
بـقــي التّــاريــخ مهـيـمـنـا على الرّوايـة العـربيّـة مـنـذ نـشـأتـهـا
إلـى الـيـوم ولـكن التـلازم بيـن الخـطـاب التـاريـخـي والـرّوائـي يـتشـكّـل
علـى طـرائـق مـخـتـلـفـة. وكـان حـسـب البـاحـث محـمـد القـاضـي " مـجـالا
خـصيـبـا للتـجـريـب ومـدخـلا من أهـم المـداخـل التـي تـوسّـل بـهـا الجـنـس
الـرّوائـي لإثـبـات مـرونـتـه وقـدرتـه الـفـائـقـة علـى المـجاوزة
والتـجـديـد"(2). وتـعـدّ روايــة " هـروب معـلـن " لعـامـر بـشّـة
مـن الـرّوايـات التـي يتـمـازج فـيـهـا الـسّـرد التّــاريـخـي مـع السّـرد التّـخـيـيـلـي
خـاصّـة مـن حـيـث بعـض الأحـداث والقـائمـيـن بـهـا إذ تتضمـّـن أخـبـارا
واقـعيّـة عن يـومي 14 و 15 جـانـفـي 2011 ومـا سـبـق هـذا التـاريــخ. ومـع
تـداخـل الفــن الـرّوائــي مـع التّــاريـخ انـفـتـحـت الـرّوايـة عـلـى أشـكـال
مـن الكـتـابـة الـشعـريّــة وطـرائـق مـن الـسّـرد السـيـنـمائـي ولـذلـك يمـكـن
أن نـدرس فـي هـذه المقـاربـة الـتـخـيـيـلـي والـتـّــاريـخـي في الأحـداث والشـّخـصيّـات
وعـلاقـة الـسّـرد الـرّوائي بالكـتـابـة الشعـريّـة والتـقـنـيّـات
السـينـمـائـيّــة.
1- التّــاريـخ والتـخـيـيـل فـي الأحـداث :
إنّ التـّـاريـخ في أوضـح معـانـيـه هـو
ســرد لأخـبـار سيـاسيّــة ولـوقـائـع من حـيـاة النـّـاس فـي تـتـابعـهـا
الـزّمـنـي بالمـحـافـظـة عـلـى مـبــدأ مشـاكـلـتـهــا للبـعـد المـرجـعـي.
ولـكـن عـنـدمـا تـتـحـوّل أحـداث مـن التـاريـخ إلـى الـرّوايـة وتـتـواشج
الصّـلـة بـيـن الخـطـاب التـّــاريـخي والـرّوائـي تـكـون المـسـألـة المـطـروحـة
هــي الـبـحـث فـي كـيـفـيّــة تـقـاطـع الـبعـديـن وانصـهـارهـمـا فـي بـنـيـة
نـصيّـة تـنـهـض أسـاسـا عـلـى الإنـشـاء اللّـغـوي والفـنـّـي والجـمـالـي.
بـدأ الـكـاتـب
تـحـديـد الإطــار المـكـانـي المـرجـعـي الـذي تـدور فيـه الأحـداث عـلـى غـلاف
الـرّوايـة الـخـارجـي بـرسـم رجـل هـارب مـن وراء القـضـبـان وفـي رأسـه صورة
لعـلـم تـونـس وهـي عـلامـة غـيـر لـغـويّـة مـعـاضـدة للـنـصّ المـكـتـوب
ومشـاركـة لـه فـي تـحـديـد إطـار الأحـداث. ودون تـلـك الصّـورة يـبـقـى الـقـارئ
أكـثـر مـن خمـسيـن صفحـة لـيعـرف أنّ الـبـلاد التـونسيّـة هـي ركـح الأحـداث
" كـان "ل" ضـمـن مجـمـوعـة من طـلاّب وطالـبات عـلى متـن حافـلة
فـي رحلـة إلـى الشّـمال التّونـسي"(ص53) .فالـرّوائـيّــون عـلى وعـي
بـتـداخـل الفـنـون فـي الـرّوايـة الجديدة لـذلـك صـار استـخـدام الصّـورة
الفـنـيّـة والتـشـكـيـلـيّـة مـن بـيـن التـّـقنـيّـات المستعـمـلـة فـي
الكتـابـة الـرّوائيّـة للجـمـع بيـن التـخـييـل اللّـغـوي والتـخيـيـل
التـّـشكـيـلي.
وأمّـا المـكـان الـذي انطـلـقـت منـه
أحـداث الـرّوايـة فـهـو أحـد السّـجون بالبـلاد التـونسيّـة وفيـه يـطـلـب (آمـر)
الـسّـجــن مـن جـمـيـع السّـجـنـاء الهـروب : " هـيّـا اهــربـــوا ...
مـاذا تـنـتـظـرون ؟ هـا هـو البـاب الكـبـيـر مـفـتـوح وقـد خـرج الـبعض مـنـكم
الآن بـكـلّ حـريّـة... ألـم تـشـاهـدوا ! ؟ " (ص30).وبمـا أنّ أوامـر
السـّـجّــان غـيـر مـنـتـظـرة ولـم يـكـن أحـد من السّـجـنـاء يتـخـيّـل
انـفـتـاح أبـواب الـحـريّـة أمـامـه بـأمـر سهـل وبـسـيـط ومفـاجـئ. وبمـا أنّ
تـلـك الأوامـر لا يمـكـن أن تقـبـل إلاّ فـي الخـيـال فـإنّـهـا زجـّـت
بالمـساجـيـن فـي وضع مـن الاستـغـراب وحـالـة من التّـسـاؤل والحـيـرة
والانـدهـاش "
نـزل الأمـر مـربـكا.. ومـزعـجـا.. رغـم كـونـه داعـيـا إلـى الفـرح... فـي
نـزولـه المـفـاجـئ "(ص9) وحـالة الاستـغــراب والـذهـول التـي انتـابـت
السّـجـنـاء بعـد إطـلاقـهـم مـن وراء الأسـوار العـالـيـة والأبـواب المـوصـدة
بقـيـت تـتـكـرّر مـن بـدايـة الـرّوايـة إلـى نـهـايـتـهـا. وشـكّـل ذلـك الهـروب
المعـلـن والـمـفـاجـئ اللـغـز الـغـامـض الـذي لـم يـدرك السّـجـنـاء لـه
تـفـسـيـرا. فـمـمّـا ورد : " فالجـمـيـع فـي حـالـة دهـش – كـانـوا – وفـي
ذهـول "(ص12) وتحـوّل هـذا الحـدث لـدى الشخـصـيّـة المركزيّـة (ل) مـوضـوع
تـأمّـل وتـفكـيـر رغـبـة فـي معـرفـة أسـبـابـه. وأثـنـاء هـروبـه فـي الطـريـق
بقـي يـستـحـضـر تـلـك الحـادثـة ويعـيـد طـرح الأسـئـلـة مـن جـديـد : "
وتـسـاءلـت بعـد عـدم تـمكّـني مـن معـرفة مـا يحـتـمـل أن يكـون قـد حـدث :
مـابـه (الآمـر) ؟ كـأنّ (ل) لم يصدّق ما سمعه منـه في البـداية. "لم أصدّق
وخامرني
شـكّ. فهـل فـقـد (الآمر)
عـقـله؟" (ص 29).
ومـمـّـا قـالـه فـي البـحـث عـن
تـبـريـرات للحـدث : " فهـل اكـتـشـف قنـبـلـة... فـي مـبـنـى السّـجـن وهـي
علـى وشـك أن تنفـجـر فخـشـي عليـنا من المـوت ؟" (ص31). فالحـدث واحـد ولكـن
كـثـرت التّـسـاؤلات والتـفـسيــرات والتّـبـريـرات وبـقـيـت شـخـصيّـة (ل) بـيـن
التـصـديـق والتـكـذيـب وبـيـن إثـبـات الـرأي ونـفـيـه وفـي حـالـة تـأكـيــد
الفـكـرة ونـقـيـضـهـا. إنّــه التـّـيـه بين الاحتـمـالات المـمكـنـة وغـيـر
المـمكنـة وإنّـهـا لعـبـة القـصّ والـسّـرد الـذي ينـسـج خـيـوط التـوتـّـر
والتـأزّم بنـسـق بـطـيء وتـدرج يمعـن فـي التـوسّـع والتـمـدّد لإربـاك
الشخـصيّـات ومـحـاصـرة المتـلقّـي بفـيض من الغـمـوض والاستـفـهـامات. وما ضاعـف
حـيـرة (ل) أنّ حـرّاس السّـجن كلّـهـم تـخـلّـوا عـن الحـراسـة وأبـقـوا السّـجن
مفـتـوحـا أمـام الهـاربـين فـامتـزج الواقـع بالخـيـال والحـلـم وتـحـوّل
النّـظـام إلـى فـوضـى فـي زمـن أشـبـه بالعـالـم السّـريـالـي. ومـمّـا قــال (ل)
: " ولكـن أيـن الحـرّاس ؟ أيـن هـم ؟ تـسـاءلـت رافـعـا بصـري نحـو قـمـم
الأســوار لأبـحـث عنـهـم فـي نـقـط الحـراسـة. لا وجـود لهــم. ونـحـو الأسـفـل
أين يتـمّ توزيعـهـم عــادة. عـجبـا ! كـلّ أمـاكـنـهـم خـالـيــة. " (ص32).
ومـازاد فـي تــأزّم هـذه الشخـصيّـة
وتـعـمـيـق الغـمـوض والحـيـرة لـديـه أنـّـه سـمـع فـي لحـظـة الهـروب كـلام (
آمــر) السّــجــن " يضـيـف بـخـفـوت مـسموع... هـو هـرب إلـى الخـارج ...
ونحـن نـهـرب إلـى الـدّاخـل... مـاذا ؟ مـاذا أسـمــع ؟ - تـسـاءلت – يسمـع
خـبـرا غـامضـا... يـزداد بـه الوضـع غـمـوضـا" (ص45). وأفـضـى ذلـك في الجزء
الثـّـانـي من الرواية إلى التـفـكـيـر فـي أسـبـاب إطـلاق السّـجـنـاء وإلـى
التّـسـاؤل عن الشخصيّة الهـاربـة إلـى خـارج الـوطـن " ولـكـن مـن هـو الـذي
هـرب قـبـلـنـا ؟ مـن هـو؟ - تسـاءلـت فـي
انـطـلاقي- وأعــدّت التـّـساؤل بعـد ثـوان : من يـكـون ؟ هـل هـو شخص مسـؤول
تسبّـب في حـدوث كـارثة داخل البـلاد ثـمّ تحـصّـن بالفـرار خـارجـهـا؟" (ص
89) وتـؤدّي هـذه التـساؤلات وظيفتـيـن : الأولـى تواصـل حالـة التـأزّم لـدى
شخصـيّـة (ل) وهـو مـا يمـحّـضه للـبقـاء في موقـع الشخصـيّـة المحـوريّـة لأنـّـه
يتـّـسم بالمـواجهـة وبالقـلـق والتـأزّم. والوظيفـة الثـانيـة الإيـحـاء للقـارئ
بـإمكـانيـة القـرب من استكـشـاف الحـقـيـقـة. ولـمـواصلـة التـقـدّم فـي بلورة
هـذه الفـكـرة فـي المسـار الـسّـردي يقــول (ل) " ستكشـف لـنـا السّـاعـات
القـادمــة ... مـا حـدث
"(ص93) ولكـن نـسق
السّـرد الـذي تصـاعـد نحـو الكـشـف عـن الحـقـيـقـة تـراجـع إلـى الوراء لتـوصيـف
هـول الحـادثـة التـي واجهـهـا السّـجنـاء إثـر هـروبـهـم ولتـقـديـم مشـهـد مـوح
بالخـطـر والـرّعـب والهـول ولـبـيـان فـضـاعـة مـا حـدث يـوم 15 جـانـفي 2011.
يـقـول (ل) : " ومـا أن ابتـعـدت قـلـيـلا عـن واجـهـة السّـجـن حـتّــى دوّى
انفـجـار عـنـيـف فاسـتـدرت مـرتـعـبـا وقـد مـادت الأرض تحـت قــدمـيّ
فـتـرنّـحـت. تـرنّـحـت وكــدت أسـقـط ... وانـتـبـهـت فـإذا هـو قـد حـدث داخـل
السّـجن وإذا بـدخـان يتصـاعـد كـثـيفــا " (ص97).
وإنّ ارتــداد (ل) إلى استحـضـار هـذه
الحـادثــة يـفـضـى بـه إلـى مـواجـهـة احـتـمـالـيـن ممكـنـيـن لـتـهـريـب (
آمــر) السّــجـن للسجـنــاء. الأوّل على صلـة بحـدث عـــام في البــلاد والثـاني
هـو نـتـاج حــدث خـاص بالـسّـجـن وهـذا مـا يتـجـلّـى فـي قـولـه : "
تـسـاءلـت " هـل انفـجـرت القـنـبـلـة التـي من المحـتـمـل أن يكـون (الآمــر)
قـد هـربـنـا بسبـبـهـا ؟ " (ص98) ومـا أدّى إلـى جـهـل السّـجـنـاء لمـا
يحـدث بالبـلاد هــو عـزلـهــم عـن أجـهــزة الإعــلام إذ يـقـول (ل) في جـزء
الـرّوايـة الثـالـث والأخـيـر " قـبـل أسـبـوع مـن يـوم هـروبـنـا .. أغـلـق
(الآمـر) كـلّ أجـهـزة التـّـلـفـاز فـي عـنـابـر المـسـاجـيـن فانـقـطـع
اتـّصـالنـا بالعـالم الخـارجـي (ص127).
إنّ الأحــداث مـنـذ بـدايــة الـرّوايــة
إلـى الجــزء الثـالـث مـنـهـا قـريـبـة مـن الـواقـع تـروم مـحـاكـاتـه
ولـكـنّـهـا أقـرب إلـى التـخـيـيـل وإلـى الفـن الـروائـي الـذي منـح الكـاتـب أو
الـرّاوي أشـكـالا مـخـتـلـفـة لابـتـداع الأحــداث والأقــوال والشـخـصيّـات
وطـرائـق التعـبـيـر عـن التـأزم والخـوف الـذين لازمـا الـروايـة بـأكمـلـهـا
وهـيـمـنـا عـلى شخـصـيّـة (ل) بصور شـتـّـى ورام الـرّاوي مـن وراء ذلــك تـجلـيـة
أحاسـيـس القـلـق والتـشـنّـج التـي تحـكّـمـت فـي نـفـس الـسّـجـيـن الهـارب (ل).
ولـكـن فـي نـهـايـة الـرّوايـة صـار الاقـتـراب مـن الـواقـع المـرجـعـي
والـتـاريـخ الحـقـيـقـي مكـشـوفـا ولا أحـد يـشكّـك فـي الأحـداث المنـدرجـة في
سيـاق التـاريـخ والمـذكـورة بـكـلّ دقّــة إذ ورد "وقـبـل ثـلاثـة أسـابـيـع
تـقـريـبـا وتحـديـدا فـي يـوم 17 ديسمـبـر 2010 أحرق شـابّ تـونـسـيّ نفـسـه
احتـجـاجـا على الأوضـاع الاجتمـاعيّـة السيّـئـة وعـلـى الـظّـلـم. هـو الشـابّ
محمـّـد البـوعـزيـزي" (ص128) وتحـوّل الإخـبـار عن البوعـزيزي في الرّوايـة
من مقـام التخييـــل إلى مقـام التـّـاريخ وتسجيل أحداث من الواقع المرجعـي وورد
كـذلك : " أصيـب محمّـد البوعـزيـزي بحـروق بليـغـة وكـنّـا نتـابع حـالـتـه
الصّـعـبـة في نشـرات الأخبـار إلى أن غـادر الحـيـاة " (ص 128-129).
ولـم تـدرك الـرّوايـة وضع الانفـراج
وانكـشـاف الحقيقـة إلاّ بقـدوم صاحب الكوخ الذي احتمـى به (ل) مسـاء 15جـانفي
ويقـول : " لقـد فـجّـر الشعـب ثـورة. فـجّـرها الشعـــب التّـونسي.. وانتــصر
فيهـا أمـــس 14 جانفـــي 2011. اندلعــت الثــورة وهـرب الرئيس" (صص 155–156).
والمفارقة القائمة في السياق التاريخي في الرّواية الإخبار عن شخصيّـة البوعزيزي
وعن وفاته بشيء من التـوسّع لأنّ الشخصيّة اكتسبت مقـامـا لا يُمـحـى في تـاريـخ
تونس المعاصر بينما يذكر الـرّاوي الرئيس مكتـفيـا بهـذه الصّـفـة وبحـدث هـروبه
دون التّـصريح باسـمه وفي ذلك ما يوحي بموقف التحـقيـر والتـقـلـيـل من الشـأن
وهـو مـا يؤدّي إلى إلغـاء حـيـاد الـرّاوي الـذي بـدا عليمـا بالأحداث والتّـفـاصيل
في الواقع المرجعي وساهم مساهمة قويّـة في تمسّـك هـذه الـرّواية بالواقعيّـة
الاجتماعية ومن سماتهــا النـّوعيّـة "الحرص على التّـوثيــق والتّـسجيل باسم
الواقعيّة مـرّة وباسم الإيــهـام مــرّة أخـرى" (3).
وكـان من الممكن أن تكون نهاية الرّواية
هـي المنطلق والبداية لأنّ هـروب السّـجناء تـمّ زمنيّـا بعـد هـروب الـرّئيس
التونسي من البـلاد. ولكـن الـرّاوي أبقى الإخـبـار عـن هـروبه في النهاية لأنّ
هـذا الحـدث لم يكن منتـظـرا في الواقع المرجعي ومن الصّـعب التفكير فيه أو حتّـى
تخيّـله كما جعلـه الـرّاوي حـدثا مجهـولا لـدى السّـجنـاء ولـغـزا محـيّـرا وعـقـدة
فـي بنيـة السـّـرد التـّـخـيـيلـي في الـرّوايـة. والحـدث نفسـه شـكّـل في
النّـهـايـة انكـشاف الحقيقة وانحـدار الأحـداث من التـأزّم إلى الانفـراج
واليقـين والاطمئنان. ويفـضـي ذلك إلى تضخّـم حدث هروب الـرّئيس. فهو الأقوى
والأبـرز أمام هـروب السّـجنـاء لأنّـه يشكـّـل انعـطافة كـبيـرة في تاريخ تونس
المعاصر. والـرّواية بـأكملهـا مكتـوبة لتخليد هـذا الحدث حتـّـى وإن تحكّـم هروب
السّـجناء ظاهـريّـا في المسـار السّـردي وفي بنيـة الأحـداث.
2 – التـّـاريخ
والتـخييل في الشـخصيّـات :
إنّ شخصيّـات هـذه الـرّواية تتكـلّـم
بـأنفسـها وتعرّف بـأحوالها وبـأحلامها وبـآلامها بشكـل مباشـر واضح فاضح أو
بطريقة غير مباشرة عندمـا يتدخّـل الـرّاوي الخارجي الذي يتابعها وينقل حركـاتها
وخطاباتها وأخبارها بين حضور يجلي معرفته الدقيقة بها واختفـاء يلغي استبـداده
بوظيفة الـرّواية. وممّـا ورد في كلام شخصيّـة "كـادح" السّـجين :
" بــدأت ممارسة نـشاطـي في
الـسـرّ فكان عقابي
السّـجن والتعـذيب بتهمة تحريض الفقراء والكـادحين على التمـرّد " (ص 62)
وما يوحى به خطاب
"كادح" أن له انتماء اشتراكيا في رؤيته للعلاقة بين الطبقات الاجتماعية.
وعن سبب اعتقال شخصية "مؤمن" يقول الـرّاوي : " كان قد اعتقل وهو
في طريقه إلى المسجد لأداء صـلاة الصبح " (ص 139) ويـدرك القارئ من دلالة
الاسم "مؤمن" أنه سجين إسلامي ولكن السجون جمعت الإسلامييـن واليـساريين
والنـقابييـن والمثـقـفين المعارضين للسلطة القـائمـة.
ويـفـضـي التـقـدّم في المتن الرّوائي
إلى التعـرّف تدريجيّـا على أسبـاب اعتقـال الشخصيّـات التي شكّـلت موضوعا مهمّـا
في الـرّواية فيقـول " صحفـي" : "ذات يوم كتبت مقالا نقدت فيه
سياسـة البـلاد وكان رئيسي مسافرا لأمر طارئ ... فنشرته ولكن حجزت أعداد الجريدة
عند التوزيـع وتم اعتـقالـي" (ص76). وتعـدّ مسـألة تقـيـيد الحريات في
الصّحـافة والمسرح والثـقـافـة عمـومـا من المسـائـل المـركـزيّـة التـي أثـارهـا
الـرّاوي والشخصيّـات لنقـل المنـاخ السيـاسي في البـلاد وعلاقـة المـثـقّـفيـن
بالسـلطة وفي هـذه المسـألـة يقـول الـرّاوي عن شخصيـة " مسـرحي " :"
انفـلت مـرّة مـن قـيـد النص بعـدم ذكـاء في مسرحيّـة نقـديّـة فتـمّ إخـراجـه من
مسـرح الحـيـاة وإلحـاقـه بمسـرح السّـجـن" (ص35). وأمّـا شخصيّة (ل) فهـي
الشخصيّة الـرّئيسّـية فـي الرّواية وهو مثـقّـف معارض مارس الرّسم والفن التشكيلي
ويقـول : " مـلأت فضاء اللوحـة بلاءات ترفض الأوضاع السّائدة في البلاد
بـأبعـاد وألوان رامزة " (ص122) وكتـب الشعـر وبسبب قصيـدة نـاقـدة لأوضاع
البلاد السيـاسيّـة تـمّ سجنه يقـول : " وقبل منتصف الليل من نفس اليوم
توقّـفت سيّـارة أمنيّـة ترافقـها شاحنة أمام منزل والـدي. اقتـحـــم أعـــوان
المنـزل وأخرجـوني " (ص125). وإنّ أهمّ ما تـتـّـسم به شخصيّـة (ل) أنها تؤدي
وظيفة مزدوجة في الـرّواية. فهي تتحرّك في المكان هاربة من السّـجن وتبحث عن ملاذ
للاختفاء فيه والاحتـمـاء به. وفي الوقـت ذاته تـستـرجع ماضيها وتسـتـدعـي ماضي
الشخصيّـات التي التـقـت بها في السّـجن والمواقـف الـدرامـاتيكيّـة التي عاشـوها
كـقـولـه " البقـاء يومـا مرعبـا في غرفـة التـعذيـب أو أيّـاما كئيبة في
الحبـس الانفـرادي هو عقاب من يتـوانـى في الامتـثـال لـلأوامر وعقـاب من يرفض
تنفيذهـا" (ص41) وانحصرت وظيفة تقـديـم الشخصيّـات حول نشاطها الثـقافــي أو
السـيـاسي وأسـبـاب اعتقـالـهـا دون التـوسّـع فـي تـقـديـم سمـاتـهـا الخـارجـيـة
ومـلامحـهـا الجـسـديـة وهـيـئـاتـهـا ومـلابـسـهـا ولـم يصف الـرّاوي من أجسـاد
المسـاجين إلاّ ما يكشف عن معانـاتهـم وسـوء أحوالـهـم كقـول (ل) : " تـراخـت
عضـلات أرجلنـا في حصار السّـجن. تـراخـت وفـتـرت وأصـابهـا التقـلّـص فلم نعـد
نقـدر على التحـرّك السّـريع بصورة طبيعيّـة " (ص91).
وفي مقـابـل صور
العـذاب والمعانـاة والحصـار في السّـجن نقـل (ل) مقـاطع من أحلامـه وأحـلام
المساجيـن المتّـفقـين الـذين كانوا يـأملون في العيـش في وطنهم بكلّ اختـلافاتهم
ورؤاهـم الفكـريّـة وتطلّـعاتهم السيـاسيـّة. فمـمّـا قال في السّـجن "حلمي
يـا أصدقائـي هو قيام ثورة. ثورة تنـدلع في وطننـا فـتغيّـر مجرى التّـاريخ العربي
" (ص136) وانـدفـع في كثير من المقـاطع نحو الحوار الباطني فكشف عمّـا يشغله
وباح برغباتـه الغائـرة في صدره : " وقلت محدّثـا نفسي على لسان كافّـة
السّـجناء : ما يهمّـنا الآن هو أنّـنا ننطلق خارج الأسوار العاليـة لنعانق الحياة.
ولـنستـنـشق نـسائم الحريّـة " (ص89-90) فيتـداخل الماضي والحاضر والظاهر
والباطن ويفضي ذلك إلى النـأي عن الإخبـار التـاريخي والارتقـاء بالخطاب إلى شعرية
التـأثير الـرّوائـي.
ولـم يبـق من زمـن الماضي إلاّ أصـداء
الآلام التي تستعيـدهـا الشّـخصيّـات والهـواجـس والأحلام التي تبـوح بها حسب
مقتضيـات التخيـيل والفـنّ الـرّوائي. وأدّى كشف الشّـخصيّـات عن ذواتهـا
والتّـصريح بمـاضيها إلى التضخّـم والاتّـساع وقـوّة التّـأثيـر في المـتلقّـي
الـذي يشـاركها في محاكمة نظـام ما قـبل 14 جـانفـي 2011 وإدانـتـه على إشـاعـة
الاستـبـداد والـظّـلم واغتـيـال حـرّية الكـلمة والتّـعبـيـر بكـلّ أنواعـه
وكـذلـك في الاعتـراف بنـضـالات المثـقّـفـيـن والسّـياسـيّـين المعـارضين الـذين
واجهـوا بطـش النّـظـام وعـسفـه وتحـمّـلوا عـذابات السـّـجون وهـم يحـلمـون
بالحـريّـة وبالـثّـورة. غيـر أنّ ما نخلـص إليـه في مقـاربـة الشخـصيّـات
المـحـوريّـة هو انتـمـاؤهـا إلى البـعـد الثـقـافـي سـواء كان مسـرحـا أو شـعـرا
أو فنّـا تشـكـيـليّـا أو صحـافـة وهـذا ما يـؤكّـد على اهتـمـام الـرّوايـة
العـربيّــة بشخـصيّـة المثـقّـف وتـأثـيـراته الاجتـمـاعيّـة والسيـاسيّـة.
" ولم يعـد الـرّوائـي يـتّـخـذ مـن المـثـقـّـف مجـرّد بـطـل كـسـائـر
الأبـطـال بـل أصبـح فـي حـالات كثـيـرة يعـتـبـره قـضيّـة هـامّـة من قـضـايا
المجـتـمع قـد تـطـرح أحـيانـا أزمـة المـثـقـّف نـفـسـه" (4).
وكـان من المـمكـن للسّـارد أو الكـاتـب
أن ينـطلـق مـن شخـصيّـات سيـاسيّـة وثـقافـيّـة معـروفـة في الـواقـع المـرجـعـي
لتـصويـر نضـالهـا ومعـانـاتهـا فـي السّـجـون ولكـنّـه بهـذه التـقـنـيـة يـبـقـى
في قـبضـة التـّـسـجيـل التـاريخي والسـّـرد التـوثيقـي وفـي إطـار الأحـداث التـي
تمـّـت في الـواقـع بكـلّ دقّـة. ولـذلـك استـنـبـط شخصيّـات لا تاريخيّـة وأسنـد
لهـا أعمـالا حـدثـت في الـواقـع التّـونـسي وزجّ بها في سيـاق الأحـداث الكـبـرى
التـي عـصفـت بالبـلاد وأدّت إلى ذروة التـعفّـن السيـاسي والاجتـماعي والثـقافـي
قبـل 14 جـانفي 2011 وأحكـم العـلاقة بين
التـاريخـي والجـمـالـي
فمـنـح نفـسه حـريّـة التّـعبـيـر والتشكـيـل الـرّوائـي من حيـث المـراوحـة بين
المـاضي والحـاضر واتّـبـاع تقـنـيـة التـذكّــر والحـوار البـاطـنـي وتصـريح
الـشّـخصيّـات بـأخـبـارهـا بمنأى عن حضـور الـرّاوي الخـارجـي للتـأثـيـر في
المـتـلـقّـي وإيـهـامـه بـواقعـيّـة الشّـخصيّـات المتـخـيّـلـة.
3- الـسّــرد الـرّوائـي والكـتـابـة الشعـريّــة :
إنّ تمـسّـك الكـاتـب
عـامر بـشّـة بالـرّوايـة الواقـعـيّـة لم يمـنـعه فـي " هـروب معـلـن "
مـن الانـفـتــاح على خصـائـص الكـتـابة الشعـريّـة في تشكـيل روائـيّـتـها ويعـدّ
الإيقـاع أبـرز سمـة هيمـنـت على مـتـن الـرّوايـة. ولم يعـد مفـهـوم الإيـقـاع
لـدى النـّـقــاد مقـتـصـرا على البعـد السّـمعـي وإنّـما يشمـل كـذلـك مـا يدرك
بالعـيـن ووظّـف الكـاتـب الإيقـاعـيـن السّـمعـي والبـصـري فـي العـديـد من
المقـاطـع السـرديّـة. والـظّـاهـرة الإيقـاعـيّـة المهـيمـنة في الـرّوايـة ما
يمكـن إدراجـه ضمن بلاغـة التـّـكرار. ومن أشكـال التّـكرار إعـادة الكلمـة
نفـسهـا للتّـأكيـد على معـنـى من المعـاني كمـعـنـى الحـريّـة " وهـو حــرّ.
وأنـا حـرّ وأتحـرّك في مكـان رحـيـب " )ص 28 (و التـأكـيـد على معـنـى الحـلم "أنت تحـلـم يـا
صديقـنـا (ل) تحلـم وأنت تحـدّثنـا عن قيـام الثّـورة" (ص136) وقـد يكـون
التـّـكرار ببعض المكـوّنـات النّـحـويّـة لتـصوير وضع عـاشـتـه البـلاد "
فـلقـد تـركنـاه (الوطـن) لمجـموعـة من المفـسديـن.. إلى أن احـتــدّ فسـادهـم
إلـى أن احتـدّ فسـادهـم في الأرض " )ص20( وممـّـا قـال "صحفـي"
عن نشاطـه المهـنـي "جعـلـنـي مشـرفـا علـى صفحـات النـّـقـد الأدبـي ثـمّ
على صفحـات الثّـقـافـة ثـمّ على صفحـات الإبـداع الأدبـي. ثـمّ على صفحـات
الـرّياضـة" (ص76). ويـقـول (ل) :
" فـي كلـمـاتـي
شـيء من الشـعـر.
شـيء من الشـعـر في
كـلمـاتـي " (ص 88) .
ومـن ضـروب التـكـرار
تـوليـد ألفـاظ ومشـتـقّــات من جـذر لـغــوي وصوتـي واحـد " هـو يعـشـق
الحـريّــة ويتـوق إلى وجـودهـا وارفـة في وطـنـه. أعـشـقـهـا وعـشـقـي لهـا عشـق
كـبـيـر" )ص 24( ويقـول الـرّاوي كـذلـك "
تـفـشّـت الانحـرافات فـي البـلاد وانـتـشـرت عـدواهـا كانـتـشـار الـوبـاء "
)ص 102(. ومن الـتـّـكرار افتـتـاح
الـرّواية بهـذه العـبـارة "اهـربـوا اهـربـوا" وقـد تـردّدت في الصّفـحـات
(29-30-75) بما يـشبـه الـلازمة في الشعـر العـربي الحـديث لأنّ الـرّوايـة تنهـض
على حـدث هـروب السّـجنـاء. وشكّـل الأمـر بالهــروب كـابـوسـا محـيّــرا لم تنبـجـس
أسـبـابـه إلاّ فـي الـنّـهـايــة.
ويتـواشـج فـي الـرّوايـة الإيـقـاع
الصّـوتـي بـالإيـقـاع البصـري وذلـك بتـوزيـع الكـلام على بيـاض الورقـة فـي
شـكـل أسـطـر قصـيـرة تنـتـظـم بـطريقـه أفـقـيّـة مثـلـمـا تـقـتـضي كـتـابـة
قصـيـدة الشـعـر الحــرّ أو قصيـدة النّـثـر فـقـد ورد ص 10 :
" أرقــــت
ثــمّ هـــدأت
ونــمـــت
ورحـت في حلـم ".
فـالـرّاوي يـتـتـبّـع
فـي كـلّ سـطـر مختـلـف الأحـوال التـي مـرّ بهـا مؤكّـدا علـى التـدرّج من وضـع
إلـى آخـر. وفي الحـديـث عـن غـرفـة التـعـذيـب في السـجـن يـقـول الـرّاوي : "
من يمـكـث يـومـا وليـلة داخلـهـا ينخـفـض
وزن جـسـمه
ويجـفّ جلـده
ويضعـف بصـره
وتـخـتـلّ دقّــات
قـلـبــه
وتـضـطـرب أنفـاسه
" ( ص42).
ويـبـدو
أنّ تـوزيـع الكـلام في شكـل أسطـر أفـقـيّـة قـصيـرة مـلائـم لتـصـويـر تمـدّد
معـانـاة السّـجيـن واتّـساعـهـا. ولـذلـك فـإنّ استـعـارة الـرّاوي لشكـل
الكـتـابـة الشعـريّـة ليس أسلوبـا شكـليّـا وجمـاليّـا فحـسـب وإنّـما هـو نـاطق
بوظيـفة دلاليّـة وبمقـاصـد الـرّاوي الـذي يـوجّـه المـروي له إلى معـنـى يفـكّـر
فيـه انطـلاقا من التـوزيـع الطّـبـاعـي المتـوخّـــى في الكتـابـة فيـصبح هـذا
الإيقـاع البصري شكلا مــن أشكـل سلـطـة الـرّاوي على المـروي له.
ومـن
مـظـاهـر حـضـور الشـعـري فـي الـرّوايـة
الـمراوحـة فـي السّـرد والإخـبـار بيـن الـرّاوي الخـارجي وشخصـيّـة (ل)
ومـا نتـج عن ذلـك من حضـور البـعد الغـنائـي بتـواتـر ضمـيـر المتـكـلّـم أنـا في
المتـن الـرّوائـي. يقـول الـرّاوي : " واشتـاق إلى حبيـبـتـه واشـتـقـت إلى
حـبيـبـتـي " (ص81). ويقـول : " نـظـرت فـي وجـهـها ونـظـرت هـي في وجـهـه
وشـفـتــاه تـقـتـــرب من شفـتـيـهـا في لحــظـة حـالـمـة. هـمـمـــت بـتـقـبــيـلـها
" (ص132). ولم تكـن الـرّوايـة الكـلاسيـكيّـة تجـنح نحـو الغـنائـيّـة لأنّ
أداء السـّـرد مـوكـول للـرّاوي الخـارجـي دون مشـاركة الشخـصيّـات لـه في هـذه
الوظيـفـة. وإنّ كتّـاب الـرّوايـة الـواقعـيّـة في العـقــود الأخـيـرة أصبحـوا
عـلى وعي واضح بـأن لا مستـقـبل للـرّوايـة الكـلاسيـكيّـة إلاّ بالانخـراط في
حـركـيّـة التـحـديـث واستـعـارة أشكـال الكـتـابة الشعـريّـة وغيـرهـا من
الفـنــون وأنمـاط الأجـنـاس الأدبيّـة الأخـرى. ولكـن حـضور الشعـري في الـرّواية
قـد يـؤدّي إلى تضخـّـم الخـطاب فيـها عـلى حـسـاب الخـبـر. وتـداخـل الأخـبـار مع
التـهـويـمات الشعـريّـة إضافـة إلى "هيمـنـة الوظيـفـة الـتعـبيـريّـة
الجمـاليّـة على الوظيـفـة الإحاليّـة المـرجعـيّـة" (5) لـذلك فإنّ نـزوع
الـرّواية الواقعـيّـة إلى تحـديث متـنـهـا السّـردي بما هـو شعـري وجمـالـي
وانـزيـاحهـا عـن ثـوابتـهـا وقـواعـدهـا التـقـليـديّـة قـد يعـبّـر عن مـرونـة
هـذا الجـنـس الأدبـي ولـكن قـد يـؤدّي إلى اختـلال التـّـوازن بيـن خصـائص هـذا
الجـنـس النـوعـيّـة وخصـائـص الأجـنـاس الأدبيّـة الأخــرى إن تـوسّـــع حضـورها
بمقـاديـــر كبيــــرة.
4- الـسّـرد
الـرّوائـي والتـقـنـيّــات السيـنـمـائـيّــة :
حـقّـقــت بـلاغـة التـعـبـيـر
السيـنـمـائـي وخصـائصـهـا وتـقـنـيـاتـهـا تـأثـيـرا واضـحــا فـي عــدد كـبـيـر
من المـتـون الـرّوائيـة العـربيّـة ولـكـن هـذا التـأثـيـر تـمّ بـدرجـات
متـفــاوتـة لأنّــه محـكـوم بمـدى اسـتيـعــاب الـرّوائـيـيـن للفـن
السـيـنـمـائـي وقــدراتـهـم على تـطـويعـه لمـا تقـتـضيـه بـلاغـة النّـص
الـرّوائـي المكـتـوب. وتحـضـر طائـفـة من التـقـنـيّـات السيـنـمـائـيّـة في
" هـروب معـلـن " ويمـكـن الاهـتـمـام بـثـلاث تـقـنـيـات تعــدّ واضحـة
وهـي المـونـتـاج المـتـنـاوب والتـألـيـف بـيـن مستـويـات مختـلفـة من التـعـبيـر
والصّـور المـركّـبـة.
1- المـونتـاج المتـنـاوب (Montage
alterné) : هـو التـقـنـيـة
الأبـرز في الـروايـة ويـتـجـلّـى مـن خـلال التـقـابـل بيـن منـظوريـن سـردييـن :
واحـد خـاص بالـرّاوي الـذي يستـعمل ضمير هو والآخـر على صلة بالشخصـيّـات التي
تشارك في الأحـداث وفي الكلام بضمير المتكلّـم. ومن الأمثـلـة التي تمّ فيها
استخـدام هـذه التقـنية :
" سحـره صوتـها.
سحرني وشعرت به كأنه صوت الحريّة ينادينـي وشكرا قال لها وهو يجلـس وقـد أنعشه
شـذا عطرهـا. كان عطرا راقيا أنعشني وبعث في روحي محبّـة متجـدّدة " (ص 63-64)
وورد في مقطع آخر "أنا حرّ وأتحرّك في مكان رحيب لكنّني لا أدري ماهي وجهتي
من هذا المكان. ثمّ حوّل عـدوه الخفيض سيرا فبدأ يتنفّـس براحة ويخطو بهدوء "
(ص 28). ويؤدّي التّـناوب بين الرّاوي والشخصيّة إلى تكسير خطيّة السّرد الأفقـي
ويفضي إلى تعـدّد الأصوات إذ يتوارى الرّاوي في مقاطع كثيرة ويمنح الشخصيّات
التعبير عن مواقفها وأحلامها وآلامها. وبما أنّ السّـرد الأفقي من خصائص الرّواية
الكلاسيكيّـة فإنّ الكاتب عامر بشّـة كثّـف في تقنيـة التذكّـر واسترجاع الماضي
لأنّـها تتلاءم مع رغبـته في تكسير الـزّمن الخطّـي وتـدفع بالمتـن الرّوائي نحو
التجـريب والتحـديث. يقول (ل) عن علاقته بحبيبته "حورية" :
"أتـذكّـر أجمل لقاء عاطفي معها.. كان في منتزه فسيح قرب شاطئ البحر وفي ظـلّ
شجرة توت وارفة ومتـدلّـية الأغضان أخذنـا نقطف حبّـات التوت ونتـناولها واقفين
" (ص131) ويمكن القول بأن الومضة الورائيــة من أهم التقـنيات التي تنهض عليهـــا
رواية " هروب معلن " وهي موظّـفة في الغالب لخلق شحنات دراميّـة وإثارة
بعض الانطباعات والانفعالات لدى المتلقي كالتعاطف مع المساجين والشعور بمعاناتهم
وتقوية إحساسهم بحقّ الإنسان في التعبير وفي النشاط السياسي.
2- التـألـيـف بيـن مستـويات مختلـفـة من التـّـعـبـيـر : وهـذه المستـويات هي حسب الباحث فانوي فرانسوا Vanoye François " الصّوت والكلام والحركة
" (6). فمن أقوال الـرّاوي : " وشاهـدت منـهـم من يقـع عـلـى الأرض
متـأوّهـا فيحـاول أن ينهض بسرعـة " (ص 90) فالـرّاوي جمع حركة الوقـوع على
الأرض مع صوت التـأوه ويعقب ذلك مباشـرة محاولة النّـهوض بسرعة. ويمكن لهـذا
المشهـد المكتوب أن يتجـسّـد سينـمـائيّـا مادامت التقنـيـة السيـنمـائيّـة تقـوم
على التـأليـف بين الحـركات والأصـوات وممّـا ورد كـذلـك : " سقـط شاب. سقـط
فجـأة ونطق دون حراك وهو ينـظـر إلى السـّـماء : آه . آه . تعـبـت " (ص91) ومـمّـا
قـال الـرّاوي : " لقـد تـركـنـاه منبـطـحـا هنـاك وهـو يتـأوّه ويستـغيـث
" (ص92) ويـقـول كـذلـك : " ومـا إن ابتعـدت قليـلا عن واجهـة السجن
حـتّـى دوّى صوت انفــجار " (ص97) ويبـدو من خلال هـذه النـمـاذج التـأليف
بيـن الحـركـات والأصـوات والكـلام وهي آلية حـاضرة في هـذه الـرّواية ولكـن ليـس
بكثـافـة وبدرجة عـالية لأنّ الـرّواية ليست منجـزة للسيـنـما ولأنّ الكـاتب
يشتغـل بهـذه التقـنـيـة السينمـائـيـّـة في مـسـار التـجـريب والانفـتـاح على
الفـنـون. دون إمـعـان ومبـالـغــة.
3 – الصـّــور
المـركّـبـة : يجمـع الكـاتـب في
العـديد من المقـاطـع السـرديّـة صـورا ومشـاهـد تنتـمـي إلى حقـول دلاليـّـة
مختـلفـة ومتـبـاعـدة ومن نماذج هـذه التقـنـيـة " كـان (ل) ضمـن مجمـوعة من
طـلاب وطالبات على متن حـافـلـة فـي رحـلـة إلى الشمـال التـونسـي. وكـان اليـوم
رائـقـا مـن بـدايـة فـصـل الـرّبيـع، هـي جـالسـة بمحـاذاة النـافـذة، نافـذة
مقـعـدهـا المشـرفـة علـى جهـة الـغـرب. وهـو واقـف قـرب مـؤخـرة الحـافـلـة
" (ص53) فـالرّاوي يستـخـدم تقـنـيـة المـونتـاج بالتـحـوّل من وصـف
الـطـلاّب إلـى وصـف اليـوم الـرّبيـعي الجميـل ثـمّ الانتـقـال إلـى وصـف مكـان
الفـتـاة ووصـف مـكـان شخصيّـة (ل) وتـوخّـى الـرّاوي هــذه التـقـنـيـة في مقـاطـع
كثـيـرة من الـرّوايـة ومنهــا قـولـه : " كــــلاب
تـنـبـح ... صـحــا
منـزعـجـا وطلقــات نـاريّــة أخـرى قـويّـة جعـلـتـه ينـتـفـض ويـجـلـس فـي
ارتـبـاك ".(ص152). فـالـرّاوي يجـمـع فـي مشـهـد واحـد وقصـيـر بـيـن
مكـوّنـات مختـلـفـة ويـنـتـقـل من بعـد صوتـي ( نـبـاح الكـلاب ) إلـى حـركـة
استيـقـاظ الشخصيـة ثـمّ يتـحـوّل إلى بـعـد صـوتـي آخــر ( الـطـلقـات النـاريـة)
وتـأثـــيـرهـا النـفـسـي والجـسـدي في الـشخـصـيـّـة ( الانتـفـاض والارتـبـاك)
وهــذا الـسّـرد الـرّوائــي شـبـيـه بالـسّـرد السيـنمـائـي الـذي يسـتخـدم
تقـنـيـة التـّـركيـب بيـن الصّـور المختـلفـة والأبعـاد المتـبـاينـة والعـنـاصر
المتـداخلـــة.
على سبـيـل الخـاتـمـــــة :
الـرّوايــة جـنـس أدبـي متـقـيّـد
بمقـتـضـيـات التـشـكـيـل الـرّوائــي فـي مستـوى بـنـاء الأحــداث وبلـورة
التـأزم والانفـراج وكـثــرة الشخـصيّــات ولكـنـهـا ما انـفـكّـت فـي العـقـود الأخيــرة
تـنـفـتـح عـلى الكـتـابـة الشـعـريـة والتـقـنـيـات السيـنـمـائـيّــة
وغـيــرهــا من الفـنـون وقـد أثـّـر ذلـك تــأثـيرا واضحـا فـي روائيّـة
الـرّوايـة ويـبـدو أنّ الكـاتـب عـامـر بـشّــة فـي روايـة "هـروب معـلـن
" جـنـح نحـو التـحـرّر مـن صـرامـة الكـتابـة الـواقـعيّـة الكـلاسيـكـيّـة
وركـب مـوجـة التـجـريـب والـتّـحـديـث فـي سيـاق ما تـشـهـده الـرّوايـة مـن
تـغـيـيـرات فـنّـيـة سـواء كـان ذلـك فـي البـعـد العـالمـي أو العـربـي أو
الـتـونـسي. وإنّ الـكـتـابـة الشـعـريـة والـتـّـقـنيـات السيـنمـائيّـة الـتـي
اسـتخـدمـهـا الكـاتـب قــد وسّـعـت آفـاق التـخـيـيـل فـي الـرّوايـة وكـثّـفـت
البـعـد الجـمـالـي دون أن يفـقـد البـعـد التـّـاريخـي والمـرجـعـي حضـوره
وقــوّة تـأثـيـره فـي المـتـقـلّـي.
الإحـــــــــــالات:
1- عـامـر بـشّــة.
هـروب معـلـن. مطبعـة سوجيـك. صفـاقـس. 2013. الإحـالات على الصفحـات الموجـودة في
هـذا المـقـال تـتـّـصـل بهـذه الـرّوايــة.
2- د.محمّـد القـاضي.
الـرّواية والتـاريخ.دار المعرفة للنـّشـر. تونس. 2007. صص 20.19
3- د.شكـري عزيـز
المـاضي.أنماط الرّواية العربيّـة الجـديـدة. مجـلّـة عالم المعـرفـة. ع.355/2008.
ص 9.
4- محمـد رجـب
البـاردي. شـخـص المـثـقـّـف فـي الـرّوايـة العـربيـة المعـاصـرة. الـدّار
التـونسيـة للنـشـر. تـونـس 1993. ص 13.
5- أحمـد النـّـاوي
البـدري. الـروايـة والشـّـعـر. مـجلّـة قـصص. ع. 141. جـويلـيـة/ سبتـمـبـر 2007. ص 81.
6- Vanoye François : cinéma et récit. récit écrit -
récit filmique, Nathan. 1989. P40.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق