في زمن الوحدة، والانغلاق على
الذات، وانقطاع الرسائل الورقية التي كانت ترِدُ إليّ من الأهل والأصدقاء، قررتُ
أن أكتب إليَّ رسالةً، عساها تحمل بعض الدفء الذي افتقدتُه في الرسائل الرقمية
المتسمة بالكثير من البرود، والجمود، والحياد. قد يقول قائل: "السيد طار ليه
الفرخ"، وقد يقول آخر: "إنها بداية الخرف"، لكنني واثق أن البعض
سيتقاسم معي هذه المشاعر، وقد يرى فيها نفسه، ويكتشف صدق ما أقول.
الحمد لله وحده.
شخصيَّ العزيز:
إليَّ مني أزكى تحية، وأرق سلام.
أما بعد،
أكتب إليّ اليوم هذه الرسالة، لا
لأنني تغرّبتُ عني، أو قاطعتُني، أو اشتقتُ إليّ، بل لأنني فقط، وبكل بساطة،
اشتقتُ إلى كتابة رسالة ورقية. لا يهم ما سأقول لي، ولا عمَّ، أو عمَّن سأحدِّثني
فيها، ولكنَّ المهم، بالنسبة لي، أن أكتب رسالة، وكفى. سأقول لي، لماذا لم أختر
غيري لأكتب إليه هذه الرسالة. فأقول لي: لأنني أعلم أن الجميع مشغول عني، وعن
رسائلي بهواتفهم، وحواسيبهم، فلا وقت لديهم لقراءة رسالتي لو بعثتُها إليهم. إن
أقصى ما يمكن أن يفعله من كان حريصا منهم على الردّ، هو أن يبعث إليّ رسالة رقمية،
مختصرة في إبهام مرفوع، أو قلب أحمر جامد، أو متحرك، في أحسن الأحوال. وأستبعد
نهائيا أن يتفضل أحدُهم فيحمل قلما، ويبحث عن ورقة، يخط لي فيها حروفا، أو كلمات،
سيجد بالتأكيد صعوبة شديدة في تحريرها، وكتابتها بخط مقروء؛ لأن أصابعه نسيَتْ
عادة مسك القلم، ولم تعد قادرة على التحكم فيه، بعد أن تحكمَتْ فيها عادة النقر على
أزرار الهاتف، أو الحاسوب، وودَّعَتْ، إلى غير رجعة، الأقلام، والأوراق، والكتابة
بخط اليد.
شخصيَّ العزيز:
لستُ أنتظر مني أن أُتحفني بجواب
مكتوب، أجد متعة قصوى في قراءته، وإعادة قراءته، كلما تاقت نفسي إلى التملّي بطلعة
رسالة دُبِّجت بعناية، ورُسِمت حروفها بجمالية تبهر عين القارئ، وتشده إليها
شدًّا، فلا يُلقي بها في سلة المهملات، ولا يتركها عرضة للتلَف والضياع، بل يحتفظ
بها في درج مكتبه، أو داخل دولابه، أو وسط نفائسه ومدّخراته، تماما كما كنتُ أفعل
أنا نفسي، حين تصلني رسائل أصدقائي، وإخواني. إنها إلى اليوم، لا تزال حية، نابضة
بأحداث، ووقائع، وأخبار، ومشاعر تنتمي إلى وقت ضارب في الزمن، زمن لن أنصفه، حتى
وإن وصفتُه بالجميل، كما يقول عنه الكثيرون اليوم. ولستُ أطمع أن ترقى رسائلنا إلى
مستوى رسائل كبار الأدباء، من أمثال جبران، أو العقاد، أو گرامشي، أو كافكا. نعم،
لن أنتظر مني رسالة مكتوبة، فأنا نفسي صرتُ مثل الآخرين، رهينَ أزرار الهاتف
والحاسوب، ومُدمِن الرسائل الخفيفة، والرموز الرقمية القائمة مقام الكلمات
والحروف. وحتى إن أجبتُني برسالة ورقية، فسأجد صعوبة كبيرة في تعرُّف خطي، وتبيُّن
ملامحه. فالقلم طال عهده بأناملي، ورسْمُ الحروف بالإتقان الذي أدركتُه نتيجة
الدربة على الكتابة بالقلم، فقَد الكثير من أناقته. فسأعذُرني، شخصيَّ العزيز، إن
جاءني ردّي بخط رديء، ذلك أنني أشعر، أحيانا، كما لو كنتُ أكتب بجمرة حارقة،
أستعجل لحظة التخلص منها، دون اعتبار لما أكتب، ولا لكيفية كتابته. في حين تنطلق
أناملي رشيقة، أنيقة، خفيفة، وهي تُراقص الأزرار، وتداعب الحروف، مطمئنَّةً تماما
إلى وضوح الخط، وجودته، ومقروئيته.
عزيزي أنا:
أرجوني، وأتوسَّل إليّ، أن أعود
إلى الكتابة بالقلم، ولو لي أنا وحدي. لا يَغُرّنَّني الحاسوب، ولا الهاتف
بأزرارهما، وكثرة أنواع الخطوط فيهما، فلَحَرْفٌ واحد أكتبه إليّ بقلم المداد الذي
وجدتُه، ذات جولة صباحية في سوق الأحد، بين خردة من الأقلام العتيقة، فاشتريتُه
بدرهم، وهو من فصيلة "باركر" الرفيعة، قبل أن أكتشف أن عبوته تباع
بعشرين درهما، أقول: لَحَرْفٌ واحد بذلك القلم أحبُّ إليَّ من عشرات الكلمات،
تنساب على شاشة الحاسوب، باردةً، خامدةً، جامدة، هامدةً حتى وإن حاولتُ أن أبعث
فيها بعض الدفء، باختيار الخط المغربي، المتميّز بجماليته، وفنيته، وبهائه.
أُصدّقُني، شخصيَّ العزيز، إذ
أقول: إن رسالة ورقية مكتوبة مني إليَّ، ستكون حدثا مميّزا، في عصر الكتابة
الرقمية، وسأحفظ لي هذا الجميل، لو تفضَّلتُ وحققتُ لي هذا الحلم. فانظر، يا أنا،
كيف غدت الكتابة الورقية حلما، يُرجى تحقيقه، وصارت في زمن الرقمنة أعزَّ ما
يُطلَب. أليس هذا قمة العبث، ودليلا على ما أصاب حياتنا من تحوّل خطير؟ أليس مجازفةً
كبرى أن يحتفظ المرءُ بكتاباته، وإبداعاته، ووثائقه في أقراص وُصِفت بأنها صلبة؟
وإلى أي مدى تستطيع أن تفعل ذلك، علما أنها مُعَرَّضة لغزوِ فيروسات، قد تأتي على
أخضرها ويابسها؟ ألا نسمع أصواتا ترتفع هنا وهناك، تندِّد بقرصنة حساباتها، والسطو
على كتاباتها؟
لذلك أرجوني، شخصيَّ العزيز، أن
أُساعدني على بعث هذه السنَّة الحميدة، سنَّة الكتابة الورقية. فهل أكون في مستوى
التحدي، وأخلع عني عباءة "الكائن" الرقمي، وأرتدي لباس
"الكائن" الورقي؟
وليْتَ بعض أصدقائي، الذين أعلم
عشقهم للكتابة الورقية، يركبون معي هذا المركب الصعب، لِنُبحِر من جديد، ليس في
الفضاء الأزرق، بل على متن أوراق، نتهجّى فيها حروف الكتابة، ونتعلم، عَوْدًا على
بَدْء، دروسا في مبادئ الخط.
لن أستغرب، شخصيَّ العزيز، إذا
أخبرتُني أنني بعد كتابة هذه الرسالة، ووضعها في الظرف، والاستمتاع بمذاق اللصاق
على جانبيه، لم أعثر إلى الآن على طابع البريد، الذي أصبح عملة نادرة، بسبب كساد
المراسلات الورقية. لقد نصحني كثير من أصحاب المكتبات، والأكشاك بالتوجُّه إلى
مكتب البريد، لاقتناء الطابع منه، ووضع الرسالة داخل صندوق المكتب نفسه، بعد أن
تمَّ الاستغناء عن الصناديق التي كانت تؤثث شوارعنا وأزقّتنا.
إنني
أرى، شخصيَّ العزيز، باستغراب شديد، كيف تغيّرَتْ كثير من الأمور من حولنا، دون أن
ننتبه إليها.
والختام سلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق