ على العالمِ عنْ طريق التَّواصلِ الافتراضيِّ ووسائلُ التواصلِ المتنوعةُ. وأهمّ مجالٍ تطاولتْ فيه أصابعُ النقدِ هُوَ مجالُ القصيدةِ, لأنّ نظرةَ النقّادِ إلى الشِّعرِ ماتزالُ تحملُ الكثيرَ من النزعةِ الشُّوفينيةِ التي تكرّستْ عبرَ أجيالٍ, باعتبارٍ مايزالُ يعتبرُ القصيدةَ العربيَّة ذاتَ خصوصيةٍ تميّزُها عن الشّعرِ العالميّ منْ جهةِ كونِها تحملُ تراثاً يمتدُّ عبرَ التَّاريخِ, بينما ينظرُ الأدباءُ والنقّادُ إلى الأجناسِ الأدبيَّةِ الأخرى على أنّها أجناسٌ مُستحْدَثةٌ لا تعبّرُ عنِ الشَّخصيَّة العربيَّةِ ..ولذلكَ فإنّ المجالاتِ الأخرى كالقصّةِ والمسرحِ والرِّواية بقيتْ في منأى عنْ تطاولِ الأيدي المُبتدئةِ في النقدِ, لأنَّ هذهِ المجالاتِ أقلُّ شعبيةً واهتماماً لدى العامّةِ . ورُبّما هيَ مجالاتٌ لا تشجّعُ النقّادَ بشكلٍ عام, لِما فيها منْ خطورةٍ ودروبٍ مجهولةِ التَّشعباتِ في مجالاتِ النقدِ الأدبيّ.
إنّ إشكاليةَ الحَداثة بقيتْ تلامسُ الأغراضَ الأدبيّة ملامسةً هادئةً, أو فيها نوعٌ منَ الخوفِ أو البُطءِ في عمليةِ التَّحديثِ, أوْ تأخّرتِ الحداثةُ عنِ الخوضِ في هذهِ المجالاتِ. بينما أخذَ الشِّعرُ والقصيدةُ نصيبَ الأسدِ منَ الحداثةِ خلالَ فترةٍ قصيرةٍ منْ هذا العصرِ, فرأينا تعددَ المذاهبِ الأدبيةِ وظهورَها أحياناً في توازٍ, فخلالَ عقودٍ قليلةٍ, تطوّرَ الأدبُ منَ الكلاسيكيةِ إلى الرُّومنسيةِ مروراً بالواقعيةِ والرَّمزية والاتجاهاتِ المُختلطة التي تجمعُ معظمَ الاتّجاهاتِ في الأدبِ, وعندَما غزَتِ الحداثةُ مجالَ الشِّعر تلقفَها الشُّعراءُ الذينَ مَلّوا منَ الواقعِ الشِّعري الذي شكّلَ عبئاً على ما يُسمونَ شعراءَ الحداثةِ. وهنا ظهرتْ إشكاليةُ الحداثةِ بينَ التَّمرّدِ على الشَّكلِ الكلاسيكيّ للقصيدةِ العربيّة, وبينَ حركةٍ إبداعيةٍ تواكبُ التَّطوّرَ الذي أصابَ المجتمعَ العربيَّ, وتماشياً معَ هذا العصرِ. وتحضرُني مقولةٌ تتردَدُ على ألسنةِ النقّادِ والأدباءِ بشكلٍ عامّ] هيَ ( القصيدةُ العربيةُ مشروعُ شاعر مثقّف ), فالقصيدةُ الحديثةُ تلزمُها ثقافةٌ واسعةٌ في كلّ مجال ثقافيٍّ, كي تنافسَ القصيدةَ القديمةَ التي تتكئُ على الوزنِ والقافيةِ ومخزونٍ لا مُتناهٍ من الصُّورِ الشِّعريَّة التي تراكمتْ عبرَ العصُور. فالقصيدةُ الحديثةُ ترى نفسَها الوعاءَ الأنسبَ للتَّطوّرِ الفكريِّ والثقافيِّ والفلسفيِّ والمجالَ الرَّحبَ لاستيعابِ الثقافةِ العربيَّة والعالميّة. وهكذا تظهرُ حاجةُ الشَّاعرِ المُلحّة للثقافةِ المُتنوعةِ لكي يستطيعَ أنْ يُطوّرَ في شكلِ القصيدةِ ومضمونِها. فالثقافةُ بما فيها من تنوّعٍ تمنحُ الشَّاعرَ أفقاً واسعاَ سَواءٌ كانتْ هذهِ الثقافةُ مُستمدةً منَ التراثِ المعنويِّ أمِ المَادي العربيّ أو غيرهِ منَ التراثِ العالميّ, وذلكَ بقراءةٍ حديثةٍ تَستجلي معالمَ هذا التراثِ وتصوغُه بشكلٍ جديدٍ وملائمٍ للعصرِ الذي نعيشُ فيهِ, وهنا نحنُ أمامَ سُؤالٍ مُهمٍّ يطرحُ نفسَه : مَنْ منَ الشُّعراءِ المُعاصرينَ يستطيعُ أنْ يحملَ رايةَ الحَداثةِ, ويتمُّ مسيرةَ التَّحديثِ في الشِّعرِ بعدَ أنْ رأينا كَمَّاً هَائلاً منَ المُتطفلينَ على القصيدةِ الحديثةِ, وما دورُ النقدِ في إيقافِ هذا الطَّوفانِ منَ الشِّعر الذي يَجترّ أفكارَ السَّابقينَ وأسَاليبهم, في ظلِّ غيابٍ شبهِ تامٍّ للثقافةِ؟؟؟
منْ هنا -في رأيي- يبدأُ عملُ الناقدِ الصَّادق, وتظهرُ مِصداقيةُ النقدِ الحَقيقي في تأثيرهِ على أرواحِ المُبدعين وتكريسِ الأدبِ الرَّاقي والحَقيقي, منْ جهة ونبذِ الأشكالِ المُزيفةِ, وَهنا تبرزُ أهميةُ النقدِ الحَقيقيِّ النزيهِ الذي يترفَّعُ عنِ كُلِّ أشكالِ الزَّيفِ والمُحاباةِ والتَّساهلِ في تناولِ القضايا الأدبيّة والفنيّة للقصيدةِ. إنّ غيابَ الشَّفافيَّةِ في النَّقدِ يؤثرُ بشكلٍ مُباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ على النتاجِ الأدبيّ , فيرفعُ المُزيفَ من جهةٍ ويحبطُ المُبدِع الحقيقيِّ منْ جهةٍ أخرى.. لذلكَ نلاحظُ غيابَ بعضِ المبدعينَ عنِ السَّاحة الأدبيّة, وأعتقد أنّ سببَ ذلكَ يعودُ إلى ما أصابَ النَّقدَ منْ عَمىً ثقافيٍّ عامٍّ كما قالَ الناقدُ عبدُ الله الغذاميّ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق