قلت للكتاب الذي قرأت بعض صفحاته هذا الصباح:لن أتركك خلفي..أبدا، لن اتركك يا صديقي البهي..
ماذا ستفعل بي؟ سألني ضاحكا..
بخجل شديد أجبته: سأحرقك أو أمزقك إربا إربا وأعطيك للريح الصديقة كيما تنثرك في كل الأماكن التي عرفتني والتي لم تعرفني..في المدن وفي القرى..في السهول وفي الحقول..في الجبال وفي التلال..وعبر الأيام سوف يغطيك التراب..كما سيغطيني تماما..
قهقه الكتاب عاليا..و..حين عاد إليه قال لي: لن يفيدك ذلك في شيء، يا طيب..سأبقى على قيد الحياة..
كيف؟سألته..
في أماكن وأزمنة كثيرة سيراني الناس ..هنا وهناك..وهنالك..بأثواب لا حصر لها سيرونني..في الحاضر والآتي..وفي الماضي حتى..بالعربيةسيجدونني.. بالعبرية..بالصينية..بالألمانية..ب ب..
وسيجدونني في عالم ما تسمونه بالشبكة العنكبوبتة أيضا..
ماذا ستحرق أو تمزق يا صديقي؟..
سأوصي بأن تكون معي في قبري..سأقرأك هناك كثيرا..لن تكون وحدك..سآخذ الكثير من هذه الكتب التي ترافقك على هذه الرفوف ..
سأكون معك، رد الكتاب علي..سيقرأنا دودك..
كلمة الدود التي فيه قفزت..أنا هنا، صاحت سعيدة..أسرعت كلمة أكل التي بجانبها إليها وابتلعتها..
وسيقرأني أيضا، علقت على كلامه..
على سريري نمت ..ونام الكتاب على رفه..
في نومي ذاك سمعت كلماته تحكي كل واحدة منها حياتها عبر العصور لجاراتها الكلمات.. سمعت وقع حوافر كلمة الحصان على الأرض وهو يعدو مسرعا إلى فرسه التي داهمتني حمحمتها وهي تغذ السير في اتجاهه مغتبطة محركة رأسها ذات اليمين وذات اليسار .. أثارتني تأوهات كلمتي امرأة وهي تمد ذرراعيها إلى حبيبها ويتحاضنان..
سمعت الكتاب يحكي أيضا لجيرانه الكتب ما دار بيننا من حديث طويل متشعب الصفحات..
الرفوف حزينة متحسرة سمعتها تقول شبه هامسة : أعرف أنني سأبقى وحدي هنا..
الجدار الذي يسندها قال مثلها ، وبكى..
وبكيت بدوري..لك أبك علي..بكيت عليها تلك التي رحلت بعيدا بعد أن أهديتها كتابي الذي وضعت فيه كل أفراحي وأتراحي..كل كلماتي التي قطفتها عبر السنوات من هذه الأرض العطشى..
***
أيقظتني من نومي فزعا كلمة جرس وهي تدق على صمتي..
داهمني الخوف الشديد حين رأيت كلمة بنادق تطلق رصاصها على زقزقة العصافير وتغاريد الطيور التي فرت إلى الجهات كلها أسرابا أسرابا..
وحين صرخت كلمة حرية رافعة أخضرها وأبيضها وأحمرها ومعانقة كلمة الجموع:
حرية، حريه، حريه..
حريه، حريه، حريه..
فرحت كثيرا، لكنني تألمت حد الغثيان وأنا أرى الأحذية الخشنة خلفها ترفع هراواتها السوداء عاليا وتطاردها..
كلمة وقفت كانت في..في الشارع غير المعبد وقفت..
لم أنتبه إلا وكلمة الفأرة تتسلق جسدي من أمام مرتجفة لاهثة وتتوقف على صدري من جهة اليسار..
قلبي هو الآخرارتجف بشدة مثلها:
أنقذني، أنقذني ،أرجوك أخي ، صاحت في مستغيثة خزينة.
أنزلت نظري إلى الأسفل..رأيت..كلمة القط التي كانت تعدو خلفها تتوقف..عيناها على الفأرة ورجلاها الأماميتان على قدمي..
بقدمي تلك رفعت القطة عاليا ورميتها ..
على الأرض توقفت..استدارت إلي..كشرت عن أنيابها.. زمجرت ..ثم.. راحت تبتعد عني هاربة..
الفأرة التي كانت ماتزال على صدري تحركت صاعدة وراحت تقبل خدي سعيدة سعيدة..
شكرا كثيرا،قالت لي..استدارت نازلة ..
وفي أرضها راحت تجري هي الأخرى مبتعدة..
في نفس اللحظة شاهدت القطة تجري خلفها من جديد..ورأيتني أعدو غاضبا نحوها اللعينة..
***
نبهني الكتاب: رمل كثيف يأتي من جهة الجنوب طائرا..جراد يتقدم من جهة الغروب زاحفا ،تارة ،وقافزا وهادَه ونجاده،تارة أخرى، احذر صديقي، احذر..ولم يستعمل حتى واو العطف عليَّ.
أينها كلمة مطر فيك أيها الكتاب؟..هاتني بها..
تركني الكتاب وراح يبحث فيه عنها..سمعته ينادي سائلا: أينك ياكلمة مطر؟..ولم أسمع صوت ردها عليه..
***
انقسمت كلمة أسعار فصارت: أس..عار..
كلمة دينار تذيَّل دالها فأصبحت: ذي..نار..
راحت النار تحرقني.. ولم يرسل الكتاب مطره..لم يجده بعد..ربما هو في كتاب آخر..وربما الكتاب ذاك ليس هنا..بل هنالك.. أو..هناك..
***
لم أعد إليَ إلا حين رأيت كلمة حياة تُثائب فيَ أشعتها البهيات..
وسمعتها بجانبي تقول: صباح الخيرات والمسرات..صباح القبلات الشهيات..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق