2021/03/26

قبل فوات الأوان


1 ـ
لم ينتبه سائق المركبة ذات العجلات الثلاث، الى حركة المتظاهرين فوق جسر الأحرار، وهو يراقب بشغف أحد أفراد القوات الأمنية في الجهة المقابلة. تقدم بمركبته النارية نحو أحد الحواجز، وراح يلتقط الصور من مكانه منذهلاً من غرابة سلوك ذلك الجندي، فقد أصبح بطرفة عين عند حافة الجسر تماما. وهو يحاول أن يتجرد عن سلاحه وبعض معداته.
نظر الى أسفل الجسر، فشاهد جريان ماء النهر يتدفق بسرعة. بينما على الأرض، بمستوى النظر، كان كل شيء يسير ببطء. بالرغم من تصاعد فورة الاحتجاجات في أسبوعها الثاني.
على مسافة منه، حلقت مجموعة من النوارس البيضاء، وراحتْ تحوم حوله. بقصد او بدونه، جازف بعضها بالهبوط أسفل الجسر. فصار الماء لونه أبيض ونبتت على أمواجه أجنحة. عند مواجهة النّهر، لم يكن هناك بدّ من الكلام. حين لم يعثر على ما يقوله. صمتَ، ولم يفكر أو يشعر بشيء. كلمة او كلمتان لا تعنيان له شيئاً، قبل أن يترك نفسه ليسقط. لكنه في النهاية، زفر كلماته بشكل عفوي، فخرجت متشظية وساخنة تشبه قنبلة مولوتوف يحملها متظاهر.
2 ـ
صعد العسكري الجسر. سار بخطوات جادة نحو المنتصف حيث اعلى نقاطه الارتكازية.. واجهه تيار من الهواء المشبع بالدخان. اصطدم بأول حاجز كونكريتي واجتازه. تلاحقت خطواته، مواصلاً السير إلى أمام. عند الحاجز الأخير، توقف هنيهة . نظر الى الخلف، صار على مسافة بدت بعيدة وأكثر هلامية من كابينة المقر. تخلّى عن كل ما يحمل من معدات وقنابر الدخان، وأخفاها تحت الرصيف..
في الجهة المقابلة، في نفس الوقت، انتفضت المركبة النارية الرابضة قرب جبل أُحُد وأفرغت حمولتها من عدة الإسعافات، كمامات، قناني البيبسي، وعلب المياه المعدنية.
عندما ألقى الجندي نظرة سريعة الى هناك، اصطدمت نظراته بسائق المركبة الذي ظلّ واقفاً، وقد توتر شعر رأسه مثل اسد يستعد للوثوب.
أبصر العسكري من مكانه "أُحُد" شامخاً، تتراقص الأضواء من حوله.سمع هتافات الشباب وتراتيلهم، تشبه أنشودة عفوية تنبعث من الساحة ونفق التحرير.
3 ـ
خرج من غرفة السيطرة، تقدم خطوات نحو حافة رصيف الجسر، خطرت على باله صور لشجاعة المتظاهرين، من أصدقاءه الذين عرفهم من الصولة الاولى على المطعم التركي.. تذكّر افراد عائلته. تمنى لو أنه فقد الذاكرة قبل أن يستلم أمر الحركات الجديد، في غرفة العمليات. لكنه لم يعبأ لمثل هذا الأمر..كان وقتها يضع سماعة البلوتوث بأذنه، يستمع للهواجس التي تصدر من نفق التحرير. كان "الرجل" مستعداً لأن يلقي بنفسه في النّهر.
4 ـ
تأمل العسكري الخريطة المعلقة على جدار غرفة العمليات، داخل الكابينة. لفت انتباهه مجموعة الأسهم الموجهة نحو جبل "أُحُد" والأماكن المحيطة. تخيّل المعركة التاريخية قبل أكثر من ألف عام. ثمة من يقول بأن التاريخ يعيد نفسه، لكنه يدرك بان الصورة لم تكن كما هي، طالما ان الشخصيات تتغير والأماكن تتبدل. توقع أن المعركة القادمة ستكون غير متكافئة ولم تكتمل النصاب. لذلك عليه أن يتخذ قراره بحزم، ويسجل موقفاً يذكره التاريخ. فان "كراجة" من غزّة حرق نفسه محتجاً على الحكومة. وبسبب الفقر وسوء الأوضاع في تونس، أضرم الشاب "الحبلاني" النار بنفسه احتجاجا على الحكومة ايضا. شعر بأن الاحتجاجات تتوهج وتستعر في ضميره ، لهيبها "المتشظي" لا ينفك يزحف قريباً من بنايات المصارف والبنوك، عبر النّهر. عند ذاك تأكد بأن قافلة أبو سفيان ما زالت في خطر.
5 ـ
صوّر بجهازه الموبايل ، مشاهداته من الخريطة، وسجلها على قصاصة صغيرة مع هوامش التداعيات التي فرضت عليه.. لكنه قبل أن يخرج. شعر بما يشبه الصداع في رأسه.. وان الرطوبة قد اخذت تشتد داخل كابينة العمليات، فخرجت الأوامر مبللة..ودفعته التيارات العشوائية لتجرفه بعيدًا. شعر بانفصال شبه تام عن مركز القيادة.. واحتفظ برأسه هادئاً فوق كتفيه، فقط اكتفى بتحريك أطرافه، وخرج.
6 ـ
في الخارج كان الفضاء واسعاً، احتلّ سائق المركبة مكاناً مناسباً فيه. رآه ينظر في القصاصة الورقية، التي سجل عليها ملاحظاته الأخيرة.. ثم اجتاز الحاجز الأول، الثاني، الثالث، الرابع، وتوقف عند الحاجز الأخير.
7 ـ
في الحاجز الكونكريتي الخامس، لم يعر اهتمامًا للسلاح وباقي المعدات التي تركها تحت الرصيف. هي بمثابة هبة للمتظاهرين، وعليهم استخدامها في الوقت المناسب.. غمرت الرطوبة جسمه وملابسه.. غطى المنطقة ضباب كثيف.. ارتفعت معه حركة الأمواج بغضب غير مسبوق.. اهتاجت طيور النوارس وازدادت حركتها وهي تخرج نقيقاً حادا وترمي نفسها في الماء.. بعودة النوارس ، صار المشهد أكثر بياضاً، امتزج بياضه مع الأمواج المتلاطمة.. فزعت النوارس واضطربت حركتها ، فقد رأت نورسا كبيرا يلقي بنفسه ويغوص في عمق النّهر .. سمع من خلال الموج هسهسةً تضرب أوردة أذنيه:
"سقط العسكري، غرق العسكري"
عندما انتبه، وجد نفسه مسجىً على رصيف الجسر. بعيدا عن القوات الامنية وغرفة الحركات. ومن ملابسه يتقاطر نقيع الماء.لم يكن بقربه في تلك اللحظة، غير مركبة توكتوك ، وسائقها الشاب المسعف ذو الوجه المألوف، الذي تزينه ابتسامة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق