
لا يثير العاصفة إلاّ الكلمات الّتي لا صوت لها.
نيتشة
: هكذا تكلّم زرادشت
حدّثني صاحبي فقال :
" مسحت
عقيلة العرق المتصبّب من جبينها وقلبها يكاد ينخلع من مكانه. كان التوتّر باديا
على محيّاها فسعت إلى استعادة رباطة جأشها. وأخيرا وبعد لأي شديد تنفّست الصّعداء
حين عالجت باب مكتب زوجها سلطان بقليل من الزّيت وكثير من الصّبر والأناة في مشهد
هتشكوكي تجف لها القلوب فألجمت صريره المزعج الّذي كان يحول بينها والتّسلل هناك
لقراءة آخر نصوصه خفية.
شدّها الفضول إلى متابعة ما يكتب على طريقة النّقل
الفوري.
فقد كتب :
-
"كان عبد الله السعيد يوزّع البسمات على الحجيج وهو يملأ
الماء من زمزم ويحمله عنهم... كان فارع الطّول أسمر اللّون ذي بأس، مفتول العضلات،
تخاله من ثمود. دوما كنت تراه والنّساء. عيناه لا تكادان ترتفعان من على الأرض
استحياء، وإن زيّنت له نفسه شيئا، فما استطاع لما يصبو إليه سبيلا حتى وإن اجترأ
على الحلم.
من الآغاوات هو خصيّ يستأمنه الرّجال على حرماتهم.
كان ينتظر الهزيع الأخير من اللّيل ليرتمي على فراشه وقد
نال منه النّصب مأخذا لينطلق في سبات عميق"
أشكل على فهم الفضوليّة معنى الآغاوات فأزمعت البحث عنه
في الشّبكة العنكبوتية، حين قطع حبل تفكيرها صياح زوجها "أنا... الآن...
هنا"
وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عذبة وأحاط جيدها بسوار
ثمين وطبع على جبينها قبلة أحدثت فيها مفعول الخمرة. ثمّ وبكلّ لطف طلب منها
الاستعداد لتهيئة المنزل لقبول ضيوف مهمّين لديه.
حاولت التملّص خصوصا وأنّه لم يمرّ وقت طويل على رجوعها
من الوظيف. فغمز بعينه وأردف "لا تعوزك الحيلة" ثمّ تركها وانصرف ليستمع
إلى أغنية سيرة الحبّ لكوكب الشّرق وقد رفّع من الصّوت بمقدار ما يجعلها تسمع بعض
المقاطع المقصودة.
وفي الغد اغتنمت عقيلة فرصة مكوثها بالبيت وحيدة وتسلّلت
إلى هناك بعد أن أولجت المفتاح في الكوّة وكأنّها أوّل مرّة تدخله فانتابها إحساس
غريب وشرعت تقرأ :
"ذات يوم وبينما كان عبد الله منهمكا في شغله غير
آبه بمن حوله مشغولا بنفسه محاورا إياها إذ نادته امرأة وسط الزّحام فما سمع،
حينها كررت بصوت مرتفع فبدا لها كأنه لا يلبّي، فما كان منها إلاّ أن أسرعت إليه
وأمسكت بتلابيب طمره وصاحت : "حينما يكلّمك أسيادك لا تتجاهل" وصفعته
على وجهه. فأسرّ في نفسه : "أمّا وقد فاض الكأس، لا كنت إن رضيت الدّنيّة في
رجولتي" وكال لها الصاع صاعين...
حين أتمّت عقليّة القراءة أغلقت الباب وخرجت لتواصل
انهماكها في ترتيب المنزل من أثر ليلة البارحة المعهود.
وعند حلول الظّلام ولما عاد زوجها من العمل واجتماعاته
وجدها مازالت منشغلة بتوظيب البيت وغسل ثيابها وكيّها... فأمدّها بمعلوم قيافتها
وطلب منها بكياسته المعهودة التزيّن له...
ابتسم ومرّر يده على خدّها ولم يفته أن يشغل المكيّف
وأردف "غدا نتناول العشاء في مطعمك المفضّل".
حاولت عقيلة ثنيه عن نيل مأربه لكنّه لم يبال بما قدّمت
من أعذار.
كان جسدها يستصرخ الرّاحة. ولأوّل مرّة تجرّأت على
مفاتحته في أمر التخلّي عن وظيفتها وهي الإطار لمؤسّسة اقتصاديّة فما كان ردّه
إلاّ "أو تخسرين المظاهر الاجتماعيّة؟".
وحدّق في عينيها وحين رأى ما لا يسرّه أطنب في تحديد
الموانع وتعداد الصّعوبات حتّى إذا أيقن من أنّ ما يجول بخاطرها يلاقي هوى في نفسه
علّق بقول فاه به "أنت حرّة ولك الخيار".
باتت المسكينة ليلتها كالعروس بين أحضان الفحل وديعة،
مدلّلة بعد أن استرضاها في المساء بلوحة جميلة تعكس غروب الشّمس في بحر أزرق
لازوردي ساكن خال من الحركة إلاّ من سفن وقد طُويت أشرعتها.
وفي الصّباح أفاقت عقيلة وقد أحسّت وكأنّ شيئا قد سُرِق
منها. قبّلها زوجها وقبل انصرافه إلى العمل أوصاها :
"حبيبتي دميتي أنا من دونك لا أساوي شيئا أرجوك لا
تنسي أن تتعطّري بالعطر الذي أهديتكيه وخذي زينتك لتصحبيني إلى نادي الكلمة الحرّة
لتقديم مداخلة حول الحداثة وجماليّة التّواصل".
وبعد أن تمّ له ذلك عاد في المساء وعلى استحياء وبأدب
جمّ طلب منها أن تكتب له خطابا سيلقيه على أعضاء من الجالية في بلاد الغربة.
معلّلا ذلك بتعبه الشّديد ورغبته الملحّة في الخلود إلى
النّوم فانبرت مجيبة :
-
والذّهاب إلى المطعم ؟
-
نرجؤه إلى
فرصة أخرى سانحة.
أزمعت عقيلة الخضوع لمشيئته ومن الغد انصرفت إلى وظيفتها
ولكأنّها ولسبب قويّ شدّها إلى البيت قرّرت العودة باكرا لتتجسّس على ما كتب سلطان
:" وفي الحال أحاط بالعبد رجال أشدّاء وانهالوا عليه ضربا مبرّحا ثمّ أخذوه
إلى السّجن و واصلوا قمعه بعد أن نعتوه بأبشع الأوصاف قذارة وذلك بشبهة تجرّئه على
زوجة الأمير وكأنّ بمعرة الرّجال كما كانوا يسمّونه لم يطق ما لحق به من مهانة
وقهر ظلّ يهلوس أيّاما بلياليها ويرفض ما
يقدّم إليه من طعام حتّى مرض و مازال كذلك حتى تعكّرت حالته إلى أن سقطت كلّ
دفاعاته فجُنّ جرّاء زوجة رجل مهمّ".
فلاحظ صاحبي "بل قل لعلّ الجنون أعتى دفاعاته
والحصن الأخير هو ما جعله صامدا..."
ولأوّل مرّة علّقتُ "ألهذا الحدّ يصل الاستخفاف
بآدمية الإنسان واسترقاقه ثمّ يتمّ لفظه وإبعاده كبعير معبد ؟
وفي لحظة خطر ببالها أن تقيم مقارنة بين ما تعيشه من رغد
وما يعيشه السّعيد من ضنك ثمّ سرعان ما استدركت شتّان بين الثّرى والثريّا ولا
تدري كيف خطرت ببالها أسطورة الكهف لأفلاطون؟
انشغلت بتوجيه الخادمات وكأنّها مدبّرة منزل لا تجد
للرّاحة سبيلا، حين أتاها زوجها وقد تورّمت رجله من آثار دمّل تقيّح وهو يلوّح لها
بتذكرة سفر إلى البينين جمهوريّة الموز وهو يغنّي "هات أيديك ترتاح للمستهم إيديّ..."
منحنيا في مشهد تمثيلي بديع مقبّلا يدها ومناولا إيّاه الهديّة ولم يخطر بباله أنّ
تاريخ السّفر موافق لحفل زواج ابنة أخيها وحين علّقت اكتفى بالإشارة وباقتضاب شديد
أنّ التزامات شغله لا تسمح بتغيير الموعد وقد سعى إلى أن يبدو بمظهر الخلوق.
فغادرت عقيلة إلى مخدعها وحضنت الوسادة ونامت على شاكلة
الجنين في بطن أمّه و لأوّل مرّة أصرّت على أن لا تعاشره فما كان منه إلاّ أن دلف
إلى مكتبه مغتاظا. و مع أوّل تباشير الفجر أفاقت بعد أن قضت ليلة شديدة الوطء
اختلطت الأحاسيس ومارت الأفكار فيها واضطرمت.
جالت ببصرها في أرجاء الحجرة لتجد زوجها ممدّدا على
أريكة باروكية يغطّ في نوم عميق وعلى صدره كتاب كفاحي فتلصّصت إلى مكتبه الأرجواني
وعلى مقعده الوثير شرعت تقرأ ما دوّن في الحاسوب.
"لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه".
ولكي لا يخسر سيّده جليل خدمات أوعز إلى طبيب نفساني
معالجته فطفق يحادثه تارة و يستدرجه أخرى. وكلّ ذلك في إطار مداراة تحوم حول القول
وزخرفه والرّمز ومعناه وقد شكّل خطابا ضديدا لما ألفه العبد، إلى أن عاد إليه رشده
حين تمثل طاعة أولي الأمر.." عندها ذهلت عقيلة ولم تطق مواصلة القراءة و فغر
فوها ثم صاحت : "أنا لا أصدق؟ أهكذا أنت يا سلطان؟ تنتهج نفس الخطاب الجنائني
تارة والمغلّف بالوعود أخرى قصد السّيطرة وإحكام قبضتك بقفازات ناعمة.. خطاب تجلّت
فيه مكبوتاتك وسددت فيه منافذ الحرّيّة بوهم الحرّيّة.."
ويستطرد صديقي ثم اقتطعت جذاذة من الورق وخطّت عليها
كلمات وفتحت رتاج البيت وغادرت المكان وسط عاصفة رمليّة أثارت الغبار ولوّنت البحر
بحمرة لم تعتدها فرّقت سفنه الرّابضة فاستبشرت خيرا والتفتت إليه وأسرّت وقد وجّهت
سبّابتها إليه "سأغادر هنا...ك"
وانطلقت في حوار داخلي : "لن يفلح فكر تربي كما
يعيش نبات العلّيق والدايتوم في المياه الآسنة طالما سيظلّ الآغوات يعشّشون
فيه".
وعند الضّحى نهض سلطان ليقرأ القصاصة وهو لا يكاد يصدّق
ما رأى وقد فرك عينيه "لقد فهمت قصدك أرجوك كما سلبت لي حريتي بكل يسر فردّها
بكلّ لطف وإلى اللّقاء في المحكمة. دميتك وقرّة عينك. ولا أخالك قد نسيت عنواني :
شارع فوكو مدخل مسكوت" (بتفخم الكاف).
ثمّ توجّه لي محدّثي بالقول مبتسما :
" على سلطان أن لا يتناول المضادّات الحيويّة حتّى
يبرأ من قيحه وإن أراد الشّفاء حقّا فعليه بالبحث عن علة القيح ومعالجتها"
وغيّر من ملامحه وأتمّ "هل فهمت قصدي؟"
فأجبت :
-
تلك مسألة
أخرى يطول شرحها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق