منذ القديم تناولَ الفلاسفة و علماء الجمال و من ركب مركبهم من الأدباء نظرية الأدب ،
وحاولَ كلٌّ منهم أن يضع نظريته وفق فهمه وانطلاقا من أفكارهِ و معتقداتهِ الأيديولوجية التي يؤمن بها. وبالتطبيق العملي نجد أنّ مسؤولية ذلك تقع على عاتق النقّاد ، وخاصة في العصر الحديث ، بعد انتقال العلم و الدِّراسة إلى مجال التخصص .
وأهمُّ ما بحثه السابقون في مجال نظرية الأدب هو سؤالان هامَّان : ماهو الأدب؟ و ماهي وظيفته؟ وهما سؤالان قديمان منذ عصرِ اليونان . يرى كثير من الباحثين و الدارسين أنّ السؤالين متكاملان ومتلازمان لا يمكن الفصل بينهما. ولكنَّ القدماء كانوا يركّزون على وظيفة الأدب قبل شكله، ممّا أدَّى إلى الاتجاه الأخلاقي في فهم الأدب ، و نذكر في هذا السِّياق (جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة اليوتوبيا) التي تحدثت عن عالم مثالي خيالي تسوده قيم الخير و الفضيلة . أمّا في العصور الوسطى في أوربا فقد بقي الأدب خاضعاً للدِّين
والكنيسة حتى سمي ذلك العصرُ (عصر آباء الكنيسة) وفي ظلِّه اضمحلّ الأدبُ، وقلّ الإنتاجُ الأدبي وصارَ معظمُه شفوياً، ومنَ الأدب الشعبي كالقصص والملاحم والأساطير والأغاني التي تدور حول البطولة وما يرافقها من فروسية ومغامرات تصف شخصيات ملكية ، وحول بعض قصص الحبِّ. لكن العرب لم يتأثّروا بتلك النَّظريات الأخلاقية فقد ظلَّ الأدب على العموم مستقلا عن القيم الأخلاقية ومتحررا من القيم الدينية. ولذلك فقد ذمّ القرآن الكريم الشعراءَ ووقف منهم موقفا سلبيا ونفى عن الرَّسول محمد (ص) صفة الشَّاعر, والآية الكريمة صريحة في الذَّمِ, لقوله تعالى:( والشُّعراء يتبعهم الغاوون. ألمْ ترَ أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون. وأنّهم يقولونَ مالا يفعلون. إلاّ الذين آمنوا .... ). ولكنَّ الإسلام رأى أنّ الشّعر ذو مكانة في النفوس وتأثير في العقول ( إنّ من البيان لسحراً) و لذلك نجد في العصور الأولى وحتى العصر الحديث أنّ النقّاد العرب أعفوا الأدب من مسؤوليته الأخلاقية ، وخاصة في العصر العبَّاسي، فكان الخلفاء يستقبلون الشِّعر بأغراضه المختلفة استقبالاً جميلاً ، ورأينا الكثير من الشعراء يتناولون الخمرة ومجالسها وما يتبع ذلك من غناء ومغنيات وغلمان وغزل صريح وفاحش أحيانا.
أمّا في العصر الحديث ومع التَّطوّر الذّي أصابَ الأدبَ فقد اتضح لدى النقّاد مفهوم طبيعة الأدب وشكله ومضامينه وغايته , وبدأت تتبلور بذلك نظريات أدبية أخلاقية عامة , وهكذا ظهرت المدارس الأدبية المعاصرة .....
( وللحديث بقية .....)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق