‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

2021/04/24

قراءة في رواية " أمجد عبد الدّايم يركب البحر شمالا " للكاتب محجوب العيّاري


كتاب الرّافدين

يحضر البحر في عديد الرّوايات تيمة مركزيّة هو فيها مدار العملية السّردية برمتها كما أنّ له حضورا سوسيولوجيا مفرزا لنمط مخصوص من العيش، فتقام حوله بيئة لها طابعها المخصوص ويؤثر في نفسية الناس وكيفية وجودهم وسبل معاشهم.
والرواية التي نحن بصددها اليوم دارت وقائعها في بيئة بحريّة... بيد أنّ بطل هذه الرّواية الطارئ من بيئة قارّية سوف تجمعه بالبحر علاقات مخصوصة هي بين الحب والارتياب والرهبة والحياة والموت... هو لن يباشر البحر على أنّه ذلك الحوض المليء بالملح... ولكن سيعاشر امتداده في اليابسة... في هذا الامتداد أي في زواج الماء بالتراب أمكن أن يجد بعضا من وهم الطمأنينة وسرابا من التوازن وبعض اللذة ...لكن الماء المحض لن يكون بالنسبة إليه إلا سبيلا للاغتراب وللتلف.
صدرت هذه الرواية سنة 2006 ولصاحبها كما هو معلوم خمسة مجاميع شعريّة، ثم كتب هذه الرواية خاتمة لمنجزه الأدبي قبل تعريبه لرواية أخرى لمنصور مهني "العنكبوت" وعندما يتسرّب شاعر وقارئ نهمٌ إلى مجال السّرد يأتي فيه بما يخالف المعهود، فهو إمّا أن ينجز سردا مُشبعا بالمجازات تطغى فيه الصّور وربما طغى البيان كذلك على الحدث حتى لا يكاد يرى، وإمّا أن يأتي فيه بكل طريف مع اقتصاد في العبارة الشّعرية كما هو الشّأن في رواية محجوب العياري من جهة البحث عن شكل مستطرف غريب.
وجدّة هذه الرّواية ومظهر الابتكار فيها متمثل في اختراق الملحوظات النقدية للمتن الرّوائيّ أي في تداخل الفضاءات بالمعنى الذي وضعته منظومة جيرار جينيت في كتاب "طروس"... فالأصل أنّ ما سُمّي بالميتانص "كما نقله سعيد يقطين" Métatexte مقيم خارج فضاء المتن بينهما برزخ لا يبغيان... وهو متنوع المادة شامل لما ينشا حول النّص من نقود وملحوظات وتقييم وهوامش وإحالات.
نجد رواية أولى يمكن تسميتها بالرّواية الظرف تحتلّ ممهّداتها Paratexte الغلافَ الخارجيّ وهي العنوان "أمجد عبد الدايم يركب البحر شَمالا" واسم المؤلف محجوب العياري وعبارة تحدّد الجنس الأدبيّ وتخاطب القارئ وتوجّه القراءة. وفي الدّاخل يعترضنا نصّ داخلٌ في ما عينّاه ب"ما فوق النّص" متميز طباعة بالخط الغليظ، يتحدث بضمير التّكلم ويروي قصّة تلقّي هذا المتكلم لمخطوط من مؤلف شابّ، ويتخلل كلّ ذلك – إلى جانب الملحوظات النقدية- فقراتٌ عن المؤلف ووقائع من سيرته تحتل نهاية الكتاب في فضاء صفحاتٍ عشرٍ حيث يُصبح السّرد غير متعلق بأمجد عبد الدايم بل بالضّمير الذي تلقى المخطوط وقرأه.
أمّا الرواية المظروفة فمتميّزة بالخط الدّقيق المستعمل في المتون وبعتباتٍ خاصّةً بها من اسم مؤلفها "أمجد عبد الدايم" ومن عنوان "المرافئ السّراب" ومن عبارة لتوجيه القراءة "رواية"...ثم وقع تسييجها بعبارة "تمت" في نهايتها قبل أن يتواصل الرواية الظرف حتى نهاية الكتاب.
نصّان متمايزان شكلا ووظيفة وطباعة لكنّهما متداخلان دلاليّا وشكليّا حيث تداخلت فضاءات النص حتى يلتقي الرّافدان في الخاتمة في مصبّ واحد حين يقرأ الضّمير المتكلم في الرواية الظرف نعيَ أمجد عبد الدايم في إحدى الصّحف ويكتشف أنّ الشخوص الافتراضيّة التي في رواية عبد الدايم هي شخصيات حقيقية ذات وجود فعليّ.
لقد وضعنا هذا التقديمَ في محاولة للتعريف بالشكل المبتكر لكتاب محجوب العياري هذا واشتغاله في الكتابة السّردية على المزج بين فضاءين للنّص دأبهما الانفصال وذلك بطريقة تربك القارئ فيختلط عليه الخيال الرّوائي بالحقيقة والوجود الرّوائي بالوجود الواقعيّ والنّصّ الخيالي بالنّصّ السّيرذاتي
قدمنا في مطلع هذا الحديث ما يلمس منه ان أمجد عبد الدايم قد نشأ في بيئة قارّيّة وأن ظروفا محدّدة دفعت به إلى ان يقترب من البحر... وعندما ينظر المرء في الطبيعة يتبين له أنّ في كائناتها ما هو بريّ وما هو مائي وما هو برمائيّ... وأمجد عبد الدايم هو ابن القارة بامتياز، جرّ إلى البحر قسرا بعد إذ فشل في تأمين معاشه بالوسائل البرّيّة.... يقول: " في بداياتي اشتغلت خضارا ثم ماسح أحذية ثم بائع خرداوات وسائق عربة موتى ثم عرّافا وبعدها حين فشلت في كل ذلك أصبحت بحّارا" ص 14
كلّ هذه الحِرَف المستعرَضة ليست مجرد مهن اتخذها بطل الرّواية لكسب العيش فحسب ولكنها فضلا عن ذلك تقلباتٌ في الموجد واختبار لوضعيات الكائن القلق وتنويع في التّجريب، ويتجلى البحر مجالا للتّجربة الأقصى والأقلّ أمنا ...تقوم التّجربة البحريّة على تخوم الحياة لأنّها تحمل الإنسان على نقيض طبعه ومفارقة ما جُبل عليه من الطّمأنينة على اليابسة. يقول "رغم يقيني أنّي ما خلقت لأكون بحارا" ص 75 ويقول أيضا " ولكن فكّرت في أخطار البحر أنا الذي لم أتعلم السباحة يوما" ص 76
ورغم أنّه تبرّم بالعيش فإنّه، عندما ركب البحر وتوغّل به مركب الرّايس حمزاوي وانقطع عن اليابسة لم تتمثل له صورة المطلق الجميل ولا أوحى له ذلك برهبة ميتافيزيقية منبهرة ولم يقرّبه ذلك من السّماء ولكن ثمثلت له صورة العدم وغياب المكان الموفّر لطمأنينة الجسد والرّوح بسبب غياب كامل لصورة المعالم ذات المراجع المألوفة المطمْئنة الحاصلة من تجاربه السّابقة وغياب العالم المرئيّ وحلول صورة أشبه بالعماء تغيب منها المعالم وتنعدم مقاسات الأبعاد. والدّخول في جاذبية البحر لم يفقده المعالم المألوفة فحسب ولكن أفقده الخبرات السّابقة التي حصّلها باعتباره كائنا مجرّبا، فهو في البحر كائن يبدأ تجاربه من الصّفر ويلغى كل ما حصل من الخبرات .... وأفقده الاتّجاهات وأفقده الألوان المميّزة للأشياء وأفقده الأشكال من أعراض وأطوال. فتوغّلُ الكائن الترابيّ في البحر أفقد معالم الوجود مجتمعة...
بيد أن الرّواية لم تتحدث عن ثقل وخفة على سطح الماء... وهو أمر كانت القراءة تنتظره في مثل هذه الحالة ولا نتحدث هنا عن الكتلة الفيزيائية فحسب بقدر ما نشير إلى فراغات الرّوح وامتلائها بالشّعور بالفقد وبالنّسيان وبضياع الأمكنة والاتّجاه. قال: البحر ليلا... يا لهذا الامتداد الذي لا يحدّ لا شيء غير هذا الأزرق الكحليّ يطوقنا من كلّ جانب" ص 77 ثم قال في نفس الصفحة: "أحسست بدوار شديد ... ضحك البحارة وأنا أنازع الموت."
... لقد تجلّى البحر فضاء عصيّا على الامتلاك مثل القارّة تماما حيث التّنقل في المكان وامتلاكه والإقامة فيه أمر أهونُ على عسره... والبحر كثيف، سميك، مائع، غامض، ومشحون بقوة يمكن أن تقلب سفينة وتحْطمها، وفضلا عن كلّ ذلك فإنّ التّجربة البحريّة ركّزت على تفاعلات الجسد باعتباره ظاهرة بيولوجية واجتماعية كذلك... وأمجد عبد الدايم شخص طردته اليابسة من كلّ ركن آمن فيها... حتى الدّخول في مؤسّسة الزواج كان في مرحاض قطار، كما طردته من مؤسّساتها التي قد تكون إطارا مساعدا على نحت كينونة ما: طُرد من المعهد الثانوي ومن الجامعة ومن مؤسّسة الزواج ومن مؤسّسة الحبّ، أهانه والد زميلته ورماه بالسّرقة وأخزاه، وهجرته سلمى لأنّه لم يقدر على الدّخول بعواطفه وبجسده لا في حيّز اللغة ولا في حيّز الفعل، فلم يخبرها بحبّه ولم يأخذ جسدها بل تركه لزوجها واكتفى منها بملامسة اليدين في هوس تميميّ لا جدوى منه... وبدا له أنْ سيجدُ في البحر ملاذا فدخله بلا خبرة مشحونا بجملة من الدّلالات الاجتماعية باعتباره سليلا لقرية في الرّيف لا عهد لأهلها بالبحر وبنشاط النّاس فيه وبالخبرات المطلوبة لمجابهته والإقامة فيه.
سوف يقضي أمجد عبد الدايم بضعة أيام في البحر حتى أعجبته الحياة البحرية فأنكر الرجوع إلى اليابسة... لكنه كان واهما، فرُهاب البحر عَلِقٌ بعمق روحه وإن انجذب إلى البحر فبفعل الرّغبة اللاواعية في الموت... ها هنا يتجلى البحر ذا أبعاد ميتافيزيقية مرتبطا بحتمية لا فكاك منها، فهو إن لم يقتله في الأولى بقوة العاصفة فقد أسلمه في الثانية إلى الاعتقال فالموت في ظروف غير معلومة... هاهنا يرتبط العنوان، وهو العتبة المقيمة على التّخوم، بعمق دلالة البحر في هذه الرواية، فأمجد عبد الدايم ركب البحر شَمالا قاصدا أن يموت... كائنا لعينا لم يتّسع له البرّ كما لم يتسع له البحر ... وهو يموت في البرّ مَيْتته الثانية، فقد كان شقيقه التّوأم الذي توفي حاملا لاسمه هو... فكأنّ تلك التّسمية التي اتُّخِذت له من أخيه ورمت به في مسار غير مساره وفي قدر غير قدره هي الحاملة للعنة.

البحر يستلقي على اليابسة
والبحر في هذه الرّواية ليس حبيس الوهد تطغى لججه ثم تتراجع دأبًا، ولكنّه ممتدّ داخل اليابسة بما استحُدِث حوله من المؤسّسات المتّصلة به والمستمِدّة منه علّة وجودها وهي العلامات التي تميّز بيئة بحريّة عن مثيلتها القارّيّة.
فإذا كان البحر بأمواجه وبزوابعه الأكول وبطبيعته المائعة غير المستقرّة قد مثّل مجالا لاختبار شخص غير مؤهّل لذلك، كما مثل فوبيا مجسِّدة في طائفة من المكاره كالغثيان والإغماء والمغص وفقدان ما ألف أمجد عبد الدايم من معالم الاستدلال الثابتة وتجسيدا لصورة العدم حيث لا مكان ولا اتجاه ولطريقة الموت البحريّ حيث تنهش الجثة الحيتانُ والغيلان ممّا جعله يفضل الطريقة البريّة عليها... فإنّ وفرة البراديقمات في السّجلّ الاستبدالي للمؤسّسات المتعلقة بالبحر والممثلة امتدادا له على اليابسة لا تثير أيّ هاجس، بل هي مرتبطة بجملة من المباهج كالصّداقة والحبّ والخمرة وتلقي الرّسالات وكانت مسرحا مناسبا لبحث امجد عبد الدايم عن أفق يهرب إليه من خيباته المتتالية...
إن وفرة البراديقمات المعيّنة للمؤسّسات التابعة للبحر كالحانة والمقهى والميناء والمركب وما حايثها من الأعمال كالسّكر ومواعدة سلمى وتناول الطعام بغلال البحر وما شابه من تسميات تعيّن المكان وتخصّصه وتحدّد موقعه (مقهى الشاطئ، حانة الموجة الضاحكة، حانة النورس، مقهى الدلافين...) تقوم نقيضا للسّديم البحريّ الذي ينتفي فيه كلّ اتجاه وكل بعد وكل استدلال ويكرّس بطلَ الرواية كائنا غريبا لا صلة له بالبحر ويؤكّد مفهوم الاغتراب الذي لازمه على ظهر اليابسة، فهو منبوذ أينما حلّ. ويتجلى من خلال كلّ هذا البعدُ الوجوديّ للرّواية حيث يبدو أمجد عبد الدايم شخصا اغترابيا غير قادر على تحقيق أيّ شيء من انتظارات مجتمعه (فشل في أن يكون شرطيا مثلا وفشل في العهد الثانوي وفشل في الجامعة التي دخلها بهوية زائفة هي هوية شقيقه التوأم المتوفّى) كل ذلك ولّد لديه شعورا بالانفصام جعل علاقاته الاجتماعية غير وديّة ولامبالية وجعل حياته دون برنامج محدد لأنه فاقد للهدف.
****
ونقول على سبيل الخاتمة إنّ رواية "أمجد عبد الدايم يركب البحر شمالا" رواية "بحريّة" تدور أحداثها حول البحر وفيه، تروي لقاء غريبا بين كائن قارّي الطباع، ترابيّ الرّوح وبين عالم الماء المكتنَف بالغموض... يُدفع هذا الكائن التّرابيّ إلى البحر قسرا كالمجرور إلى نهايته.
وهي رواية الاغتراب الوجودي بمعنى الانسلاخ عن المجتمع واعتزاله والعجز عن التكيّف مع الأوضاع التي حدّدها له الأهل ومع المسارات التي سطروها لكينونته واللامبالاة وانعدام الشّعور بالانتماء لا إلى أهل ولا إلى مكان فاستقرت الغربة في ذاته حتى أضحى غريبا عنها.
وهي أيضا رواية الاغتراب الاجتماعيّ بمعنى فقدان المعايير والقيم الاجتماعية، أو ما أسماه دوركهايم باللامعيارية، ففقد ضابط السّلوك السّويّ بحيث أصبحت مواقفه متّسمة بضعف الحافز واللامبالاة وسطحيّة الشّعور. ولنُشِرْ فقط إلى طريقة زواجه في مرحاض قطار بامرأة التقاها للتوّ أو احتراف العِرافة أو خداع المرأتين في الباخرة... فقد كانت علاقة أمجد عبد الدايم بمنظومة القيم تلك التي تركها في قريته أو التي وجدها في المدينة قد غدت علاقة تنافر وعدم تطابق في كلّ شيء، حتى صارت غريبة عنه.
وعلى العموم فقد عاش أمجد عبد الدايم هذا الاغتراب على أكثر من وجه: اغتراب ذاته عن جوهرها بفقدان مرتكزات الانسجام الدّاخلي واغتراب عن البنية الاجتماعيّة بفقدان الدور والهدف والمعايير القيمية واغتراب عن المكان باعتبار البحر عالما أجبر على تجريب العيش فيه دون أن يكون مؤهلا لتلك التّجربة.
ولعلّ من تجسّد غربة الكائن الترابيّ في عالم الماء أن المؤلف وهو شاعر (كان مولده في بيئة قارّية لكنّه يُدفع هو الآخر إلى البحر في بنزرت أوّلا ثم في نابل ويعاشر البحر على نحو ما)، فإنّنا لا نعثر في الرواية على ما يمكن أن ينسج خيال الشّاعر من صور متعلقة بالبحر ولا ما تدير الثقافة حوله من الأساطير ومن الابتهاج به ومن التّغنّي بجماله ومن تجلّيات المقدّس، بل على عكس ذلك اقتصر الحديثُ عن البحر عند المظهر التّجريبيّ قوّةً أكّالة للبشر حمّالة لهم إلى نهاياتهم ومجالا لاختبار الجسد التّرابيّ لمجموعة من المكاره مثلما اختبر الموتَ الوشيكَ ... قبل أن يؤدي البحر به إلى نهاية مأساوية غامضة في أرض غريبة.

2021/03/10

الواقعية المتمردة في مسرحية " ما وراء الوراء " للكاتب مجد الدين سعودي


 الدراما هي نوع أدبي أدبي مؤثر جدا ، يسمح بتداخلات متعددة في التعبير ، فيتقاسم حوارها الأدبي أكثر من شخصية ، كل حواراتهم يربطها ويجمعها موضوع واحد . يقدم فيها " المونولوج " للممثل أو المتلقي الواحد تعبيرا عن المواقف الحساسة والداخلية والنفسية المضطربة ، مثل مونولوج ( أكائن أنا أم غير كائن ؟ ) من مسرحية " هملت " ل " شيكسبير " . وهي مواقف أدبية لا يصلح للتعبير عن التضاد النفسي الداخلي فيها إلا للمونولوج . وجلي أتتبع وتخضع اللغة المختارة لطبيعة المشهد أو الموقف ، كما يستحسن أن تصبح اللغة للشخصيات والانفعالات . تتطور الأحداث في الدراما من الواقع ويتضح ذلك من حوار الشخصيات ، فتعرض الحي والواقع والحدث والتصرفات ، وأمام حضور جماهيري ، ومن خلال الأحداث يعرض الموضوع طاجزا . يعتقد البعض بعدم وجود درامات تكتب للكتابة ( درامات توفيق الحكيم - درامات عبدالله القويري ...) ، فالداما سواء مثلت أم لم تمثل فهي تتضمن داخلها عناصر الأدب الدرامي أو العرض المسرحي ، ويتضح ذلك في شكلها المونولوجي والديالوجي والمنظري والحدثي .

الدراما هي أقدر على إبراز المضمون الدرامي للأدب بطريقة مكثفة ، ويضم التركيب الأدبي للدراما ( مقدمة الصراع ) ، أي الكلمة الافتتاحية أو البرولوج ، ثم العرض العام أو ما يطلق عليه ( مدخل المسرحية ) ، أو الفصل الأول وفيه تقدم الشروحات والإبانات ، ثم صلب المشكلة أو العقدة ( الفصل الثاني في بعض الأحيان ) ، وفيه تتجسد التضادات وصولا إلى الذروة ، ثم تنتهي الدراما بالحل في الفصل الثالث ( في الجزء الأخير منه ) . ويختلف الأمر في المسرحيات ذات الخمسة فصول . الفكرة في الدراما تمر بمراحل هامة متصارعة مع القواعد الأدبية والفنية من خلال علاقات داخلية نظريا وتطبيقيا محافظ على تتباع المشاهد من خلال قضايا التسلسل الدرامي مع التضاد المفاجئ ، أي الإبقاء على محددات درجات الاضطراب والاحتفاظ بالصراعات ساخنة .
يقول عبدالرزاق عودة الغالبي : " تعرف المسرحية بأنها : نص قصصي حواري ، يصاحبه مناظر ومؤثرات فنية مختلفة . ويراعى في المسرحية جانبان : جانب النص المكتوب ، وجانب التمثيل الذي ينقل النص إلى المشاهدين حيا ، وتتفق المسرحية مع القصة في بعض الجوانب وتختلف عنها في جوانب أخرى ، فالمسرح فن خالص لا يقنع بغير الإيحاء ...ومن هنا كانت الكتابة للمسرح عملية خلق لا عملية تعبير ...فالتعبير نقل لما هو موجود بالفعل ، أما الخلق فعملية تحويل ما هو موجود إلى كائن جديد ، أما العناصر المشتركة بين المسرحية والقصة تتمثل في : الحدث ، والشخوص ، والفكرة ، والزمان ، والمكان ، في حين أن العناصر المميزة للمسرحية تنحصر في البناء ، والحوار ، والصراع ، وأدوات العرض المرئي ...." ( 1 )
سنخصص لدراسة عتبات العنوان ( ماوراء الوراء ) دراسة نقدية ذرائعية خاصة إن شاء الله ، أما في دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة هذه فسنغوص في نص مسرحية " ما وراء الوراء " ( من كتاب " ما وراء الوراء " الذي يضم بين دفتين نصوص مسرحيات أخرى ) من خلال المفاتيح النقدية التالية "
* الفكرة
* الشخصية المونودرامية
* الواقعية المتمردة
* تجاوز المسرحية لكتابة التكريس والخطاب النفعي
ملحوظة : قدمت مسرحية ( ما وراء الوراء ) على خشبة المسرح بعنوان ( العوامة ) .

1 - المدخل البصري لكتاب نصوص مسرحية " ما وراء الوراء " لمجدالدين سعودي .
كتاب النصوص المسرحية متوسط الحجم ، تحتوي مابين غلافيه مائة وسبع وعشرون صفحة ، افتتح بإهداء جاء فيه : " إلى الصامتين والسائرين في دروب الإبداع بقوة ...
إلى المهمشين في أوطان الثراء الفاحش ...
إلى النائمين في الشوارع ...
إلى البسطاء الذين يعيشون الفقر والقهر ...
إلى الحالمين بغد أفضل ...
أهدي نصوص المسرحية المعنونة ب ( ما وراء الوراء ) ..."
يضم الباب الأول مسرحيتين :
- مسرحية : " ما وراء الوراء " من الصفحة 6 إلى الصفحة 36
- مسرحية : " الخيول البابلية " من الصفحة 37 إلى الصفحة 52
ويضم الفصل الثاني :
- مسرحية : " احتضار سيزيف " من الصفحة 53 إلى الصفحة 91
- مسرحية : " لعبة الحياة " من الصفحة 92 إلى الصفحة 127
دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة هذه ، سنغوص من خلالها في مسرحية " ما وراء الوراء " من الصفحة 6 إلى الصفحة 36 ، النص مسرحي مونودرامي .
ملحوظة : لمسنا تمردا على التجنيس في الكتابة المسرحية عند الأديب مجدالدين سعودي وكذلك نمط كتابة الدراما كما حددناها في المقدمة .
2 - الوجه الآخر للكاتب / الوجه المسرحي ( سيرة ذاتية ) :
( أضف أخي مجد الدّين سيرتك الذاتية المسرحية ) أنت حر سواء كانت مختصرة أو مطولة / تحياتي
3 - الفكرة / الشخصية / الواقعية المتمردة / تجاوز الخطاب النفعي / نموذج مسرحية " ما وراء الوراء " .
* الفكرة :
إن الفكرة في الدراما هي ما تحيط بها ألف فكرة وفكرة ، سواء على المستوى الداخلي وكذلك الخارجي ، عادية وغير عادية ، مقبولة أو من الصعب وقبولة إلى غير ذلك من المتناقضات التي تجبر الكاتب وتجعله يقف محتارا ومتسائلا حول (درامته ) والاتجاه الذي يسلكه وكيف يحقق فكرة ( درامته ) . هناك مشاكل تطرح خاصة في الفصل الثالث حيرت كبار كتاب الدراما ، لأنه الفصل الذي يتجسد فيه كل شيء ، ولما تتضمنه النهاية كذلك والحيرة في اختيارها ، فهل ستكون كوميدية أو تراجيدية ، أو مفتوحة أمام الجمهور و المتلقي تفهمها كما تريد ، كما أن هذا الفصل تتحول فيه الكوميديا إلى تراجيديا ، والأحداث المتأزمة إلى حلول سريعة ومفاجئة .
إن الفكرة التي يرغب الكاتب " مجدالدين سعودي " في مسرحيته " ما وراء الوراء " انبثقت بطريقة احترافية ، خرجت من الحقيقة الخام في فكرة بكر ، وقد تكون عاشت معه في الشعور واللاشعور ، هي فكرة اللقطة التي لا تتجاوز الثواني ، لكنها تجر آلاف ابأفكار وتعود بالزمن من جديد . يقول " عبدالكريم برشيد " : " إن الخطاب المسرحي يملك دائما حق تجديد أدواته وتقنياته وذلك استجابة لتغيير البيئات المكانية والزمانية ، واختلاف طبيعة وذهنية أقطاب الخطاب ، وبهذا وجب أن نعيد النظر ليس في المسرح كمسرح ، ولكن في الصيغة التي تسربت إلينا من الغرب ، وهي صيغة لا تخرج عن كونها مجرد اجتهاد فقط ، وهو اجتهاد مرتبط - ليس بنا نخن - ولكن بالآخرين ، وذلك باعتبار أن أهم الثقافات وذهنيات تنتمي لبيئات مكانية وزمانية مغايرة ، ومن هنا وجب أن توضع هذه الصيغة الغربية موضع الشك والتساؤل ...." ( 2 )
لنتأمل منطلق فكرة مسرحية " ما وراء الوراء "( 3) وبعدها نغوص في التحليل .
قطع الديكور والإكسيسوارات : ( - لوحة كبيرة للقمر باللون البني - عوامة عبارة عن مركب صغير يركب فيه البطل حسب تسلسل الإحداث - مشنقة كبيرة تغطي مساحة كبيرة في الخشبة - عصا - عصابة سوداء - ملابس وكتب وجرائد ممزقة - قناع مخيف - مجهر وهمي بحجم كبير - عكازة ) ( ما وراء الوراء ) الصفحة 7 .
نتأمل منطلق الشخصية البطل في مسرحية " ما وراء الوراء " وبعدها نستعد للغوص .
( في بداية المسرحية يكون الممثل مسترخيا ، ثم يبدأ في السير في كل أنحاء الخشبة سيرا بطيئا ، تبدو عليه إمارات الحزن والتعب ، خطواته ثقيلة ، بين الفينة والأخرى يضع يديه على رأسه دلالة على وجود الألم ، يفرك عينيه ليتأكد من وجود النور ، بعد عملية السير المرهقة يجلس داخل العوامة .... ) ( ما وراء الوراء ) الصفحة8.
* الإكسيسوارات :
المسرح جزء من الحياة ، وقطعة من الواقع ، لهذا كان طبيعيا أن نجد كل الاكسيسوارات لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بحياة الإنسان ، نتائجه ( الاكسيسوارات ) مهمة في المرئيات التي تحمل في طياتها الصورة المسرحية وصدقها ، وهو يسير والفكرة في النهاية بفكرة المسرحية سواء في الثبات أو التحول إلى القبول والاستحسان .
* الفكرة :
الحدث في مسرحية " ما وراء الوراء " بدأ صامتا ، أي بدون حوار ، بحركات اليدين والرجلين ، والشعور بالحزن والألم ، واستخدام للشخصية حواس أخرى ، فهذا الحدث الصامت بدون الكلمة أو النص المسرحي ، نجده في كل مكان وفي كل حياة ، لأن كل إنسان ممثل في الحياة وهي المسرح الكبير ، يقول " كارل جروس " في كتابه " ألعاب الشعوب " : " ...لعب الحيوانات كالكلاب والقطط ، بالحجارة والأخشاب ...يمكننا أن نسميه حدثا ، أي الصيد والاصطياد ...نشاط حدثي ملموس كما لو كان مسرحية صامتة التعبير ...." ( 4 )
الفكرة تسير في خط المضمون الدرامي السياسي في الوطن العربي مثل ( كفاح شعب - مسمار جحا - شندواي الحمراء وغيرها ) . تتضمن الفكرة مضمونا سياسيا دراميا تؤثر وتتأثر بالمضمونين الاجتماعي والثقافي .
للأدب الدرامي عموما في الوطن العربي ارتباط كبير بالأرض وما يجري عليها من أحداث وعواصف وكفاح وصراع ، تدفع به إلى الأمام وهو مرتكز على أرض الواقع بأحداثها الكبيرة والصغيرة ، و هو ما يؤدي إلى صدق الفن وشفافية التعبير . والسؤال الذي يطرح نفسه علينا : ما هو وزن واقع الدراما العربية ؟
إن قلة انتشار المسارح حجب عن الجمهور ومتذوقي الثقافة المسرحية ، مما أدى إلى إحباط قوى المحاولات الأدبية التي قد تضيف جديدا للأدب الدرامي العربي ، باستثناء انفلات محاولات " الطيب الصديقي " و " الفريد فرج " ، فهما كافحا في وضع تصورات العودة إلى الأصل بحثا عن الأصالة عن طريق أدب درامي عربي .
تقول الممثلة الأردنية " مجد القصص " في مقالتها المعنونة ب( المونودراما : مسرح الشخص الواحد ) : " فمن خصائص النص الدرامي ، الموضوع : غالبا ما تكون موضوعات المونودراما مؤساوية الطابع ، ناتجة عن تجربة ذاتية مريرة ، هذه المأساوية هي ما يفتح الأسئلة المصيرية الكونية والوجودية . الزمن : يكون الزمن في المونودراما ملحمي البعد ، بمعنى أن يكون متععد المستويات ، ولكن يكون الزمن الحاضر النصيب الأكبر ، ويمكن أن تختلط المستويات دون تسلسل منطقي . المكان : المكان أيضا متعدد المستويات في المونودراما ، حيث تستحضر الشخصية الوحيدة ملامح الأمكنة خلال عملية التداعيات الفكرية . اللغة : تميل اللغة في النص المونودرامي إلى السرد ...." ( 5 )
تتضمن الفكر في مسرحية " ما وراء الوراء " ( برولوغ ) و اثنى عشر موقفا :
1 - فجر
2 - فجر الفجر
3 - ضحك
4 - حراسة
5 - الشهادة والولادة
6 - هيجان
7 - البيان الأول
8 - ثورة
9 - استجواب
10 - عبث
11 - حلم
12 - الرسالة
قبيل ستار النهاية ( ستار النهاية ) الصفخة 35 / ( اليوم أكملت الرسالة ، ورضيت لكم طريقي نبراسا ، اليوم انتهت حياتي ، فلتبتدئ حياتكم ...فلتبتدئ ....فلتبتدئ ....فلتبتدئ ....)
* الشخصية ( البطل الدرامي / المينودراما ) في مسرحية " ما وراء الوراء " :
منذ بداية تاريخ المسرح والإنسان متجسد فيه ( الشخصية المسرحية ) المرتبطة بأحداث المسرحية . تصبح الشخصية مثيرة إذا كانت ذات طبيعة خاصة أو أو غريبة في أحد أشكال الحياة ، أو هي أحد النماذج في المجتمع ، فهي ( الشخصية ) حاملة لفكر الكاتب الدرامي ، تنوب عنه وعن لسانه . يقول " الدكتور كمال عيد " : " ...البطل الدرامي العصري في حياتنا هذه لا بد وأن تلمس شخصيته عناصر الحرب ، حتى لو كانت حربا ضد تصرفات مجتمع أو سلوك أفراد ...كما أن النشاط الدرامي هو أحد عناصر شخصية البطل الدرامي أيضا ..".(6 )
الشخصة في مسرحية " ما وراء الوراء " هي شخصية مينودرامية أي " تقوم على ممثل واحد يسرد توالي الأحداث عن طريق الحوار ، هو مشهد واحد ونص مسرحي واحد للمثل واحد ، وهو المسؤول عن إيصال رسالة المسرحية ودلالاتها جنبا إلى جنب ..." ( 7 )
سنقتطف من حوار المواقف ما يقربنا من شخصية البطل ، والذي سوف لن يتعرف الجمهور على اسمه إلا في الجمل الحوارية في آخر الموقف الاثنى عشر ، اسمه " عبدالصبور ".
- عبدالصبور ( برولوغ ) : " هكذا أجلس لأستريح وأطلق ذاتي السجينة ( يبدأ عملية التجذيف ) تسبح ...تسبح ...تسبح ...وأطلق العنان لأفكاري لتمرح ...وتمرح ....وتمرح ....وأسرق لحظات الأفراح ...وأفراح ...وأفراح ...( صمت ) ، لكن أحس بكابوس الأعاصير يطبق علي الخناق ، وبضربات همجية تمطرق وجودي وتعيدني لزمن الولادة والشهادة ...." الصفحة 8
- عبدالصبور في الموقف الأول : " ....أصوات مقيتة ومبهمة تمارس علي هوس الأوامر ...غياب قسري ...تغييب وإرهاب تحت راية الوطن " الصفحة 10
- عبدالصبور في الموقف الثاني : " ... هذه المرة ، قال المطقطق الجديد : ( يا بن الأفعى ، لقد فجرت القمر ؟؟؟ ...لكن أخبرني من أين أتتك القنابل والمدافع ؟ كيف حصلت على الخرائط وتصميم الشوارع والمراكز الحيوية ...لا بد أن لك خطة لتغيير إشارات المرور وأنظمة الوقوف والركوع ...تكلم يابن الأفعى يا مفجر القمر ..." الصفحة 12
- عبدالصبور في الموقف الثالث : " ...( ويغضب موجها الخطاب للمطقطقين ) : أسكروا أيتها النعاج الضالة ، لقد انتهت العوامة ، اغتالها الأعداء والأصدقاء والصدر الذي اتكأنا عليه سابقا ، اغتالها المجاهدون في سبيل السقوط والركوع ، فاشربوا أيتها الحثالة نخب السقوط ..." الصفحة 15
- عبدالصبور في الموقف الرابع : " ....أنا الطفل الهمجي الآتي من أعماق البحر ...من عنبر الصمت المستمر ...من كابوس الحلم القاتل ...من الغوص والتمعن في بحر الديمومة ، أنا البطل الغير متوج ...." الصفحة 16
- عبدالصبور في الموقف الخامس : " ...( صراخ ) ... ولم أشعر إلا والجحيم يطقطقني ، يكسر عظامي ، يسرق روحي ، واشتبكت الطقطقات بالقدقدات والقلقلات لأفقد الوعي لمدة طويلة ...طويلة ....( يمشي كالمعطوب ) ( بصوت منخفض ) طويلة ..." الصفحة 19
- عبدالصبور في الموقف السادس : " ...( يفتح الرسالة ويبدأ في القراءة بصوت متأني ) : الحكاية ياسادة ، حكاية الانتظار الذي تحول إلى اختصار ، حكاية الانظار ، حكاية وجود ذابلة بالاصفرار ، البارحة ، اليوم ، وغدا ، العوامة بقيت كما كانت ، الحركة فيها ماتت ، المحرك معطوب ، ومن يحركه مازال ...( يجسد عملية النوم ) ...والدوامة أخذت العوامة ...( يخبئ الرسالة في مكان آمن ) .... " الصفحة 21
- عبدالصبور في الموقف السابع : " ....يا أنا يا أنتم ، يا من يأكل الذل والبهتان ، يا من يغطى وهو حي بالأكفان ، يامن يباع ويشترى في سوق المزايدة وفي البورصة السوداء ، وسط العواصف الهوجاء ، يا أنا يا أنتم ، كم لعقتم من هم وشربتم من سم ، ونمتم في فراش من دم ....( موسيقى صامتة ) ...." الصفحة 23
- عبدالصبور في الموقف الثامن : " ...( يبحث داخل العوامة عن البيان ثم يبدأ في القراءة ) : أيها الصائمون من طلوع الشمس إلى غروبها ليفطروا بقضيتنا ، نعلم أننا لم نسقط لا زلنا سائرين متحدين الحصار ، سنخرج من ألف حصار وحصار أنبياء نعلم الناس كيف تكتب الضاد المضادة لضاد البلاغة والحشو والمواعظ ..." الصفحة 26
- عبدالصبور في الموقف التاسع :" ...بدأت الطقطقات تطاردني ....تغازلني .....تحاصرني ..." الصفحة 27
- عب.الصبور في الموقف العاشر : " ...نبتدئ دمى ، نكبر دمى ، الحجر لا يقهر ، والصخر لا يقهر ، وبالحجر والصخر نكبر على بلاط الأحزان ، سنتوالد من جديد ، سنتقمص لغة جديدة ، سنقتل فينا كل شيء لنولد من جديد ، سنتقمص لغة جديدة ، سنقتل فينا كل شيء لنولد من جديد ، سنمحي العنتريات من التاريخ المعلب لئلا لا نكون مسيح الجهل فنصلب من طرف أبي جهل ....." الصفحة 29
- عبدالصبور في الموقف الحادي عشر : " ... قال عبدالصبور : ( كنت أعرف يا رفيقي أنني سأموت اليوم أو غدا ، لأن حياتي تضايق المطقطقين والمقدقدين والمقلقلين ، وكما تعلم فالغذر هو سلاح الجبناء ..." الصفحة 31
- عبدالصبور في الموقف الثاني عشر : " ....سأقرأ حكمتك يا عبدالصبور : ( روما العظيمة الجبارة حطمتها شعوب بدائية ....) ..اتظر يا عبدالصبور ...عبدالصبور.. (.تسمع طقطقات ...اغتيال البطل ...تسمع أناته واحتضاره ..." الصفحة 35
تعيش شخصية عبدالصبور المونودرامية نوعين من الصراع ، صراع داخلي بين عبدالصبور الإنسان وعواطفه ونفسه ، حيث تنمو حالة التداعي وتبرز حالة وحدانيته ، وصراع صراع خارجي يتمثل في الصراع بين الإنسان وشخصية أخرى تتجسد في سلطة الحكم والزمن والقدر والوت . تقول مجد القصص :" المونودراما تحتاج إلى كاتب تشغله قضايا ذات أهمية ، يتناولها بعمق ودون تسطيح ، عبر الحدث الدرامي المتنامي ، ومن خلال عملية الكشف الكامنة في الصراع الداخلي التي تعيشه الشخصية ، التي يجب أن تملك ديناميكية على الخشبة ، شخصية غير ساكنة ، شخصية تملك لغتها المسرحية بحيويتها ..." ( 8 )
عبدالصبور المونودرامي يوصل رسالة المسرحية عبر ( الكلام / الإيماءة / الإشادة / حركة الجسد / الصمت / الانفعال الداخلي : الضحك / الحزن ....) . في المغرب يبرز اسم عبدالحق الزروالي ككاتب ومخرج وممثل وحيد فوق خشبة المسرح ، وأسماء عربية أخرى برعت في المونودراما .
جزء كبير من الهوية الثقافية والفكرية والسياسية ل" عبدالصبور " متواجد في قصيدة ( اتجمعوا ) كلمات الراحل ( أحمد فؤاد نجم ) ، نقتطف لكم جزءا من القصيدة :
باسم الإله الشعب
رب المضربين
الصايم
المحروم على مر السنين
يا منشدين الحي
حيوا حينا
واحنا هنا
ع العهد دايما مخلصين
محلا القصايد
في الشدايد ...والغنا
محلا الكلام الحب
أوقات الشفا
احنا اللي تهنا ع الطريق
من بعضنا
متفرقين
والسجن هوا المتقي
آه يارفقة
من متاهات الطريق
لما الليالي
بيتخنق فيها الطريق
يمشي الصديق في الضلمة ......
* الواقعية المتمردة :
يعرف التيار الأدبي الواقعي في العالم العربي توسعا منذ أسست لانطلاقته درامات " نعمان عاشور " من خلال مسرحيته ( الناس اللي تحت ) ، فكانت بداية لظهور درامات اجتماعية . تيار الواقعية تقرب كثيرا من واقع المجتمعلات العربية ، فساعد وسهام في معاجة القضايا الحيوية في الأقطار العربية .
الواقعية في مسرحية " ما وراء الوراء " تتغدى على عناصر أدبية واقعية بكل تفاصيلها السياسية والاجتماعية والشعبية ، هذه الشعبية على وجه الخصوص والتي لم تنفصل لحظة عن شخصية " عبدالصبور " ، الشخصية البسيطة والتي أعطت للحظة عبقها الواقعي دون زيف أو زخرفة وفي كل السولوك والتصرفات . المخاطب في مسرحية " ما وراء الوراء " الطبقة الشعبية هذه الطبقة التي ظلت شبه مغيبة في الكتابات الدرامية المغربية ( كتابة التكريس لا كتابة التغيير ) هي مسرحية لإبراز ثقافة شعبية المضمون وشعبية الهدف ، المسرحية هي وسيلة توصلنا إلى غاية ، أي تحطيم النظام الطبقي ، حيث احترام الإنسان ومشاعره وقدراته وحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنه " يوجد دائما في الأدب وجهة نظر للطبقة ، والمهم هو معرفة ما نوع وجهة النظر هذه ؟ " ( 9 ) ( المرجع ( 8 ) نفسه ) .
اثنى عشر موقفا تضمها المسرحية تحوي كل مفاهيم التمرد والمقاومة القائم بين ( نعم / النعمة ) و ( لا / التي تجلب كل أنواع السخط ، هي ( لا ) التي تعني أن " عبدالصبور " تجاوزت الأشياء عنده حدها ، وأنه لم يعد باستطاعته التحمل والاحتمال ، فهو يرفض ال(نعم ) التي تلغي كل أنواع الصراع الذي يوصل إلى الخلاص والعدل ونيل الحرية ، فحتى لو كلفه ذلك حياته .
عبدالصبور هو رمز للكتابة البديلة والتي مهمتها تفجير كل ما هو سائد ، وبناء رؤيا جديدة في المضمون الفكري والوحي الاجتماعي والتاريخي ، وهي ولادة لجيل جديد غاضب رافض لكل الممارسات اللاديمقراطية السائدة في الواقع الاجتماعي والسياسي والفني ....فكر كتابة بديل يلغي الفئوية والنخبوية في إنتاج مسرح جاد هادف .
* تجاوز مسرحية " ما وراء الوراء " الخطاب النفعي في المسرح المغربي .
الخطاب النفعي في المسرح يتكيف مع السائد الموجود ، سكونية تعتمد على تكريس ما هو كائن ، والمحافظة على العلاقات السائدة والعقلية المهيمة ، وهي رافد من روافد الفكر المسيطر ، لكي يبقى تكريس النفعية خادما لمصالح أيديولوجية الطبقة المسيطرة ، والتي تتخد من كل الفنون وبخاصة المسرح قناة إعلامية تضمن محافظتها على السيطرة . في خطاب المسرح النفعي نقرأ ونسمع سكونية الإنسان ، أي خطاب يحجب الوعي عن كل سياسي وثقافي . يقول " عبدالرحمن بن زيدان " : " وهذا يدعو إلى اكتشاف ايديولوجية النص المتكررة في الدراما العائلية البورجوازية في مسرحية " العائلة المثقفة " و " بنت الحراز " و " الزوجة الموظفة " ، حيث التمثيل وحده يقوم بالدور الرئيسي في عملة " التواصل " بين المسرح من جهة والأصالة من جهة أخرى . بخطاب يسمم المشاهدة والمشاركة والفعل ". (10 ) ( المرجع ( 2 ) نفسه ) .
ونقتطف شواهد من حوارات المواقف الاثنى عشر عن تجاوز مسرحية " ما وراء الوراء " الخطاب النفعي وهي كما يلي :
- عبدالصبور : " ....قلت للكرسي ، وأنا أتحسس ألم المآسي : أنت يا كرسي الساكن فيه يتعنتر ، وبتفهاهته يتأسطر ...." الصفحة 9
- عبدالصبور : " ...غياب قسري ...تغييب وإرهاب تحت راية الوطن ...." الصفحة 10
عبدالصبور : " ....وفي تعقلنه وصول يوم القيامة ...." الصفحة 13
- عبدالصبور : " ...التفت إلى اليسار ، فرأيت كالعادة شيخا بثياب عصرية من مشايخ البهتان ، يوقع صك الغفران ، لأبي جهل ليعفيه من تهمة الجهل ...." الصفحة 15
- عبدالصبور : " ....أنت مسيج كأن رأسك تنبثق منه القنابل النووية ، ملابسك مسيجة كأن عدوى التمرد تخرج منها ...." الصفحة 17
ونترك للمتلقي اكتشاف الكثير من مفاتيح تجاوز الخطاب النفعي في مسرحية " ما وراء الوراء " لكاتبها " مجدالدين سعودي .
يقول الأديب " كمال عبدالواحد " في دراسة نقدية له ل( ماوراء الوراء ) : " البطل يظهر مكتمل الوعي منذ البداية ويعرف خصومه ( سلطة الجبناء ) ، فإنه ينهي حياة المسرحية بالرسالة أو لنقل تحديد معالم الطريق الأخيرة مستوحيا الخطاب الديني في دلالاته النهائية الختامية ( اليوم أكملت لكم الرسالة ورضيت لكم طريقي نبراسا ) ، هذه الطريق التي تجلي البنية العميقة لخلفية الخطاب بأكمله ، في التقابل المضاد بين عوامل المصادرة والقهر أمام قيم التحرر والفعل الخلاق ، أي فعل الذات وافق حديثها في مواجهة عموامل التدجين والاقبار . إن عنف التخيل وعنف الخطاب يحيل على ذات مبدعة حقا ، تستند إلى رؤية تقدمية إن لم نقل نزعة فلسفية عميقة ، من هنا يأتي - تقديري الكبير - الذي يتمرد على مسألة التجنيس كمعادل جمالي لتمرد موضوعي على تمظهرات الواقع " .( 11)
خاتمة
المسرح الواقعي والرمزي يستوحي الأحوال الاجتماعية كقاعدة انطلاق له ، فيستند إليها للارتقاء نحو أفاق شاسعة ، فيوظفها دراميا وفنيا ومسرحيا رغبة في إبداع صورة حقيقية أمينة تعكس بجلاء المجتمع ، وتفضح ما به من زوايا مظلمة . هذا النوع من المسرح ( مسرح التغيير ) يحمل على عاتقه التوعية الاجتماعية في أوسع شموليتها من خلال التعبير عن مشاعر وهموم وآلام ومتاعب الشعب .
يقول " عبدالرحمن بن زيدان " : إن العملية الإبداعية - في مجال المسرح - نابعة من نفس الظروف والمعطيات الاجتماعية والثقافية التي تستمد منها باقي الفنون هواجسها الإبداعية التي تسكنها ، وهي أساس أسئلة تطرح على العالم ، يتلاقى الخلاقون السائرون ، فيؤلفون على تباينهم ..أرضا ...واحدة يتباعدون فيها متجاورون ، ويختلفون مؤتلفين ، متوخين من طموحاتهم تحديد وظيفة الكتابة ومسؤوليتها لإعطاء هوية عميقة لأبعاد المسرح ، حتى تكتمل له مقومات التبلور والرسوخ ، في علاقته بالمعطيات السوسيو ثقافية ، والذاتي والموضوعي . وبالضرورة الاجتماعية التي تحكمه كإنتاج أدبي وواقع أدبي مادي يتحدد بالمجموع التاريخي للممارسات الاجتماعية ، ويدرس في كل مستوياته كأثر معقد لكل تناقضات زمانه . إنه المكان الذي يحل فيه الخيال الأدبي جملة التناقضات الاجتماعية المادية التي لا تجد لها حلا في الأيديولوجية العامة ، أو بتعبير أوضح إنه الفضاء الصراعي الذي تأخذ فيه عدة عناصر لا متجانسة شكلا معينا ، وهو شكل يخفي التناقضات على الرغم من أنها قائمة فيه . فعندما نرجع إلى كل عمل أدبي نجده شكلا لغويا له عدة أبعاد لكنها مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا ، فهناك المستوى الصوتي للكلمات والمستوى الدلالي للجمل ووحداته العليا ، ومستوى اللوحات المرئية ومستوى الحقائق المصورة ، ومن ناحية أخرى يجب أن نفرق بين تتابع الأجزاء والبناء المتميز الذي يحتوي عليه العمل المسرحي في مضمونه من البداية إلى النهاية " (12) ( المرجع ( 2 ) نفسه ) .

هوامش :
1 - النظرية الذرائعية في التطبيق / عبدالرزاق عودة الغالبي وعبير يحيى الخالدي
2 - عبدالرحمن بن زيدان / في المسرح المغربي / منشورات إفريقيا الشرق / 1985 / الصفحة 98
3 - مجدالدين سعودي / كتاب نصوص مسرحية ( ما وراء الوراء )
4 - الدكتور كمال عيد / المسرح بين الفكرة والتجريب / ط1 / الصفحة 90
5 - ويكيبديا
6 - مجد القصص / المونودراما / جريدة الغد الأردنية / 5 كانون الأول 2008
7 - مجد القصص / الممثل : مواجهة عميقة مع دواخل الذات بدون أقنعة / جريدة الغد الأردنية 24 تشرين الثاني 2008 .
8 - نعمان عاشور / مجلة المسرح عدد 55 / يوليو 1968 / الصفحة 18
9 - المرجع 8 نفسه الصفحة 21
10 - المرجع ( 2 ) نفسه / الصفحة 15
11 - مقتطف من دراسة للأديب كمال عبدالواحد لمسرحية " ما وراء الوارء " لمجدالدين سعودي
12 - المرجع (2) نفسه ) الصفحة 8

2021/02/15

المظاهر السردية وعنف الزمن الكوروني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " للرّوائي المصطفى الزّواوي

 


أولا - التقديم :
منح الحجر الصحي فرصة للكثير من الكتاب لجمع شتات أفكارهم وتدوينها ، حيث أصبحت أحلام اليقظة مصدرا للأفكار الواعدة والخلاقة . كما أن قضاء وقت طويل في المنزل يصيب الإنسان بالملل الذي يمهد لشرود ذهني يساعد ويسمح للخيال بأن يحلق في عالم التأمل لابتكار و صياغة أفكار جديدة ، لأن التفكير هو عملية ذهنية تحدث عند المبدع حين يكون متفرغا وغير منشغل بإنتاج آخر . والمعروف في تاريخ الأدب الإنساني أن الأزمات تولد الإبداع ، أي أن الإبداع يصير السبيل الأوحد لمواجهة الأزمات بمختلف تجلياتها سواء سياسية او اقتصادية أو اجتماعية ... خلال الكثير من الأزمات التاريخية حدث زلزال في الذات الإنسانية ، فولد عصفا ذهنيا عند الجماعات والأفراد ، صار فيها الإبداع هو الملاذ والحل الأمثل لتخليص الناس من الأزمة .
لقد كان الأدب دوما مرافقا للبشرية في كل أزماتها ، وأزمنتها الحضارية عبر مد العصور ، يسجل طموحاتها ، ويؤرخ لمعاناتها وأفراحها ، ويستشرف مستقبلها ، ويرصد أحلامها ، ظل مرآة لما عاشه وعايشه الإنسان من اضطراب وفوضى داخلية أو خارجية ، ولذلك كان الأدب ، شعرا ورواية ومسرحا وقصة وغيرها ، دوما رفيقا لمعاناة الإنسان .
لقد اشتهرت الرواية خصوصا بتعاطيها مع ما أصاب الإنسان من كوارث وأحداث ، خاصة تلك المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية ، منها روايات عالجت مأساة الإنسانية ومعاناتها وحربها ضد أوبئة فتاكة قهرته ، وحصدت الملايين من الأرواح ، نذكر منها " حكايات كانتريري " ، التي كتبها جيفري تشوسر ( وباء الطاعون ) ، ورواية " دفتر أحوال عام الطاعون " التي كتبها الإنجليزي دانييل ديفو ، ورواية " حصان شاحب ، فارس شاحب "التي أصدرتها الروائية الأمريكية كاثرين آن بورتر وروايات أخرى كثيرة أشهرها " الحب زمن الكوليرا . في هذا السياق نطرح الأسئلة التالية :
- هل هناك إبداع زمن أزمة كورونا ؟
- وهل يمكن أن بكون هذا الإبداع زمن كورونا إبداع لمواجهة الأزمة ؟
- وهل الأدب زمن كورونا يساهم في إدارة الأزمة ؟
هذه الأسئلة وغيرها ستكون موضوع دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة .
ثانيا – توطئة :
يقول عبدالرزاق عودة الغالبي في أهمية المكان والرمز في العمل الروائي السردي ما يلي :
" ... الروي هو انعكاس لعالم لغوي للحياة فوق مساحات الأوراق يشيّده الروائي المتـأرجح بين الواقع والخيال ، فيجعل العالم يتضمّن كلّ المشاعر والتصوّرات التي تستطيع اللغة التعبير عنها ، ويثبت براعته الفكرية في تلك الساحات ، رغم أن المكان في الرواية ليس هو المكان الطبيعي أو الموضوعي ، وإنما هو مكان يخلقه الأديب بمزج مدروس بين الحقيقة والخيال ، فالمكان في النص الروائي مكان متخيَّل ممزوج ببناء لغوي ترفعه الكلمات والتعابير انصياعًا لأغراض التخييل وحاجته ، فهو نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة في النص ، والتي تعكس براعة النصّاص في صناعتها، من ذلك نستنتج أن عبقرية الأدب تكمن في حيّزه السردي المدروس فكريًّا وجماليًّا ولغويًّا ، لذلك يكتسب المكان في الرواية أهمية كبيرة ، لأنّه أحد عناصرها الفنية التي تجري فيه الأحداث ، وتتحرّك من خلاله الشخصيات....([1])
فيستخدم الروائي الوصف ، ويبذل قصارى الجهد لإثبات إمكانيّته أن يجعل المتلقي يرى الأشياء أكثر وضوحًا وجمالًا من خلال الوصف الذي يخلق فيه فضاءات روائية مشوّقة يقتنص فيها المتلقي لقراءة الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي، فالوصف يقدّم الأشياء للعيان بصورة أمينة تحرص على نقل المنظور الخارجي بشكل أدقّ وأوضح ...." ( 1 ) / الصفحة : 102
ثالثا - المدخل البصري لرواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " (2 ) رواية جديدة للروائي " المصطفى الزواوي " ، تتألف من ثلاثة فصول توثق لجائحة كورونا ، التي اجتاحت العالم مطلع السنة الجارية ، وغيرت معالم الحياة على كوكب الأرض .
الرواية من الحجم المتوسط تضم ثلاثة فصول ، غير معنونة . الفصل الأول يمتد من الوحدة السردية ( 1 ) إلى الوحدة السردية ( 7 ) ( الصفحة 74 ) .
الفصل الثاني / الصفحة ( 75 ) تتوسطها لوحة لفيروس كورونا وقد أصابت جسدا إنسانيا ، ثم يبدأ من الوحدة السردية ( 8 ) إلى الوحدة السردية ( 14 ) /الصفحة 136 . الفصل الثالث / الصفحة ( 137 ) تتوسطه صورة بالأبيض والأسود لفيروس كورونا منتشرا في جميع ارجاء الكرة الأرضية ، يمتد الفصل الثالث من الوحدة السردية ( 15 ) إلى الوحدة السردية ( 21 ) / ( الصفحة 200 .
الواجهة الأمامية لغلاف الرواية تتوسطها لوحة تشكيلية من إبداع " محمد الرجاوي " . أما الواجهة الخلفية للغلاف فتضم صورة المؤلف وسيرته الذاتية ، إلى جانب اختيار قرائي من الرواية ، وهو كما ما يلي : " شهد العالم منذ دجنبر 2019 اجتاح فيروس كورونا " كوفيد 19 " انطلاقا من وهان الصينية التي احتجز فيها التاجر رشيد المتزوج بصينية من نفس المدينة واضطر إلى مغادرتها بسبب الحجر الصحي ، الذي فرض بسبب انتشار الوباء في العالم ...
في ظل هذه الجائحة كلف المحقق اسحاق بإنجاز تحقيقات ودراسات على تطور الفيروس والوباء ، وما فرض على الجسد الجريح به ... منه من أصيب به ونجا من الموت زمنه من لقي حتفه ...بسبب هذا الوباء ارتسمت خريطة عالم جديد وتصورات جديدة للعام ...قضي على الفيروس أم لا ... سيظل الجسد القوي والمانع أو الجريح الهش في مواجهة دائمة لخطر الوباء بعد كل فترة من الزمن..." .
رابعا - السيرة الذاتية للمؤلف " المصطفى الزواوي " :
- أستاذ علم النفس وعلم الاجتماع والتواصل سابقا .
- كاتب صحفي في جرائد وطنية ودولية ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة جهوية .
- صدر له كتاب " الرياضة ورهانات التنمية البشرية سنة 2019 .
- مخرج فيلم وثائقي حول " أوصيكا ورهانات فوسفاط آخر " / حائز على جائزة المجمع الشريف للفوسفاط بالمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بمدينة خريبكة سنة 2017 .
- منشط سوسيو - ثقافي .
خامسا – العتبة / العنوان : الجسد الجريح في زمن كورونا :
إن العنونة تتبدى في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " بإيحائيتها وانفتاحها على التأويل ، وابتعادها عن المباشرة ، وارتباطها دلاليا بسياق المتن الروائي ومرجعياته ، وهي بذلك تشير إلى وعي مسبق بأهمية العنوان ، ووظيفته في إغواء القارئ ، وشد انتباهه وإثارة مخيلته . وهذا ما تحاول معظم استراتيجيات العنونة الروائية تحقيقه . ( لكن هل منشأ هذا الفيروس بشري أم طبيعي ...؟ هل يرضى أن يدمر الإنسان أخله الإنسان من لحمه ودمه والعودة بنا إلى بداية الإنسانية وما شهدته من وحشية وسيادة قانون الغاب ..؟ هل الظاهرة من صنع ذوي الرأسمال والنفوذ العالمي بهدف إخضاع الذوات الأخرى المستضعفة بالتالي ترسيخ الهيمنة وكسب أرباح طائلة من خلال بيع اللقاحات ..؟ ) ( 3 ) الصفحة ( 7 و 8 ) .
إن استراتيجية العنونة في الرواية مشحونة بضغوطات عنف الحجر الصحي زمن الجائحة .
فمعظم الأخصائيين في الصحة النفسية يؤكدون أن الحجر الصحي الذي فرض على أكثر من مليار شخص حول العالم بسبب جائحة فيروس كورونا ، ليس أمرا سهلا ، ولا موضوعا يستهان به ، إذ أنه إجراء استثنائي وغير مسبوق يقيد الحريات الفردية ، وهذا الوضع يتسبب بمشاكل نفسية للإنسان عبر أرجاء المعمورة .
سادسا - الوظائف السردية وعنف الزمن الكوروني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
تعد الأزمات التي تمر منها الإنسانية فرصة حقيقية قادرة على تغيير كل المظاهر السلبية في مختلف المجالات وتحويلها إلى أفضل إيجابي ، ونقصد أن الابتكار والإبداع متخفية وعلى شكل أزمة ، وعادة تكون كلمة السر الوحيدة وقت الأزمات هي الإبداع ، رغبة في التخلص من كل سلبي تقليدي أوجد وقاد البشرية نحو الأزمة . إن الإبداع والتفكير الجماعي هما السبيل لتجاوز كل أزمة .
أن الانفتاح على المستقبل هو من بين مقومات شخصية القرن الواحد والعشرين ، وفي ظل الأزمة التي يعيشها العالم خلال هذه الفترة بعد تفشي جائحة كورونا ، تواصل كل الجهات البحثية عبر العالم ، ومعاملها المركزية الليل بالنهار ، للخروج بالحلول الإبداعية التي تُساعد في التخلص والخروج من هذه الأزمة . والرواية واحدة من مجلات الإبداع التي تمثل عنصر الحياة الراغب التجديد والتجدد .
1 - الفصل الأول : تحولات اللعبة السردية / بين العلامات النصية والوحدات السردية :
تكشف مجموعة أحداث السرد في الرواية ( الفصل الأول من 1 إلى 7 ) ، عن مستوى حجم التغيير والاختلاف زمن الجائحة ( الجسد الجريح ) ، فتنفتح الوحدات السردية على لحظات الأمل والحلم والحكي ، تتصارع مع اختلاجات ذائقتها ، اقترابا باختلاف موضوعات الحكايا المنتقاة ، فالعلاقة بين أنا الشخصية وفضاء المكان والذاكرة في الرواية ، هي علاقة الكل بالجزء ( عاد مباشرة بحماسة زائدة من المقهى معرجا على "المارشي " متوجها إلى منزلهم القديم ... ) ، ذلك لأن الفضاء المكاني صار يتسع ويترابط سابقه بلاحقه ( تسلسل الأحداث ) ( ... قبل أن أتزوج بفتاة صينية والدها صاحب وحدة إنتاجية للسيارات في مدينة " ووهان " ...) ، أي أن القائم بالسرد يعرف اعتقادات القارئ ، ويوجه السرد حسب متطاباته ، فتتوضح حدود هذه الذاكرة فتشكل ابعادا جوهرية مؤلفة مزيدا من الإيحاءات والثغرات التبئيرية بكل وصلة ما من وصلات الآصرة المكانية والذاتية لدى الشخصية البطل اسحاق ومساعده رشيد .
يقول عبدالفتاح كيليطو : " ...إذا سلمنا بأن السرد ، كالسياسة والصدفة ، لعبة ، وجب علينا أن نبحث عن القواعد التي يخضع لها ، إن كانت هناك قواعد اللعب بصورة جلية وصريحة ، بينما يكاد القائم بالسرد والقارئ يجهلان قواعد السرد أو لا يعرفانها إلا بصفة ضمنية غامضة لا تتعدى مرحلة الإحساس المبهم ، وفرق أن تحس بوجود قاعدة وبين أن تعمل عنها بكيفية واضحة ..." ( 4 )
نقرأ في الفصل الأول من الرواية ، الصفحة 34 / : ( ... " وأخيرا رشيد أرسل لي عدة ملفات .. ، وضع الكتاب جانبا ، متشوقا ، بدأ في تصفح الإرساليات ، جمل الملف الأول ، فتحه قائلا في نفسه :
- هذا يتعلق بكتاب معنون هو الآخر بالفرنسية وكأن الغرب وحده من بهتم بالبحث والتأليف في هذا المجال ، قرأ عنوانا مثيرا :
- تقرير جديد لوكالة الاستخبارات الأمريكية كاتبه ، ألكسندر رايس : " le nouveau rapport de la
CIA" ،
موصيا بقراءة بعض الصفحات بعينها ...
فتح الملف وسط دهشة لا نظير لها متسائلا ومتلهفا ذهب مباشرة إلى الصفحة : 203 قرأ باستغراب :
- حوالي 2020 ، بقدر ما يرتدي الأشخاص بكثرة الكمامات في الشارع العام خوفا من الإصابة بمرض يصيب الرئة .. ، سيصبحون أكثر مقاومة لأي علاج .. ومع أن هذا المرض يبدو أكثر إحباطا لما يزرع الرعب في النفوس في فصل الشتاء سبزول ، لكن سيعود بعد عقد من الزمن ويرمي بالباحثين في دوامة المجهول حول أسبابه وكيفية علاجه ... " ) .
تتدرج العلاقات السردية في العلامات النصية في الرواية أفقيا وعموديا ، عبر عشرات التفاصيل والأحداث الرئيسية والوقائع الثانوية و الجزئية ، المنفتحة والمنقادة استجابة لاشعورية متموقعة في مسرود ذات الشخوص في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " ، فيما يبقى الرصد التصويري للروائي يتشكل بتلقائية في الرواية ، مقترنا بواقع الحجر الصحي ، الذي يظهر ويحضر البطل اسحاق ومساعده رشيد " ، ويظهر كذلك المظاهر السرية ( تحقيقات وتقارير ) ( أهلا أخي إسحاق ، دائما نفس " المونتو " الشبيه بالمحقق " كولومبو " ... ) الصفحة 5
أما " محمد الورداشي " فيقول في تعريفه لتداخل المظاهر السردية في الرواية :" ...هو نقل مجموعة من الأحداث من صميم الواقع أو نسج الخيال أو منهما معا، في إطار زماني ومكاني محدد بحبكة فنية متقنة، أي الأحداث لا بد أن تكون محددة في الزمكان، وأن سرد هذه الأحداث لا يكون اعتباطيا أو عبثيا ، بل يستند إلى سلسلة من القواعد الناظمة لسير الأحداث. وغياب هذه القواعد سيجعلنا أمام سلسلة أحداث تملأ مساحة فضائية فقط، وغير قادرة على صنع نص سردي منسجم...." ( 5 ) .
أما علاقة السرد بعنف الزمن الكوروني / زمن الجائحة في الرواية فهي متداخلة ومتشابكة ، وهي تتشابه بمظاهر السردية في الروايات التي كتبت زمن الأوبئة ، مع الاختلاف في قوتها وشهرتها ، ونذكر من هؤلاء ما جسده الكاتب الإنجليزي دانييل ديفو ، مؤلف ( روبنسون كروزو) ، من عنف لباء الطاعون في روايته "صحيفة يوم الطاعون" ، فوصف فيها مشاهد الخوف والذعر التي انتاب الجميع إثر تفشي الطاعون ، وغيرها من الروايات الأخرى .
يمكننا القول أن المجال الثقافي والكتابة الأدبية في زمن كورونا ، بحاجة لمزيد من الوقت والمراقبة عن كثب ، لكي يتمكن الكتاب من تقييم الآثار التي ترتبت على إرغام الناس البقاء في بيوتهم ( الحجر الصحي - العزل الإجباري ) خاصة أنها تجارب إنسانية صعبة ، ستترك آثارا كبيرة على الإنتاجات الأدبية والفنية لهذه المرحلة البالغة الأهمية من التاريخ الحديث .إن استرجاع الماضي في الفصل الأول من رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " يعد وجها من وجوه المفارقات الزمنية ( ربما " أركانة " تلك المقهى التي سبق لها أن انفجرت ..؟ / كيف تعرضت مراكش لحادثين إرهابيين ... / فكيف يتم إذن حدوث مثل هذا القتل الفظيع لقطعتين بشريتين من لحمنا ودمنا كبشر بطريقة الذبح من الوريد إلى الوريد على شاكلة نحر شاة أو إبل من العنق ..." .
2 - الفصل الثاني : المسرود العرضي وكسر وتيرة الزمن في رواية " الجسد الجريح زمن كورونا "
تتبنى أحداث السرد في الفصل الثاني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " مسرود عرضي نعاين من خلالها سرد الشخصية المشاركة ، لأحداث استباقية من زمن الحكي . كما تحتل الشخصية موقعا مهما داخل بنية النص السردي ، فهي من تقود الأحداث وتنظم الأفعال ، وقد تكون رئيسة أو ثانوية أو عابرة ، ثم إنها ، فضلا عن ذلك ، تعتبر العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة الإحداثيات الشكلية الأخرى بما فيها عنصرا الزمان والمكان ، إذ يعدان ضروريين لنمو الخطاب السردي.
وقد نالت الشخصية في الرواية نصيبها من الدراسة ، إذ قدمت حولها أبحاث كثيرة عكست تطور مفهوم الشخصية الذي رافق تطور نظرة النقاد إلى الرواية ، والجدير بالذكر أن الرواية قد أولت اهتماما كبيرا للشخصية لا سيما لملامحها الخارجية وتصوير مظهرها بدقة , ( ... سيكون هذا الحدث ربما هو حدث السنة أو العقد الثاني من الألفية الثانية بامتياز ، وإذا ما صحت التوقعات سيخلق ثورة عالمية متعدد الأبعاد : اقتصاديا اجتماعيا سياسيا استراتجيا فكريا معلوماتيا ...لا غرو ستعصف بكل ما هو قديم وتشيد عالما جديدا بمنظومات جديدة فكريا وسلوكيا وقيميا .. ، ستكرس زعامة من له قوة الذكاء بكل أنواعه : الصناعي ، والاجتماعي ، والعلمي ، والمعرفي ، والذهني ..." الصفحة 81 و 82
تحكم في" المصطفى الزواوي " وتيرة الزمن من خلال منح شخوص روايته ذلك المد التدريجي الخاص من زمن تفاصيل حكايات وربورتاجات وتحقيقات ، نتعرف منها على ملامح هوية الزمن المضمر والمعلن متمثلا في ظلال أحداث الرواية ( زمن كورونا ) ، ومن هذا المنطلق بالذات يصير بمقدورنا أن نرى لوحات وإمكانيات التمثيل السردي على أساس التحول من حالة إلى حالة أخرى في رؤية الواقع الكوروني والواقع الروائي . ( ...غربت شمس شهر فبراير بتزايد الإصابات في عدد من دول العالم في في مقدمتها إيطاليا وفرنسا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ويم بعد دول عربية كما تبرزها عناوين الصحف الصادرة ... أمام هذا الوضع أصيب الإنسان بوسواس قهري تتجلى أعراضه في التتبع المرضي لما ينشر في القنوات الأجنبية والمحلية وفي الواتساب وشبكات التواصل الاجتماعي ...) الصفحة : ( 91 ) .
يحتوي كل نص سردي على مسرح تقع فيه الأحداث وتتسارع في ميدانه الواسع الأفكار والشخصيات . ويحتل المكان أهمية خاصة في تشكيل فضاء مسرح اللعبة السردية التي ترسم مظاهره و أبعاده ، فهو يؤلف إطارا مكتوبا ومتفاعلا مع بقية العناصر البنائية الأخرى المكونة للرواية . والمكان لا يقتصر على كونه بعدا هندسيا ولكنه ، فضلا عن ذلك ، نظام من العلاقات المجردة ، أي أنه يتحول وسطا حيويا تتجسد من خلاله حركات الشخصيات ، التي تنسج مسارها الروائي في شكل خط مزدوج متناقض ومتشابك ، وهذا ما يجعل الأحداث بدورها متشابكة ومتداخلة ، وفي أحيان أخرى ، تبدو متنافرة متباعدة ، وهذا ما يقودنا إلى القول أن البعد النفسي للمكان داخل النص الروائي في ( الفصل الثاني ) من الرواية . لقد أصبح التركيز ( حاليا ) على المكان من جوانب الاستراتيجيات النصية الملتحمة بالمظاهر السردية والتكنيك السردي عموما ، وهي المهمة التي تلجأ إليها الكتابات الجديدة في الرواية . إن البعد النفسي هو أكثر الأبعاد المكانية حميمية وانتشارا . تقول " الدليمي لطفية : " المكان الذي يثير نوعا ومقدارا من المشاعر تعاطفا أو تنافرا، قلما يستأثر باهتمام الكاتب وإضفاء الصيغة الشعورية عليه تبدأ لحظة اختياره مسرحا للعمل الفني..." ( 6 )
( ... حقا العزل سيطرح أيضا مشكل اللقاء مع الأقارب والأصدقاء وزيارة الفضاءات العمومية ... هذا الوباء اللعين سيشل حركة الجسد ... ) الصفحة ( 106 )
العوالم السردية هي تمثيل بلاغي مضاعف ، ليس من غاياته الوصف المباشر ، إنما الإيحاء ، والتلميح ، والترميز ... يقول عبدالرزاق عود الغالبي : " ... فالتصوير اللغوي إيحاءٌ لا نهائي يتجاوز الصور المرئية ، لكونه صورة فنية تعمل كثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة ، المستمدة من الطبيعة أو من الحياة الإنسانيـة ، وغاية هذا الانتقاء هو إثارة التأثير أو الانفعـال الجمالي ، فوظيفة الكلمات في المحيط الخارجي لا تعدو أن تكون مجرّد إشارات لأشياء بعينها ، بيد أن وجودها داخل سياق النص الروائي يعطيها بعدًا دلاليًّا عميقًا ، حين تتعدّى هذه الكلمات كينونتها كإشارات باتجاه كونها رموزًا ذات كثافة دلالية ، وهي بذلك تنتقل من معناها الدلالي المباشر إلى مستوى أعلى في الدلالة . وجدير بالذكر أن الكلمات تصبح رموزًا في سياق النص الروائي حينما تكون موحية ، وتوعز بمعان كثيرة ، تلك المعاني التي يمكننا التوصّل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها ، ومن تكرارها داخل النص الروائي ، ومن كيفية توظيفها في إطار الصورة الفنية ، فضلًا عن علاقتها ببقية عناصر الرواية من شخصيات وحدث وزمان … " ( 7 )
3 - الفصل الثالث : الكفاءة السردية في واقع الزمن المروي في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " :
أن مظاهر الكفاءة السردية تتجلى في الرواية دون سواها من الأنواع الأدبية الأخرى ، لأن هذه الكفاءة السردية قادرة على استيعاب التجارب الإنسانية المختلفة والمتنوعة ذاتا وموضوعا ، فمن خلالها يتم تمثيل الهويات المتباينة ، التي تعبر الحدود الثقافية لأرجاء المعمور ، وهي تتخطّى اللغات ، والثقافات و ترافق أحوال الإنسان حيثما وجد ، فمرونتها توفّر لها القدرة على ذلك . (... اقترب من حاجز أمني اعتذر مؤجلا الحديث ... ضغط على الفرامل نقص من السرعة وقف في علامة " قف الشرطة " ... / هنالك أمور لا يمكنك فهمها في إطار فكري منظم تخضع للمنطق ... / ) . الفصل الثالث من الرواية يلبس لبوس مرجعياتها الثقافية ( علم النفس وعلم الاجتماع ) ، ولا تنسخان عن بعضها البعض ، بل تتكيف مع التكنيك السردي ومظاهره في الرواية . " ...أصبحت الرواية سجلا اجتماعيا ، لأنها اقترحت بحثا مجازيا في الصراعات السياسية ، والمذهبية ، والعرقية ، بما في ذلك الهويات ، والآمال ، والحريات ، وانخرطت في معمعة التاريخ الاجتماعي ، وفي كشف مصائر المنفيّين ، والمشرّدين ، والمهجّرين ، والنساء ، وضحايا الحروب الأهلية ، والاستبداد السياسي ، والاجتماعي ، والديني . وأمسى من الضروري ، تغيير موقع الرواية من كونها مدوّنة نصّيّة إلى خطاب تعدّدي ، منشبك بالخلفيّات الحاضنة له فلا يسجّل السرد واقعا ، أو يعكس حقيقة قائمة بذاتها ، بل يقوم بتركيب عوالم متخيّلة مناظرة للعوالم الواقعيّة .... " ( 8 )
ونقرأ في الصفحة 163 من الرواية ، ما يلي : " ... انتهى الحجر الصحي أم لا ينتهي ، قائلا في خاطره ، فماهية الإنسان هي - هي .. ، فلا حركة للجسد بدون فكر وروح فالشيء وضده سرمديان وكل شيء في الطبيعة يحمل في طياته ومكوناته جينات تتوالد وخلايا تحيا وتموت ، توقف ألقى بنظرة عميقة في الصابون صدر منه زفيرا وسط صمت المنزل مازال كل أفراد عائلته يغطون في سبات عميق من كثرة السهر في ليالي رمضان ..."
أضحت الرواية سجلّا نتلمس فيه ما يثير الهلع في النفوس زمن الجائحة ، وعنف الحجر الصحي ، وانتشار الفيروس الخانق للأنفس .وباء كورونا يحضر في الرواية كحرب عالمية ثالثة ( حرب إنسانية ضد فيروس سريع الانتشار ) ، العالم كله على جبهة محاربة عدو واحد ، بعيدا عن الدين والقومية واللون والجغرافيا ، الجميع مجند ، وهو تجند يذكرنا بما قرأناه وما شاهدناه في أفلام وما سمعناه من أجدادنا عن الاستعدادات التي خاضتها البشرية ضد النازية في الحرب العالمية الثانية . لقد خلفت الحرب العالمية الثانية حوالي أزيد من سبعين مليون ضحية ، وها هي كورونا تهدد الحياة من أصلها ، أي محو الحياة من على وجه الأرض .
يدخل المكان في السرد الرواية فيؤثر على حركة السارد ، فيغير إيقاع السرد بعبور السارد أمكنة مختلفة في الرواية ، ممّا يؤدي إلى تغير الأمكنة داخل الفضاء الروائي ، الذي ينتج عنه نقطة تحوّل حاسمة في الحبكة ، و بالتالي في تركيب السرد والمنحنى الدرامي الذي يتّخذه ، وكذلك علاقة تأثير وتأثّر بين المكان والشخصيات الروائية ،إذ يُعد المكان عنصرًا أساسيًّا في تشكيل بنية هذه الشخصيات ، كما أنّه لا يتشكّل إلّا من خلال اختراق هذه الشخصيات له في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
ونقرأ في الصفحة : 199 ما يلي : " ...ربما استعمال لفظة الحب لا أريده شعورا شكليا ، فالشعور بالحب له عندي معنى وجودي وصوفي أعمق من مجرد قول تتبعه رغبة في الفراش والمضاجعة كما هو معروف في قصدية الزواج أي التوالد من أجل استمرار النشء .. ؟ . فمعنى الحب أن تكون أنت الحبيب " هو – هو " بتعبير منطقي ، فلا يمكن أن نميز بين جسد الاثنين فروح الأول تذوب في الثاني ... " .
خامسا - خاتمة :
هناك روايات استندت إلى التخييل بشكل كبير، وكانت ذات بعد استشرافي ، جعلها تتوقّع حدوث أوبئة استثنائية ، وتصف بدقة مختلف ما يمكن أن يصيب العقول والأجساد البشرية ، فكانت في مجملها عبارة عن محاكمات أخلاقية قاسية للتوجهات الحضارية الجارية ، وأشهرها رواية “الطاعون” التي كتبها ألبير كامو سنة 1947، أي مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورواية “العمى” التي ألفها البرتغالي جوزيه ساراماغو سنة 1995، والتي تنتهي بقولة عميقة لزوجة الطبيب بطل الرواية، وكانت الوحيدة التي نجت من وباء العمى: " لا أعتقد أننا عمينا ، بل أعتقد أننا عميان يرون ، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون . " . استمرت اهتمام الأدب بالأوبئة والأمراض المعدية " حتى صار بإمكاننا أن نضيف إلى الجنس الروائي نوعا روائيا سمّي أدب الأوبئة " ، فإلى حدود الألفية الثالثة صدرت العديد من الأعمال الروائية التي تعالج موضوعة الأوبئة وتبدع في تخيل إمكانيات العدوى وانتشارها وما يتبعها من فقدان للتحكم وانهيار للقيم ، نذكر رواية " عام الطوفان " التي صدرت عام 2009 ، للكاتبة الكندية مارغريت آتوود ، ورواية " المحطّة الحادية عشرة " للكندية كذلك ، إيميلي سانت جون مانديل التي نشرتها سنة 2014 ، وهي روايات أستفادت كثيرا من قراءة السيناريوهات السابقة التي ظهرت مع بعض الأوبئة المحدودة الانتشار ، لكنّها أعطتها أبعادا عالمية . ولذلك أعتقد أن الأدب سيظل رفيقا للبشرية كما أشرت في التقديم ، بل وستزداد أهميته كثيرا ، بحكم طغيان الجوانب المادية على الحضارة ، وحاجة الإنسان الملحة إلى الأبعاد الوجدانية والروحية ، وهي المجال الحيوي للأدب ، ولذلك ينبغي أن يكون الرهان كبيرا على الأدب والثقافة والفن بشكل عام ، لمن أراد أن يبني نموذجا حضاريا إنسانيا متوازنا ليخلص هذا المجال من جنوحه وزيغه وإفساده للفطرة الخلاّقة التي تميل إلى التعايش والسلام والخير والمحبة ، وتكره الظلم والفساد .
المصادر والمراجع :
1 – دور الذرائعية في إعادة سيادة الأجناس الأدبية / عبدالرزاق عودة الغالبي
2 - رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " / المصطفى الزواوي .
3 – المرجع ( 2) نفسه / الصفحة 7 و 8 .
4- مجلة الآداب / 1980 / السنة الثامنة والعشرون / عدد خاص ( 2 و3 ) الصفحة 83
5– محمد الورداشي / موقع الحوار المتمدن
6 - / الدليمي، لطفيّة / فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة، دار المدى، بغداد، 2016
7 – المرجع ( 1 ) نفسه / الصفحة : 104
8 - الأدب والإنسان الغربي، ترجمة شكري محمد عياد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000
9 - المنير في اللغة العربية (الجذع المشترك، والتعليم الأصيل)
10 - اللغة والحجاج: أبو بكر العزاوي
11 - المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والانجليزية واللاتينية: جميل صليبا
12 //- Roland Barthes : introduction à l’analyse Structural des recit, « collectif » édition du Seuil, Paris , 1977, P 32.
13 ///- Voir : R. Barthes : introduction à l’analyse structural des récit, P P 14. 15.