2021/11/13

الخيالُ والصُّورةُ في التَّجربَة الشِّعريَّة



قبلَ أنْ نتحدَّثَ عنْ دورِ الخيالِ وأثرِه في الشِّعرِ والصُّورةِ الشِّعريَّة، لابُدّ مِنَ الإشَارةِ إلى الخَلط اللُّغويِّ بينَ مفهومِ الخَيالِ ومفهومِ الوَهمِ، الَّذي وقعَ فيهِ النُّقَّادُ والدَّارسونَ في المَاضي، حِينَ جَمَعوا بينَ الوَهمِ والخَيالِ، وَقالوا أيضاً إنَّ الخَيالَ ليسَ مَلكةً خاصَّة بالإنسانِ، بلْ هيَ تشملُ عالمَ الحيوانِ أيضاً(فلسفةِ الخيالِ والوَهم عندَ ابن سينا)، وقد استمرّ هذا الخلط ُ سَائداً منذُ عصرِ اليونانِ مُروراً بالعربِ والنُّقَّادِ الكلاسيكينَ في أُوربا. وعندَما  جاءَ عصرُ النَّهضةِ جَرى تَحوُّلٌ كبيرٌ في مفهومِ الخيالِ، على يدِ الفيلسوفِ الألمانيِّ (كَنتْ) الَّذي اعتبرَ الخيالَ أرفعَ قُوى الإنسانِ، بلْ هوَ أساسُ كلِّ القُوى الأُخرى . وقدْ تبعَه الرُّومانتيكيونُ وأصحابُ المذاهبِ الفنيَّة الجديدةِ والحديثةِ في هذا التَّقديرِ لمكانةِ الخيالِ في العملِ الفنِّي وخاصَّة في الشِّعر... فَرَبطوا بينَ الخيالِ والعاطفةِ، كَما قسَّموا الخيالَ إلى نَوعينِ (خيالٍ أَوَّليٍّ وأساسيٍّ، وخيالٍ ثانويٍّ أوْ فَرعيٍّ) واعْتبروا الخيالَ الأساسيَّ هوَ السَّابقُ والمَصدرُ، والخيالُ الثَّانويُّ هوَ التَّابعُ واللَّاحقُ أوِ الصَّدى لِلخيالِ الأساسيِّ، وهوَ ما عُرفَ في الفلسفةِ الرُّوحيةِ بالظَّاهرِ والباطنِ، وعنْ طريقِ جمعِ أوْ تلاقحِ النَّوعينِ ينتجُ ما عُرفَ  بالخَيالِ الجَماليِّ، إذْ يتمُّ تحويلُ المادةِ الأولى إلى تعابيرَ أوْ يتمُّ تجسيمُ الأفكارِ المُجرَّدةِ والخَواطرِ النَّفسيَّةِ، وَهُنا تبرزُ أصَالةُ الشَّاعرِ وعَبقريتُه في خيالِه. وقدْ اشتركَتِ المذاهبُ الأدبيَّة في تقديرِ قيمةِ الخيالِ، ولكنْ بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ، معَ المحافظةِ على الصُّورِ الشِّعريَّة والعنايةِ بها ، مُتجاوزينَ حُدودَ التَّشابهِ الحِسِّي والمُدركاتِ بينَ عناصرِ الطَّبيعةِ ومُكوناتِها. 
إلاّ أنَّ المدرسَةَ الرَّمزيَّة أوْ مَا يُسمَّى بالمذهبِ الإيحائيِّ، رأتْ أنَّ الصُّورَ تبدأُ حسيَّة أيْ مُدركةً بالحواسِّ، ثمَّ تتحوَّلُ إلى معانٍ مُجردةٍ ، لَها أثرُها في النَّفسِ، بلْ تصلُ إلى مِنطقةِ العقلِ الباطنِ أو اللَّاشعورِ أحياناً  عنْ طريقِ التَّجريدِ والاعتمادِ على اللُّغةِ الوُجدانيةِ بوسائلَ كثيرةٍ أهمُها (تراسلُ الحواسِّ). وتراسُل الحواسِّ هيَ وسيلةٌ منْ وسائلِ التَّصْويرِ الفنِّي، تعتمدُ على نقلِ مدركاتِ الحواسِّ فِيما بَينها، فَقدْ يصبحُ السَّمعُ بدلاً من الرُّؤية، أوِ الشَّمُ بدلاً منَ الذَّوقِ  .. وَهكذا... وذلكَ لأنَّ هذهِ المدركاتِ ذاتُ مصدرٍ واحدٍ، هوُ الشُّعورُ أوِ الوُجدانُ، وتساعِدُ أيضاً وسيلةٌ أُخرى هيَ الغموضُ والإبهامُ في رسمِ الصُّورةِ الشِّعريَّة ، لكنْ بحذرٍ منَ الوقوعِ في الإبهامِ المُغرقِ، وعنْ طريقِ المُحافظةِ على شيءٍ من الظِّلاِل والإيحاءِ  اللَّذينِ يساعدانِ في تفكيكِ الرَّمزِ وما يَحملُه منْ مُتعة وجمالٍ، عنْ طريقِ القرائنِ الدَّالةِ أوِ المُوحيةِ .
وعندَما جاءَ السِّرياليونَ أوْ منْ عُرفوا عندَ بعضِ النُّقَّاد بمدرسةِ (ما فوقَ الحقيقةِ) اعتنوا بالخيالِ والصُّورةِ الشِّعريَّةِ ذاتِ الدَّلالةِ النَّفسيَّة، فشاركوا الرَّمزيينَ في ذلكَ، معَ المُبالغةِ في دورِ الصُّورةِ كعنصرٍ أساسٍ وجوهريٍّ في الشِّعرِ، وَطالبوا الشَّاعرَ بأنْ يكونَ على ثقةٍ تامَّةٍ ومطلقةٍ  بالخيالِ، باعتبارِه نتاجَ حالةِ الإلهامِ والوَحيِّ الشِّعريِّ أوْ ما عُرفَ بشيطانِ الشِّعرِ، لأنَّ الصُّورةَ في رأيِّهم هيَ الوسيلةُ الَّتي يصلُ بها الشَّاعرُ إلى تثبيتِ العلاقاتِ بينَ الأشياءِ المحسوسَةِ والأفكارِ المُجرَّدةِ أوْ العواطفِ، أوْ بينَ الواقعِ والحُلم... لكنَّ ذلكَ لهُ محاذيرُه وخطورتُه في وقتٍ واحدٍ، حيثُ أنَّ التكلّفَ في صُنعِ أو رسمِ الصُّورِ قدْ يَضرُّ بأصالةِ الشَّاعرِ، ويُضعفُ الدَّلالةَ الشُّعوريَّة للصُّورِ ... معَ العلمِ أنْ لا ضَرورةَ للمنطقِ فيها، فالصُّورةُ لها ظاهرٌ وباطنٌ، والظاهرُ يُوحي بالباطنِ.
مُرُوراً بالمذهبِ النَّفسيِّ .. نجدُ اهتمامَ هذا المذهبِ بالإيحاءِ والاعتمادِ على العقلِ الباطنِ أو اللَّاشعورِ، حينَ يقومُ الشَّاعرُ بعمليَّةِ تعويضٍ منْ أجلِ أنْ تنفِّسُ النَّفسُ عنْ كبتِها، وَهنا يصبحُ 
الشَّاعرُ قادراً على إنتاجِ عملٍ أدبيٍّ يتجاوزُ حالةَ الكبتِ الجِنسيِّ المُجرَّدِ الَّذي تحدَّث عنهُ (فُرويد) ليُحلِّقَ في حالةٍ منَ السُّموِّ والتَّألُقِ.
أمّا المذهبُ التَّعبيريُّ الَّذي تمثَّل بصورةٍ واضحةٍ في الشِّعر الغّنائيِّ، فقدْ أكدَّ على ما جاءَ في المذهبِ النَّفسيِّ ، لكنَّه اعتمدَ على نزعاتٍ صُوفيَّة, منْ أجلِ إحياءٍ جديدٍ للعلاقاتِ الإنسانيَّةِ، باسْتخدامِ الرُّموزِ الدِّينيَّة والدَّعوةِ إلى الخلاصِ منْ عذاباتِ الحَياة.
وعندَما ظهرَ المذهبُ الوُجوديُّ في الأدبِ، رَأى أصحابَه أنَّ الصُّورةَ الشِّعريةَ لَها خَواصُّ أساسيَّة فهِيَ عَملٌ تَركيبيٌّ مُكوَّنٌ مِنَ العَناصِرِ الَّتي تُمثِّلُ الصُّورَةَ، وَمِنَ المَعرفةِ المُحدَّدةِ لَها، وَهيَ تمثِّل الوعيَ المُباشرَ لَها،مَعَ انعِدامِ مَوضوعِها وَكونِها في الحقيقةِ تلقائيّة .
وَخُلاصَةُ القَولِ ...إنَّ عالمَ الخيالِ هوَ المَصدرُ الأساسُ لِلجَمالِ، وليسَ الواقعُ، وهوَ ما سَعى إليهِ الإنسانُ بِصُورةٍ عامَّةٍ، والشَّاعرُ بصورةٍ خاصَّةٍ للوُصولِ إلى الإحساسِ بالجمالِ، عنْ طريقِ الصُّورةِ بنوعَيها الجزئيِّ والكلّيِّ، ولا فرقَ بينَ النَّوعينِ فالخيال مصدرهما معا.والخُلاصَةُ الَّتي لابُدّ مِنْ تأكيدِها أنَّ الصُّورةَ الفنيِّةَ هِيَ الوَسيلةُ في نقلِ التَّجربةِ الشُّعوريَّةِ وَما فِيها مِنْ فكرٍ أوْ عَاطفةٍ، وَكُلَّما كانتِ الصُّورةُ أكثرَ ارتباطاً بالتَّجربَةِ وَالشُّعورِ، كانتْ أكثرَ عُمقاً وَصِدقاً وإيحاءً، وأَرقى فنّاً، بشرطِ أنْ تكونَ الصُّورةُ ذاتَ وظيفةٍ صحيحةٍ وتُؤدِّي هذهِ الوظيفةَ، ولذلكَ نذكِّرُ بِضَرورةِ الوَحدةِ العضويَّةِ الَّتي تحفظُ الصُّورةَ منَ التَّفكُّكِ والاضْطرابِ والتَّنافرِ والتَّناقضِ بينَ أجزائِها أوْ مُكوِّناتِها، أوْ مُخالفتِها للأفكارِأوْالمَشاعرِ، كَمايُوصي النَّقدُ بالابتعادِ  عنِ الصُّور الوَصْفيَّة المُباشرةِ،و التَّركيزِ على الصور الإيحائية، ولا مانعَ منِ استخدامِ اللُّغةِ الحقيقيَّة أوِالمَجازيَّة،فالأمرُ مرهونٌ بدقَّةِ الاستعمالِ والدَّلالةِ على الخيالِ الخَصبٍ عندَ الشَّاعرِ.
ونتوصَّلُ بعدَ هذا إلى أنَّ قيمةَ الخيالِ الشِّعريِّ إنَّما تكمنُ في فاعليتهِ، بوصْفِه نشاطاً خلَّاقاً يتجاوزُ مُعطياتِ الواقعِ المألوفِ، ليعيدَ تشكيلَهُ في أذهانِنا منْ جديدٍ، بعدَ تحطيمِهِ لِسِلطةِ العُرفِ والتَّقليدِ وَمنطقِ الأشياءِ.
وَمِنْ هُنا نجدُ أنَّ أكثرَ الصُّورِ الشِّعريَّ تأثيراً في نفوسِنا، هيَ تلكَ الصُّورُ الَّتي لا تَسعى لاستحضارِ هيئةِ الأشياءِ كَما هِي في الواقعِ، بقصدِ استنساخها،و إنّما تعمدُ إلى إعادةِ تركيبِها، في هيئةٍ جديدةٍ، ووفقَ منطقٍ مُغايرٍ.
وَمنَ المفيدِ الإشارةُ أَيضاً إلى أنَّه لمْ يعدْ مُجدياً لجوءُ الشَّاعرِ إلى حشدِ الصُّورِ الجُزئيَّة ورصِّها جنبَ بعضٍ منْ غيرِ أنْ تمتلكَ تلكَ الصُّورُ الجزئيَّة علاقاتٍ حيَّةُ تُؤهلُّها لتشكيلِ بنيةٍ عضويةٍ  تتَّسمُ بالحيويَّةِ والقدرةِ على التَّأثيرِ، وَهو مَا لفتْنا إليهِ الانتباهَ حولَ كثرةِ الصُّورِ الجُّزئية المَجانيَّة الَّتي لا تخدمُ المَعنى وَلا تُوضِّحُ الفكرةَ ولا توصلُ إلى شيءٍ عندَ المُتلقِّي، والغريبُ أنَّ كثيراً منَ الشُّعراءِ المُحدثينَ وَقعوا في مَطبِّ الصُّورِ الجُزئيَّة الكثيرةِ وغيرِ المُنسجمةِ معَ اللَّوحةِ الشِّعريَّة في القصيدةِ.
إنَّ امتلاكَ الصُّورةِ الشِّعريَّة سِمةٌ الحيويَّةِ منْ شأنِه أنْ يمنحَها خصوبةً تؤهِّلها للإشعاعِ في كلِّ اتّجاهٍ، وتتيحُ للقارئِ فرصةَ اكتناه واكتشافِ المَزيدِ من المَعاني والدَّلالاتِ كُلّما أَوْغلَ فيها.
إنَّ مقياسَ ثراءِ الصُّورةِ الشِّعريَّة وعُمقِها يكمنُ في قدرةِ القرَّاءِ والمُتلقِّينَ على الوصولِ إلى مُستوياتٍ منَ المَعاني، تختلفُ باختلافِ مُستوياتِ وَعيِّهم وَحُظوظِهم مِنَ الثَّقافةِ والفكرِ والتَّذوِّقِ.
وتتباينُ مستوياتُ الصُّورةِ عُمقاً وَبساطةً في التَّجربةِ الشِّعريَّةِ، تبْعاً لثقافةِ الشَّاعرِ وامتلاكِه لِتَجربتِه الشِّعريَّةِ بصورةٍ عاليةٍ وتمكُّنِهِ منْ أدواتِه الفنيَّةِ. كَما تتباينُ أيضاً وفقَ مُستوى ثقافةِ 
القارئِ ولُغةِ التَّوصيلِ الشِّعريِّ، فليسَ كلُّ بساطةٍ مَطلوبةً، ولا كلُّ غموضٍ مَرفوضاً أوْ مَذموماً. إذْ تبقى العِبرةُ في مَدى صِدقِ التَّجربةِ وبعدِها عنِ الافتعالِ والقَصديَّة.
يتباينُ الشُّعراءُ في طرقِ بناءِ الصُّورةِ الشِّعريَّة، فَمنهم منْ يَميلُ إلى تغليبِ الصُّورِ الحِسِّيَّة في تجاربِه، ومنْهم منْ يميلُ إلى تغليبِ الجوانبِ المَعنويةِ والذِّهنيَّةِ على بنيةِ الصُّورةِ. كَما
يختلفُ الشُّعراءُ في طريقةِ وشكلِ استخدامِهم وَتعاطِيهم معَ مُعطياتِ الحواسِّ، ففي الوقتِ الذي يلجأُ فيهِ بعضُهم إلى الإكثارِ منْ مُعطياتِ حاسَّةِ الشَّمِ كرائحةِ العطرِ وشَذى الأزهارِ،
ورائحةِ بارودِ الحُروبِ، يعمدُ آخرونَ إلى إشاعَةِ مُعطياتِ حاسَّةِ البصرِ، كلونِ العينينِ والوردِ، والسَّماءِ والبحرِ، وهناكَ منْ يمزجُ بينَ مجموعةٍ منَ المُعطياتِ كَما ذكرْنا سابقاً عنْ عمليةِ تراسُلِ الحواسِّ، حينَ يضعُ السَّمع مكانَ البصرِ أو الشَّم مكانَ التَّذوُّقِ وغيرِه.
ونستنتج مما سبق أنّ الخيالَ يباعد ما بين الإنسان وبين عالم الواقع فيكشف عن عالم آخر تتمثل فيه الحرية بأكمل درجاتها , فوظيفة الخيال عند الإنسان تتلخص في أنّه يقدّم عالما بديلا للعالم الواقعي ويرى (سارتر) في الخيال قدرة على نفي الواقع وهي القدرة التي تميّز الوعي عند الإنسان ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق