تمثل اللغة في أدبيات سيدي محمود المسعدي كمعطى وجودي جسرا لتجسيم قيم الكونية وتحقيقها ، وسبيلا لنحت الكائن والكيان. وذلك باللغة ، وعن طريقها تكون في العالمين إقامة الإنسان إقامة تليق بمن انتخب للفعل والكدح والبناء والخلافة على الأرض.
فهي (اللغة) رحلته وراحلته ، وطيفه وهواتفه ،وهي دربه في فسيح الفضاء وعوالمه.إنها في أعرافه السردية منطلقه ومبتغاه ، وآلته في مناكب الرحلة والرحيل.
تحمل بين جنبيها بذور الحياة وعلامات الوجد والفناء في وجود منشود.
لغته كالإنسان في إطلاقيّتها ، معطى فلسفي خالص هويتها،تبدو وكأنها في تواشجها وتداخلها وتقاطعها على أديم الكون رحلة بحث في كنه العالم وحقيقته. فتمتح من قديم الوجود لغته ومفرداته، وتنهل من عيون الحديث فلسفاته وتعبيراته.
تحمل في رحمها السؤال هما وجوديا ، وتعده في كيمياء حروفها قادحا كونيا للسير على درب السعي دون انتهاء.
إنها (اللغة)تسعى لترسم ملامح الإنسان/الكون، وتبشر به في صحفها ، ذاك الإنسان الجامع بين وجودية الإفرنجة، وحريّة المعتزلة ، وحداثة الآخرين وأصالة " النحن" ، فلا إفراط ولا تفريط، على مذهب تعادلية توفيق الحكيم ،تلك التي يحاول سيدي محمود المسعدي من خلالها أن يبعث إنسانه/ مشروعه من تحت رماد الخنوع والخضوع ،إنسانا مسكونا بلسان محايث للطين وهمومه، مفارقا له ،متطلعا نحو فضاءات أرحب ينشدها .مثله في ذلك كمثل الواقف على باب الكون بجسم مسكون بهواجس التراب ومفرداته ،وفي الآن نفسه متيم بحياة الطير وأجنحته.
كذلك هي اللغة في جميع أعماله،وعلى امتداد نصوصه. تسعى بين منعطفات القديم ومفاصل الحدبث لتخرج على الناس لغة كونية إنسانية جامعة ،كأنها المعري في لزومياته في اضطرابها وحركتها ، تتقاذفها ريح الأسئلة الوجودية في عرض التفكر والتدبر، فتستبطن متاعب الرحلة حروفها ،وتتمثل مخاطر الدهشة والقلق والحيرة والظنة كلماتها، فترسم (اللغة) لوحات من صميم المأساة ، مأساة هذا المخلوق الغريب الغرائبي المجبول على الفعل والترحال في أرض موعودة بفجر الإنسانية ولو بعد حين...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق