عالجَ كثير من الباحثين والنقّاد وعلماء الاجتماع ظاهرة الاغتراب . ومنها ظاهرة الاغتراب في الأدب عامةً وفي الشعر خاصةً وفي مختلف العصور الأدبية , وقد تناولوا مفهوم الاغتراب كمصطلح لغوي بكثير من التعريفات منها الانعزال والوحدة والغربة والانفصال والانخلاع والتخلي والانتقال والتجنب والابتعاد وما إلى ذلك من المفردات التي تدلّ على انقطاع الصلة بين الأديب أو الشاعر وبين الآخرين .
ويلاحظ من خلال تاريخ الأدب أنّ ظاهرة الاغتراب قديمة قدم وجود الإنسان ووجود المشاعر والأحاسيس عنده , لكنّ هذه الظاهرة في الشعر المعاصر أخذت شكلين من أشكال الانقطاع . الشكل الأول هو اللاإنتماء وفقدان الهوية عند الشاعر والشكل الثاني هو انقطاع الصلة بينه وبين المجتمع من حوله من أصغر وحدة اجتماعية إلى أكبر وحدة كالوطن مثلاً.
ونذكر من الأدب القديم قول المتنبي :
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ
كمقام المسيح بين اليهودِ
أنا في أمةٍ تداركها اللهُ
غريب كصالحٍ في ثمودِ
وهنا نلاحظ أن الغربة نفسية وهي شكل من أشكال تضخم الذات عند الشاعر , ونستدل من خلالها على عوامل ومسببات كثيرة أهمها الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي وغيره.
ولو نظرنا إلى هذه الظاهرة من منظور علم الجمال لوجدنا أنّ العلاقة بين الأديب والمجتمع هي أهم مادة بالنسبة للأدب , وازدياد عزلة الأديب وانقطاعه وانسلاخه وهجره للمجتمع والناس يبدأ بإحساسه بأنّه فرد مستقل عن المجتمع ويعمل من أجل غيره دون أن يجد مردودا يعود عليه. لذلك يشعر باغترابه عن غيره من الناس, , وهذا الإحساس ناجم عن اعتبار الانسان هدفا مستقلاً بذاته عن المجموع ورؤية الآخر وسيلةً وليس غاية لبلوغ أهدافه. وفي العصر الحاضر نجد الاغتراب يتجسد في نتاج كثير من الأدباء والشعراء حين يقدمون أدبا عاطفياً كاذباً ورديئاً , وليس القصد من ذلك أن يكتب الشاعر شعرا موضوعيا خاليا من المشاعر والعواطف الإنسانية , فالمشاعر والعواطف لا يمكن إهمالها في أي جنس أدبي , وبخاصة في الشعر, وباعتبار أنّ الأدب أداة اتصال وتواصل بين الأديب وبين غيره فإنّ التواصل بين المغترب وبين الآخرين يكون تواصلاً ظاهرياً وشكلياً . كما أنّ دور الأديب في حالة الاغتراب يقوم على تعمية الناس وخداعهم وغرس فكرة إمكانية تحقيق السعادة والنجاح والحب والصداقة والتواصل عن طريق العمل الفردي والإيحاء بالوصول إلى النهايات السعيدة, بدون الصدام مع الواقع والمشكلات الاجتماعية والإنسانية التي غزت الحياة البشرية ماديا ومعنويا في هذا العصر, فالصدام لا يمكن أن يكون في أدب كاتب مغترب لأنّ الصدام يقوم على فعل وليس هروبا من الواقع , فجدلية الصدام مع الواقع يتطلب فعلاً وليس هروباً , وحينئذٍ نجد حالة اختلاط بين الذاتية والموضوعية ويتحولان إلى إبداع مشترك لكنه زائف.
وما ينتج عن هذا غير أدب مزدوج التكوين يمثله مقولة (الفن للفن) ونلاحظ في معظمه انفصال عضوي بين الشكل والمضمون, من وجهة نظر علم الجمال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق