2021/04/24

قراءة في رواية " أمجد عبد الدّايم يركب البحر شمالا " للكاتب محجوب العيّاري


كتاب الرّافدين

يحضر البحر في عديد الرّوايات تيمة مركزيّة هو فيها مدار العملية السّردية برمتها كما أنّ له حضورا سوسيولوجيا مفرزا لنمط مخصوص من العيش، فتقام حوله بيئة لها طابعها المخصوص ويؤثر في نفسية الناس وكيفية وجودهم وسبل معاشهم.
والرواية التي نحن بصددها اليوم دارت وقائعها في بيئة بحريّة... بيد أنّ بطل هذه الرّواية الطارئ من بيئة قارّية سوف تجمعه بالبحر علاقات مخصوصة هي بين الحب والارتياب والرهبة والحياة والموت... هو لن يباشر البحر على أنّه ذلك الحوض المليء بالملح... ولكن سيعاشر امتداده في اليابسة... في هذا الامتداد أي في زواج الماء بالتراب أمكن أن يجد بعضا من وهم الطمأنينة وسرابا من التوازن وبعض اللذة ...لكن الماء المحض لن يكون بالنسبة إليه إلا سبيلا للاغتراب وللتلف.
صدرت هذه الرواية سنة 2006 ولصاحبها كما هو معلوم خمسة مجاميع شعريّة، ثم كتب هذه الرواية خاتمة لمنجزه الأدبي قبل تعريبه لرواية أخرى لمنصور مهني "العنكبوت" وعندما يتسرّب شاعر وقارئ نهمٌ إلى مجال السّرد يأتي فيه بما يخالف المعهود، فهو إمّا أن ينجز سردا مُشبعا بالمجازات تطغى فيه الصّور وربما طغى البيان كذلك على الحدث حتى لا يكاد يرى، وإمّا أن يأتي فيه بكل طريف مع اقتصاد في العبارة الشّعرية كما هو الشّأن في رواية محجوب العياري من جهة البحث عن شكل مستطرف غريب.
وجدّة هذه الرّواية ومظهر الابتكار فيها متمثل في اختراق الملحوظات النقدية للمتن الرّوائيّ أي في تداخل الفضاءات بالمعنى الذي وضعته منظومة جيرار جينيت في كتاب "طروس"... فالأصل أنّ ما سُمّي بالميتانص "كما نقله سعيد يقطين" Métatexte مقيم خارج فضاء المتن بينهما برزخ لا يبغيان... وهو متنوع المادة شامل لما ينشا حول النّص من نقود وملحوظات وتقييم وهوامش وإحالات.
نجد رواية أولى يمكن تسميتها بالرّواية الظرف تحتلّ ممهّداتها Paratexte الغلافَ الخارجيّ وهي العنوان "أمجد عبد الدايم يركب البحر شَمالا" واسم المؤلف محجوب العياري وعبارة تحدّد الجنس الأدبيّ وتخاطب القارئ وتوجّه القراءة. وفي الدّاخل يعترضنا نصّ داخلٌ في ما عينّاه ب"ما فوق النّص" متميز طباعة بالخط الغليظ، يتحدث بضمير التّكلم ويروي قصّة تلقّي هذا المتكلم لمخطوط من مؤلف شابّ، ويتخلل كلّ ذلك – إلى جانب الملحوظات النقدية- فقراتٌ عن المؤلف ووقائع من سيرته تحتل نهاية الكتاب في فضاء صفحاتٍ عشرٍ حيث يُصبح السّرد غير متعلق بأمجد عبد الدايم بل بالضّمير الذي تلقى المخطوط وقرأه.
أمّا الرواية المظروفة فمتميّزة بالخط الدّقيق المستعمل في المتون وبعتباتٍ خاصّةً بها من اسم مؤلفها "أمجد عبد الدايم" ومن عنوان "المرافئ السّراب" ومن عبارة لتوجيه القراءة "رواية"...ثم وقع تسييجها بعبارة "تمت" في نهايتها قبل أن يتواصل الرواية الظرف حتى نهاية الكتاب.
نصّان متمايزان شكلا ووظيفة وطباعة لكنّهما متداخلان دلاليّا وشكليّا حيث تداخلت فضاءات النص حتى يلتقي الرّافدان في الخاتمة في مصبّ واحد حين يقرأ الضّمير المتكلم في الرواية الظرف نعيَ أمجد عبد الدايم في إحدى الصّحف ويكتشف أنّ الشخوص الافتراضيّة التي في رواية عبد الدايم هي شخصيات حقيقية ذات وجود فعليّ.
لقد وضعنا هذا التقديمَ في محاولة للتعريف بالشكل المبتكر لكتاب محجوب العياري هذا واشتغاله في الكتابة السّردية على المزج بين فضاءين للنّص دأبهما الانفصال وذلك بطريقة تربك القارئ فيختلط عليه الخيال الرّوائي بالحقيقة والوجود الرّوائي بالوجود الواقعيّ والنّصّ الخيالي بالنّصّ السّيرذاتي
قدمنا في مطلع هذا الحديث ما يلمس منه ان أمجد عبد الدايم قد نشأ في بيئة قارّيّة وأن ظروفا محدّدة دفعت به إلى ان يقترب من البحر... وعندما ينظر المرء في الطبيعة يتبين له أنّ في كائناتها ما هو بريّ وما هو مائي وما هو برمائيّ... وأمجد عبد الدايم هو ابن القارة بامتياز، جرّ إلى البحر قسرا بعد إذ فشل في تأمين معاشه بالوسائل البرّيّة.... يقول: " في بداياتي اشتغلت خضارا ثم ماسح أحذية ثم بائع خرداوات وسائق عربة موتى ثم عرّافا وبعدها حين فشلت في كل ذلك أصبحت بحّارا" ص 14
كلّ هذه الحِرَف المستعرَضة ليست مجرد مهن اتخذها بطل الرّواية لكسب العيش فحسب ولكنها فضلا عن ذلك تقلباتٌ في الموجد واختبار لوضعيات الكائن القلق وتنويع في التّجريب، ويتجلى البحر مجالا للتّجربة الأقصى والأقلّ أمنا ...تقوم التّجربة البحريّة على تخوم الحياة لأنّها تحمل الإنسان على نقيض طبعه ومفارقة ما جُبل عليه من الطّمأنينة على اليابسة. يقول "رغم يقيني أنّي ما خلقت لأكون بحارا" ص 75 ويقول أيضا " ولكن فكّرت في أخطار البحر أنا الذي لم أتعلم السباحة يوما" ص 76
ورغم أنّه تبرّم بالعيش فإنّه، عندما ركب البحر وتوغّل به مركب الرّايس حمزاوي وانقطع عن اليابسة لم تتمثل له صورة المطلق الجميل ولا أوحى له ذلك برهبة ميتافيزيقية منبهرة ولم يقرّبه ذلك من السّماء ولكن ثمثلت له صورة العدم وغياب المكان الموفّر لطمأنينة الجسد والرّوح بسبب غياب كامل لصورة المعالم ذات المراجع المألوفة المطمْئنة الحاصلة من تجاربه السّابقة وغياب العالم المرئيّ وحلول صورة أشبه بالعماء تغيب منها المعالم وتنعدم مقاسات الأبعاد. والدّخول في جاذبية البحر لم يفقده المعالم المألوفة فحسب ولكن أفقده الخبرات السّابقة التي حصّلها باعتباره كائنا مجرّبا، فهو في البحر كائن يبدأ تجاربه من الصّفر ويلغى كل ما حصل من الخبرات .... وأفقده الاتّجاهات وأفقده الألوان المميّزة للأشياء وأفقده الأشكال من أعراض وأطوال. فتوغّلُ الكائن الترابيّ في البحر أفقد معالم الوجود مجتمعة...
بيد أن الرّواية لم تتحدث عن ثقل وخفة على سطح الماء... وهو أمر كانت القراءة تنتظره في مثل هذه الحالة ولا نتحدث هنا عن الكتلة الفيزيائية فحسب بقدر ما نشير إلى فراغات الرّوح وامتلائها بالشّعور بالفقد وبالنّسيان وبضياع الأمكنة والاتّجاه. قال: البحر ليلا... يا لهذا الامتداد الذي لا يحدّ لا شيء غير هذا الأزرق الكحليّ يطوقنا من كلّ جانب" ص 77 ثم قال في نفس الصفحة: "أحسست بدوار شديد ... ضحك البحارة وأنا أنازع الموت."
... لقد تجلّى البحر فضاء عصيّا على الامتلاك مثل القارّة تماما حيث التّنقل في المكان وامتلاكه والإقامة فيه أمر أهونُ على عسره... والبحر كثيف، سميك، مائع، غامض، ومشحون بقوة يمكن أن تقلب سفينة وتحْطمها، وفضلا عن كلّ ذلك فإنّ التّجربة البحريّة ركّزت على تفاعلات الجسد باعتباره ظاهرة بيولوجية واجتماعية كذلك... وأمجد عبد الدايم شخص طردته اليابسة من كلّ ركن آمن فيها... حتى الدّخول في مؤسّسة الزواج كان في مرحاض قطار، كما طردته من مؤسّساتها التي قد تكون إطارا مساعدا على نحت كينونة ما: طُرد من المعهد الثانوي ومن الجامعة ومن مؤسّسة الزواج ومن مؤسّسة الحبّ، أهانه والد زميلته ورماه بالسّرقة وأخزاه، وهجرته سلمى لأنّه لم يقدر على الدّخول بعواطفه وبجسده لا في حيّز اللغة ولا في حيّز الفعل، فلم يخبرها بحبّه ولم يأخذ جسدها بل تركه لزوجها واكتفى منها بملامسة اليدين في هوس تميميّ لا جدوى منه... وبدا له أنْ سيجدُ في البحر ملاذا فدخله بلا خبرة مشحونا بجملة من الدّلالات الاجتماعية باعتباره سليلا لقرية في الرّيف لا عهد لأهلها بالبحر وبنشاط النّاس فيه وبالخبرات المطلوبة لمجابهته والإقامة فيه.
سوف يقضي أمجد عبد الدايم بضعة أيام في البحر حتى أعجبته الحياة البحرية فأنكر الرجوع إلى اليابسة... لكنه كان واهما، فرُهاب البحر عَلِقٌ بعمق روحه وإن انجذب إلى البحر فبفعل الرّغبة اللاواعية في الموت... ها هنا يتجلى البحر ذا أبعاد ميتافيزيقية مرتبطا بحتمية لا فكاك منها، فهو إن لم يقتله في الأولى بقوة العاصفة فقد أسلمه في الثانية إلى الاعتقال فالموت في ظروف غير معلومة... هاهنا يرتبط العنوان، وهو العتبة المقيمة على التّخوم، بعمق دلالة البحر في هذه الرواية، فأمجد عبد الدايم ركب البحر شَمالا قاصدا أن يموت... كائنا لعينا لم يتّسع له البرّ كما لم يتسع له البحر ... وهو يموت في البرّ مَيْتته الثانية، فقد كان شقيقه التّوأم الذي توفي حاملا لاسمه هو... فكأنّ تلك التّسمية التي اتُّخِذت له من أخيه ورمت به في مسار غير مساره وفي قدر غير قدره هي الحاملة للعنة.

البحر يستلقي على اليابسة
والبحر في هذه الرّواية ليس حبيس الوهد تطغى لججه ثم تتراجع دأبًا، ولكنّه ممتدّ داخل اليابسة بما استحُدِث حوله من المؤسّسات المتّصلة به والمستمِدّة منه علّة وجودها وهي العلامات التي تميّز بيئة بحريّة عن مثيلتها القارّيّة.
فإذا كان البحر بأمواجه وبزوابعه الأكول وبطبيعته المائعة غير المستقرّة قد مثّل مجالا لاختبار شخص غير مؤهّل لذلك، كما مثل فوبيا مجسِّدة في طائفة من المكاره كالغثيان والإغماء والمغص وفقدان ما ألف أمجد عبد الدايم من معالم الاستدلال الثابتة وتجسيدا لصورة العدم حيث لا مكان ولا اتجاه ولطريقة الموت البحريّ حيث تنهش الجثة الحيتانُ والغيلان ممّا جعله يفضل الطريقة البريّة عليها... فإنّ وفرة البراديقمات في السّجلّ الاستبدالي للمؤسّسات المتعلقة بالبحر والممثلة امتدادا له على اليابسة لا تثير أيّ هاجس، بل هي مرتبطة بجملة من المباهج كالصّداقة والحبّ والخمرة وتلقي الرّسالات وكانت مسرحا مناسبا لبحث امجد عبد الدايم عن أفق يهرب إليه من خيباته المتتالية...
إن وفرة البراديقمات المعيّنة للمؤسّسات التابعة للبحر كالحانة والمقهى والميناء والمركب وما حايثها من الأعمال كالسّكر ومواعدة سلمى وتناول الطعام بغلال البحر وما شابه من تسميات تعيّن المكان وتخصّصه وتحدّد موقعه (مقهى الشاطئ، حانة الموجة الضاحكة، حانة النورس، مقهى الدلافين...) تقوم نقيضا للسّديم البحريّ الذي ينتفي فيه كلّ اتجاه وكل بعد وكل استدلال ويكرّس بطلَ الرواية كائنا غريبا لا صلة له بالبحر ويؤكّد مفهوم الاغتراب الذي لازمه على ظهر اليابسة، فهو منبوذ أينما حلّ. ويتجلى من خلال كلّ هذا البعدُ الوجوديّ للرّواية حيث يبدو أمجد عبد الدايم شخصا اغترابيا غير قادر على تحقيق أيّ شيء من انتظارات مجتمعه (فشل في أن يكون شرطيا مثلا وفشل في العهد الثانوي وفشل في الجامعة التي دخلها بهوية زائفة هي هوية شقيقه التوأم المتوفّى) كل ذلك ولّد لديه شعورا بالانفصام جعل علاقاته الاجتماعية غير وديّة ولامبالية وجعل حياته دون برنامج محدد لأنه فاقد للهدف.
****
ونقول على سبيل الخاتمة إنّ رواية "أمجد عبد الدايم يركب البحر شمالا" رواية "بحريّة" تدور أحداثها حول البحر وفيه، تروي لقاء غريبا بين كائن قارّي الطباع، ترابيّ الرّوح وبين عالم الماء المكتنَف بالغموض... يُدفع هذا الكائن التّرابيّ إلى البحر قسرا كالمجرور إلى نهايته.
وهي رواية الاغتراب الوجودي بمعنى الانسلاخ عن المجتمع واعتزاله والعجز عن التكيّف مع الأوضاع التي حدّدها له الأهل ومع المسارات التي سطروها لكينونته واللامبالاة وانعدام الشّعور بالانتماء لا إلى أهل ولا إلى مكان فاستقرت الغربة في ذاته حتى أضحى غريبا عنها.
وهي أيضا رواية الاغتراب الاجتماعيّ بمعنى فقدان المعايير والقيم الاجتماعية، أو ما أسماه دوركهايم باللامعيارية، ففقد ضابط السّلوك السّويّ بحيث أصبحت مواقفه متّسمة بضعف الحافز واللامبالاة وسطحيّة الشّعور. ولنُشِرْ فقط إلى طريقة زواجه في مرحاض قطار بامرأة التقاها للتوّ أو احتراف العِرافة أو خداع المرأتين في الباخرة... فقد كانت علاقة أمجد عبد الدايم بمنظومة القيم تلك التي تركها في قريته أو التي وجدها في المدينة قد غدت علاقة تنافر وعدم تطابق في كلّ شيء، حتى صارت غريبة عنه.
وعلى العموم فقد عاش أمجد عبد الدايم هذا الاغتراب على أكثر من وجه: اغتراب ذاته عن جوهرها بفقدان مرتكزات الانسجام الدّاخلي واغتراب عن البنية الاجتماعيّة بفقدان الدور والهدف والمعايير القيمية واغتراب عن المكان باعتبار البحر عالما أجبر على تجريب العيش فيه دون أن يكون مؤهلا لتلك التّجربة.
ولعلّ من تجسّد غربة الكائن الترابيّ في عالم الماء أن المؤلف وهو شاعر (كان مولده في بيئة قارّية لكنّه يُدفع هو الآخر إلى البحر في بنزرت أوّلا ثم في نابل ويعاشر البحر على نحو ما)، فإنّنا لا نعثر في الرواية على ما يمكن أن ينسج خيال الشّاعر من صور متعلقة بالبحر ولا ما تدير الثقافة حوله من الأساطير ومن الابتهاج به ومن التّغنّي بجماله ومن تجلّيات المقدّس، بل على عكس ذلك اقتصر الحديثُ عن البحر عند المظهر التّجريبيّ قوّةً أكّالة للبشر حمّالة لهم إلى نهاياتهم ومجالا لاختبار الجسد التّرابيّ لمجموعة من المكاره مثلما اختبر الموتَ الوشيكَ ... قبل أن يؤدي البحر به إلى نهاية مأساوية غامضة في أرض غريبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق