2021/05/22

عضّة التجريب وآلام الكتابة في رواية "تغريبة شأس بن إسماعيل" للكاتب التونسي لطفي العربي البرهومي


 يضعنا هذا الكتاب في حضرة الألم، هكذا، بلا رحمة. ألم عات ممض موجع، فأنى تول وجهك فهناك النفي والنأي والتغرب. تغريبة موجعة، بل تغريبات متعددة تنهل من ماضيها المشترك ومن الغرب البعيد القريب الماثل فينا أملا ومهربا، وعدوا أيضا بطريقة ما. والكاتب، لأنه مطحون بسياط المحنة، مهووس ببطله، يختار له من الأسماء الأعرق، ومن النسب الأعلى،ويفتحه باعتباره محملا دلاليا على التعدد، تعود إلينا صور سيف بن ذي يزن، وصورة عنترة، وذياب الهلالي، وتتسع الدائرة نحو محمد الدرة، وتتسع لتشمل أي مثقف من هؤلاء الذين تبدأ الغربة بمحو ملامحهم، ثم بمحو طولهم، ثم بمحو هوياتهم، ثم يتحولون إلى كائنات ورقية مفرغة من الداخل. ينقلنا الكاتب بقوارب المتعة عبر الواقع، لا الواقع ذاته، بل ما يتأسّس حوله من دنى وحكايات وخرافات وأساطير.. لغته تتحمّل هذا التدفّق العالي، تتحمّله، وتحنو عليه، وتقول من خلاله لحظتها وزمنها الخاص. وهي تعلن بوضوح عن ثقافتها، وعن تلك الينابيع التّي تتسرّب منها، فالرّاوي أيضا مهووس بالارتحال في المرجعيات، محبّ للغامض فيها وللمتروك وللمنسيّ، هو مثل بطله المتنقّل بين المعالم مثل عصفور النّار حارقا ومحروقا، نتأمّل نحن الرّماد، تلك متعتنا، نعرف أنّ الطائر الحارق والمحروق لا يموت، بل يتحوّل، يزعزع ما استقرّ، يستغرب مريدا أو مكرها، وفي ترحاله وتجاربه الكثيرة، تتغيّر نظرتنا لما كان، قليلا أو كثيرا.

للبطل براويه في الكتاب علاقة آسرة، الراوي فأس الكاتب لطفي العربي البرهومي، واسفنجته في آن، يحبّ بطله، ويفسح له المجال ليعبّر ويبسط فكره ورؤاه، ويغرسه بعمق في تربة الأجداد وفي تراثات السرد المغوية، ويدفعه دفعا رفيقا وعنيفا إلى مضايق وأمور كثيرة هي من جوهر أسئلتنا حول الوجود، القلق في الكتاب يعالج بمزيد من القلق، والريبة تعالج بريبة أعلى، ويقع استبدال عوالم الآن وهنا بعوالم الأمس البعيد، استبدالات قويّة محيّرة، ويكاد الكتاب في بعض فصوله يتحوّل إلى ذلك السرد المطعّم بجواهر الشفوي والمحكيات وأحاديث الرّعاة، لكنّ الرّاوي يزن مروياته، فلا يترك القديم يثقل، ولا يفرط في الحكي وعمليات الاستبدال الكثيرة، بل يفتح نصّه على ما يمكن أن نسمّيه المعرفي، إذ تصبح الرواية في بعض فصولها عملا أقرب للفكر منه للحكي، فللكاتب بطل صاغه جيّدا من "قاع الخابية"، ودرّبه جيّدا حتّى استقام لدوره الفكري ومغامراته، ومن المهمّ أن نصغي لما يقوله وما يفعله. تذكّرني هذه العلاقة بين الكاتب وبطله بعلاقة كتاب بأبطال، المسعدي وأبي هريرة مثلا، حنا مينا بزكرياء المرسنلي، نيكوس بزوربا أيضا، إيغوشي العجوز براوي الجميلات النائمات، والشيخ بهيمنغواي.. وغيرهم. البطل ليس غير صوت للراوي ومن ورائه الكاتب. هذه الكتب التي تتوقّف عن كونها إغواءات ومتابعات وتشويق وإثارة، بل تصبح قراءة للوجود وكشفا لما يجعل الكائن بابا للحق والخير والجمال.
تتساءل وأنت تقرأ الرّواية، لماذا بطلها اسمه شأس؟ تجد إجابات كثيرة، لكنّك لا تطمئن، الاسم مغروس في تربة السرد ككرمة عنب، تستطيع تأمّل عرائشه التّي تنبت ببطء، ثم دواليه حين تتقدم في القراءة، لكنك لا تصل إلى قرار بشأن اسمه. لم أحبّ أبا هريرة أبدا، لم أجده أكبر من الحياة رغم كلّ إلحاح المسعدي لإقناعنا بذلك، لكن شأسا هذا، يحيّرنا، يأخذنا إلى عوالمه بلطف، آلة هو في يد راويه، لكنّه يداور ولا ينقاد تماما وينكص على أعقابه ويرفض، له روحه الخاص المقدود من المكان بحجارته وقيظه وغلظته وصلابته، أراده الكاتب متحدّيا صعبا خطيرا فكان، ليس لأن هذه رغبة الكاتب، بل لأنّ منطق المغامرة أقنع بذلك التدفّق وبرّره. بطل الطيب صالح أيضا ركل راويه وأسقطه وجرى جامحا وحده وأكمل الكتاب. ذاك منطق الكتب، لا منطق الكتّاب. أن يريد الكاتب شيئا، ويريد منطق الأحداث شيئا.. وفي هذا التضاد تكتب الرواية، وتستقيم أثرا مغويا، يسائل بديهياتك، ويؤلمك، ويدفعك إلى الإقامة بشكل مختلف في هذا العالم الذّي يكف تدريجيا عن الإدهاش. تتساءل أيضا، لماذا إسماعيل؟ أيحتاج البطل ليقنعنا "بمقالاته" إلى المقدّس الإرث الإبراهيمي؟ ما الذّي يضيفه هذا الاسم إلى بطلنا شأس؟ هل يصرف الكاتب انتباهنا إلى أمر معيّن؟ ما هو؟ لا أدري بالقطع، لكن ربّما يكون هناك إلحاح غامض على مسألة الأصل العربي لشأش، هل تغيّر معرفتنا بهذا البعد شيئا في مقروئيّة الـأثر؟ لا أدري ـأيضا، لكن بالقطع أقول إن ذلك كلّه من أعمال الكاتب، الكاتب الذّي يخرج بطله من السياقات الفردية إلى السياقات الجمعية، يريد من خلاله معالجة سيرة العربي، ويريد أن يجعل العرب في قلب رحاه السردية التّي تطحن الزمن، لذلك تكثر في الكتاب الأسماء العربية القديمة مثل أهيب ونديم وتعز... وفيهم تستقيم ثقافة مثقلة بقديمها، ساكنة رغم غليان روافدها، مجهولة رغم ينابيعها التّي تبلّل الأرواح، تستقيم هذه الثقافة في مواجهة ثقافة أخرى هاجرت قديمها، أو ساءلته وصفّت معه حسابها، ثقافة ثائرة باندفاعات مفكريها، ومعلومة بما توظفه من تقنية.. يحسن الكاتب دفعنا إلى حضرة هذا الألم العاتي الممضّ، ويحملنا إلى هذه المواجهة، وأمام أسماء مثل برهام وجرجال، نقف على نموذج ثقافي مغاير، لا يهمّ رأينا فيه بقدر ما يهمّنا كيف نتعامل معه.
يقفز اسم العاوية من بين الأسماء بقوّة وبشكل فجائي، تقفز مثل ذئبة من براري الخوف، ليست هي ذئبة الأنس، بل ذئبة الوحشة، أشدّها وأقساها.. هل يريد الكاتب تحميلها كلّ شرور العالم؟ وتحميل عوائها دلالات سنوات من القهر والذلّ والعبودية والاحتلال والقهر والنّهب الذّي حدث بأوطاننا؟ هي رمز، وهنا، يرد مكشوفا، عاري الوجه، ليضع أمامنا الآخر الغازي، يضعه بمصارحة، لا يتقيّد بحذره المعتاد، ونكتشف ونحن نقرأ أنّ العواة كثر، وأنّ العواء يجرف ويخرّب ويذلّ ويحفر في اللحم الحي، بعيدا وقريبا، ويتلبّس الغرب بصورة الذئبان المفترسة، وتطرح ثقافته باعتبارها توحّشا مفرطا في مواجهة ثقافة ضحية لا حول لها ولا قوّة. هل يبدو الأمر مناسبا لرواية؟ لا أدري، الرّواية كفّت من زمن بعيد عن فعل الإشجاء والمرح والإمتاع، وتركت المأساة والملهاة، لتحفر في المعرفي بجميع أشكاله، ولعلّ من نقاط قوّة عصفور النار أنه استطاع طرح هذا الموضوع بقوّة. هل نتّفق معه في معالجته؟ هل يحلّ طرحه المشكلة؟ هل يقودنا إلى نهر المعارف العاصية الذّي يشفي غليلنا؟ لا، دون شك، قصارى الجهد أنه يحملنا معه إلى خلجان القلق العاتي لنرى، ونتأمل. يأخذكالكتاب بعنف إلى قضاياك القديمة التي تتوهم أنك حللتها، يمعن في مصارحتك بأن لا شيء وقع حله، الأنا والآخر، مثلا، سيخ ساخن يمرره الكاتب دون أي شفقة بدواخلنا. هل تتقدم الرواية في طريق ما يسمى الفكر الإصلاحي؟ بالقطع لا، هل تستعيد "الحضاري" لتعيد للنص السردي قضاياه الأصلية؟ هل النزعة التعليمية أسلوب أو غاية، أم مجرد تأثر بكتب معينة؟ كل هذه الأسئلة تمنح لهذا النص وهجا، بعضها يخبو أثناء القراءة، وبعضها يخف، أما البعض الآخر فيعيدك إلى الكتابة بما هي فعل مواجهات على كل الأصعدة.
هناك في الكتاب استبدالات محيرة، أقلقتني جدا، كل شيء في الكتاب لا يتعلق بما يقال بل بما يراد الوصول إليه، ساش مثلا، ليس ذلك الرجل البدوي الذي هو هو في الحقيقة، بل هو أنت؟ أنت وقد حملت وزر خطايا لا علم لك بها، وآلاما لم تعهدها، ورهانات لم تحتجها أبدا من قبل. العاوية أيضا ليست المرأة الحقيقية، بل ما يراد لها أن تكونه.. سياقات استبدالية غاية في الترتيب، وشخصيات رامزة ممتلئة حية نابضة مفكرة محيرة، تقودك لغاية مرسومة مسبقا. وأنت في كل ذلك الحلبة، لا الملاكم، ترى بعينيك، وتشهد، تتلقى دما على سحنتك حين يشتد الأمر، تلقى سنا مكسورا أو يدا مبتورة.. لكنك تعتاد. الكتاب يوقظك، يذكرك أنك كنت في فجر إنسانيتك محاربا، وكان لك في أولك نهر يجري وغابة صغيرة وشرفتان، يقنعك أنك حي، وفيك نبض، وأن ما حصل وجعلك هكذا ليس قدرا، بل ... بل ماذا أيها الراوي المخادع؟ لماذا تداور؟ وتستبدل؟ لماذا لا تزيح القناع قناع المفكر وتصارحنا بالأمر كله؟ تريد تعليمنا، طيب.. يعني لا يزال لديك أمل فينا، تؤمن أن شجرة الحق والخير والجمال التي قصفت من حياتنا مخبأة لا تزال تحت التربة وتنتظر الطلوع من جديد. الحق أن إيمانك هذا أيها الراوي يهزني بعمق. من أين تأتي بهذا الإيمان؟ كيف تجترح الحياة من عصب ميت؟ أسئلة، ليس غير أسئلة.. تتبدى مثل فؤوس في هذا الكتاب، وتربة المعاني ميتة، وما من دليل على الحياة.
العواء وليس الذئب هو ما تجده في هذا الكتاب، ذلك الصّوت الذّي يختزن تواريخ الفجائع، يضعنا بقوّة في حضرة الغرب، وربّما في حضرة الأمريكان، في تلك الثقافة القارضة المفتّتة الغاصبة والمعتدّة بقوّتها، لا أعرف كيف صنع الرّاوي من عاويته تلك الدلالة، ولكنّها متحقّقة. وأمّ الدّواهي أيضا التّي هي ذراع العاوية الأوّل، تتوقّف دلالتها على بريطانيا، وربّما على إسرائيل.. كثيرا ما يتّفق للكاتب أمر هو من الصعوبة بمكان عند غيره. الانتقال من العادي إلى الدلالة الثانية الرمزية، ولكنّ كاتبنا يمرّ بسهولة، يضعك مباشرة أمام صورة للغرب الوالغ في الدم، الراضع من حليب الذئبان، المتوحّش.. المتسبّب في مآسينا كلّها، أمّا الشخصيات الأخرى فلقد مارس الرّاوي وصديقه الكاتب من ورائه كلّ مكرهما لتحميل أسمائهم دلالات مقترنة بالبشاعة والصّغار، ولم تخرج دلالتهم في الغالب عن الإيحاء بالتواطؤ والخيانة. حتّى الشخصية الوحيدة المذكورة بالاسم مسطّح قائد الضّالين فإنّها تحمل في تاريخها وسما بالفسق وبالكذب.. شخصيات كثيرة، متباينة، تحمل زمننا حملا، وتئنّ بحمله، وتعيد تذكيرنا بأنّ تغريبتنا تتواصل بنفس العناء، وبنفس الهوان الذّي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.
هذا الكتابا كتابان، الأوّل خلق وحكمة، والثّاني قربان، طريق اختار الكاتب أن يجعله شاقا، تتخلله الحكمة، لا الأحداث، التجربة والمغامرة لا التعلّم في ذاته، الإدراك بمعناه العميق لا التشويق والإدهاش.. عبر القراءة الرّحلة نرى البطل ينتقل من حال إلى حال، انتقالا مبوّبا مخطّطا له، نقنع فيه بأنّ الكائن محتاج دائما لولادة جديدة، محتاج للبحث في ماهيته بقصد تغييرها أو على الأقل كشف بديهياتها وإحراج مسلّماتها، وتؤول إلى الرّحلة إلى فعل افتداء أشبه بالقربان. نتساءل هنا عن غاية الكتاب، ماهي؟ ما القصد من الرحلة إذا كانت نهايتها الموت؟ هل كلّ معرفة تنتهي بمأساة؟ يريد هذا الكتاب أن يحلم نفسك بالقدرة على "الخروج" من المسلّمات، يريد أن يدفعك في طريق غير آمن، دراماتيكي، مؤذ.. يريد أن يحقن وريدك بقلق البحث عن القيم في مجتمع تتبدّل قيمه باستمرار، يريد أن يعيد لك الفكرة وليس النتيجة. ليس مهمّا في هذا الطريق أن تعتنق أفكار الكاتب، وأغلب الظنّ أنك لن تتّفق معه في الكثير منها، وخصوصا البعد العروبي الذّي يمثل خطّا قويا في الكتاب، والخطّ الذّي يستعدي الغرب استعداء تاما، ولكنّه في نفس الوقت يعيد إنتاج قيمه، ويعلي من شأن فلسفته. لا يجب أن يزعجك هذا الأمر لأنّ الكاتب يهتمّ بالطريق، وليس بالوصول. التعلّم وافتداء الوطن هي قيم مسجّلة على أوتار لا تبلى، والكتاب يعزف بقوّة على تلك الأوتار.
يكتب لطفي بطريقة قديمة، هل هذه سبّة أم مدحة؟ شجرة أدبه ملتفّة على أغصان مثقلة بثمار أجناسيّة كثيرة، تعدّد في الأصوات يشكّل ما يمكن أن نسمّيه رؤية بوليفونيّة. يمدّ فيها الكاتب قماشة الحبكة لتسع أكثر من توجّه بانفتاحها وقدرتها على استيعاب التعدّد، وهو مع ذلك يقترب من التأريخ، ويروي ملحا، ويعظ، ويحاول في كثير من الجهد أن يحقّق ذلك الشّرط القديم الذّي حكم النصّ العربي القديم وهو الإمتاع والمؤانسة، مضحك حينا هو، وحينا ملذّ طريف مغو، هذه الطريقة تعني في ما تعنيه أنّ السارد يترك الدّروب المطروقة ويبتعد عن طرق الأبواب المفتوحة، ويستثمر ثقافته العميقة واطّلاعاته الواسعة.. محاولا في الحقيقة أن يحاكي نمطا من الآداب الغربيّة الحديثة التّي تجعل من النصّ ليس شجرة فقط، بل غابة. تحضر فيها جميع الأشكال الكتابية العتيقة، ففي هذا الكتاب تجد الحبكة لكنّها خفيفة غير مقصودة لذاتها، وتجد ما يذكرك بألف ليلة وليلة، والجاحظ، وتجد أيضا فكرا يسهب الكاتب في عرضه، بل فلسفة حياة تحاول أن تستقيم سردا لكنّها تنسى نفسها وتغلب الراوي وتعلن عن نفسها.. وهذه الرّواية تتميّز بقدرتها على التذكير بنصوص. أعادتني لكتب تراوحت بين الفلسفي والسردي، طموحها إعادة التفكير في تاريخ البشرية وإنزاله إلى الحلبة، حلبة السرد. لا ضرورة هنا لحبكة قوية، لأنّ الحبكة أسلوب وليست غاية، لا ضرورة للدقّة والصرامة، لأنّهما أسلوبان، أمّا الغاية فبعيدة الغور، تجريب أكثر من نمط كتابي، والانقذاف في نوع من الأدب مشدود بقوّة إلى الماضي كتابة ورؤية، ولكنّه يتنامى مع نصّ غربي يمزج السرد بالفلسفة في بيئة عربيّة لم تتعوّده.
هذه المسائل المعقدة لا يجب أن تخفي علينا فكرة الكتاب الأساسية وهي الانتقال والترحال الذّي قاد البطل إلى خمسة معلّمين ليكسب المعرفة، وليعيد تجديد الذات، بهدف إيقاظ شعبه النائم، وهي غاية ثقافية حجاجية وليست سردية، وهي التّي فتحت الكتاب إلى إيراد مخاطبات قولية كلامية صرفة تضمّنت دروسا وتعاليم وتوجيهات، وهي مقالات كان من الممكن عرضها عرضا مختلفا ليتوافق أكثر مع الرّواية، لكن عرضها بالطريقة التي في الكتاب لا تعيبها أبدا، بل تعطيها خصوصيّة وطزاجة، فنرى طروحات أصيلة حول الطبائع، أو حول الدّين في قضاياه الملغزة التّي لا تزال تهدّد بالتفجر في حياتنا المعاصرة، كما نرى مسائل من جوهر النفس البشرية، وينتقل في رحلته الرابعة إلى وضعية المثقف ويطرح رؤيته الخاصة القرامشية لدوره الحيوي في الوجود، وتنتهي الرحلات الخمس بمواقف فلسفية صريحة تنزع القشرة عن اللحم الفاسد وعن الوعي القلق لتواجه البشرية بالزيف الذّي تظنه حقيقة.. تجارب خمس، مع خمسة معلّمين، لا نجد بينهم المرأة ولا نجد بينهم المجنون.. لكنّنا نجد تمثّلا للوجود بشكل مختلف طغى عليه الجوّ التعليمي والرّغبة في الإقناع والدفع بالحجج إلى أقصاها، مهما إثّر تأثيرا عميقا في طبيعة الكتاب، لقد تطوّرت الشخصية، عبر مغامرة حكائية قولية إقناعية مقالية تعليمية، أكثر منها تجربة وجودية فرديّة. لكنّ الرّاوي واع بمآزق الكتاب فتجده يكثر من الوصف، ويخصّص الفضاء السردي في كلّ مرّة لشخصية ثم يتركها في بقيّة الفصول، ويهتمّ بالأمكنة اهتماما نابعا من تأطير المعرفي أكثر منه احتواء التجربة الوجودية العميقة. على أنّ فكرة المعلمين الخمسة، لماذا خمسة بالذات؟ طريفة، أضفت على الكتاب روحا من التفلسف والتفكير في كلّ مجالات الفكر العربي التّي هي على صلة بحياتنا اليوم، وهذا أمر مهم.
ننتهي من خلال تحليلنا للكتاب أنّه كتاب فكر في لبوس سردي، وضعت له غاية أثقلته إثقالا، وهي في رأيي طروحات فكرية حضارية يراها المفكر لطفي حلا للعرب، وهي أفكار مهمّة وأصيلة تناقش، ومجالات نقاشها كثيرة، أهمّها كتب الحضارة. أمّا الرواية فتنقل الصدى، صدى كلّ تلك المقالات التي حرص الكاتب على تضمينها. هذا هو مضمون الكتاب الأول ويمكن اعتباره القسم النظري، أمّا القسم الثاني ففيه تطبيقات لما تعلّمه البطل في القسم الأوّل. نتساءل، هل سيطبّق البطل ما تعلّمه؟ وكيف سيطبّقه؟ وهل أن تعليمنا اليوم صالح لمواجهة ما يحصل في حياتنا؟ نتساءل، والكاتب يحملنا إلى عوالم شأس، ويعيدنا إلى حكايات وإحالات تراثيّة، ينتهي فيها البطل نهاية مرعبة مخيفة، لينجو جدّه، قراءة عكسية لتراث إبراهيم، تحتاج للتأمّل والتدبر والاستنباط، وهي من لحظات القوّة في هذا الكتاب المحيّر.
واضح أنّ الكاتب يكتب تحت ثقل الصخرة، وهو يرى الحبل، حبل المشنقة يلتف على عنق كلّ جميل في حياتنا، واضح أيضا أنّه شاهد على ما في حياتنا من غدر وتخلف وخيانات وعويل صامت، وواضح أنه يدين الصمت الذّي يريم على العالم المتوحّش في الحقيقة والذي يفقد كل يوم حرفا من حروف إنسانيته المثقلة بالسم، تحت وقع الشهادة كتب كتابه هذا وهو قريب من مسرح الهزيمة الكبرى للعرب في تاريخهم المعاصر، سقوط العراق، وهو يشاهد ما حدث بأم عينيه، إحساس فاجع مرتعب ملسوع بنيران القسوة والتشرّد والمعاناة، تحت كلّ ذلك التأثير كتب الكتاب.. فجاء وعيه يقظا حيّا بمآزق الأمّة العربيّة، واهتدى لحلول لهذه المآسي التّي تتعمّق باستمرار، فأصّلها في تربتها أوّلا في عرض متدرّج دقيق مفهوم يحقّق الغاية، ثمّ حاول أن يجريها تجريبيا في حياة بطله وهو يواجه عالمه الآن وهنا. فاستقام الكتاب رؤية ومنهجا، ثم تجربة وعملا، وهو ينوء بثقل طروحاته، وحلم كاتبة في غد أفضل.
لقد أحببت الكتاب، حملني من لحظتي المثقلة بحزنها إلى لحظة الأمل، جعلني كشجيرة برقوق في حوش، تمدّ بأغصانها عاليا وبعيدا، نحو الشمس. وأجبرني على تلقّي مقالاته، ومحاولة فهم معلّميه كلّهم، فغنمت من المعرفة قدرا قلّ أن نجده في رواية تونسية غيرها، وجعلني أرى أثر هذه المقالات رؤية العين على بطل الكتاب، وربّما كان أثرها عليّ مختلفا على أثرها على شأس لاختلافنا في التربية والتحصيل والتجارب وفهم العالم، وأحسب أن أثرها على قرّاء الكتاب سيكون مختلفا أيضا. والكتاب بعد ذلك نصّ كتب تحت تأثير الواقع، حالما بتغييره. الحلم بالتغيير ذلك الفأس الذّي لا تزال أقلام كثيرة ممسكة به لتقطع الشجر، منها يد صاحب هذا الكتاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق