2019/10/04

أسئلة الكتابة الخمسة في كتاب "الأقحوان لا يستحم وحيدا " للشاعر الغربي المسلّمي - أ. جميل فتحي الهمّامي


تثير الكتابة الشعرية في المدوّنة الأدبية العربية الكثير من النقاش والكثير من الأسئلة حول الخلفيات الأدبية التي توجهها أو تخلص إليها، لتبلور في النهاية  في خمسة أسئلة محورية هي : ماذا نكتب ؟ لماذا نكتب ؟ لمن نكتب ؟ متى نكتب ؟ كيف نكتب ؟
هذه الأسئلة يمكن أن تتناسل إلى ما لانهاية، ولكنها تؤدي إلى خلاصة واحدة هي أننا أمام معطى شعري لا بدّ أن يؤسس لنفسه ميسما خاصا ينسجم مع الحقل التداولي الذي يتحرك فيه حاضرا ومستقبلا.
إنّ الشاعر الغربي المسلمي ( أبو شادي) قد استطاع من خلال مجموعته الشعرية الأقحوان لا يستحمّ وحيدا ان يجعل من المادّة الشعرية في هذه المجموعة رؤيا و الرؤيا بطبيعة حالها هي قفزة خارج المفهومات السائدة بعيدة عن المعاني الملقاة على الطريق كما وصفها أبو عثمان الجاحظ. ولو قمنا بإخضاع هذه المجموعة لبارومتر أدبي يقوم على الأسئلة الخمسة آنفة الذكر نرقب  أن الملاحظة الأولى التي يمكن أن تواجهك وأنت تستطلع أحوال هذه الكتابة الشعرية القديمة-الجديدة هو إحساسك العميق بالاختلاف، وقدرة لغة الشاعر على تسويق اختلافها وتبريره بشكل مختلف هو الآخر. وبالنسبة للمقاربة الشعرية في توسّل إجابات لهذا الأسئلة الخمسة، يحملنا الشاعر في هذه المجموعة إلى عالمه الخالص الذي وسمه بأقحوان لا يستحمّ وحيدا. فالعنوان مستفزّ وقد تجاوز عتبة النص على حدّ تعبير رولان بارط.
1 ماذا نكتب :
تعلمنا في مطالعاتنا التنظيرية للشعر العربي الحديث سواء القصيدة العمودية او قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، أن الشعراء والنقاد بدرجة ثانية كانوا يبحثون عن تبريرات فكرية مرتبطة بالوعي الشعري وتفسيرات منهجية مرتبطة بالنقد الأدبي لتسويغ المتغيرات الشكلية والنوعية وحتى المفاهيمية التي طرأت على القصيدة. ومن هذا المنطلق، يكتب الشاعر الغربي المسلمي بين لغة الشعر وشعر اللغة بعيدا عن أي تقييم للحداثة الشعرية، إذ يمكن القول بأنها أدخلت القصيدة العمودية خصوصا إلى حقل تداولي جديد أكثر انفتاحا على العالم وأكثر ابتعادا عن التراث لكن دون ان ينفصل عن الايديولوجيا، بمعنى اوضح يبتعد عن دكتاتورية الشعر ويقترب من شموليته.
 والمتمعّن في مسار الكتابة الشعرية اليوم، يلحظ أن الكتابة قد توغلت في هذا الأفق. إنّ نزوح شاعرنا نحو الشعر العمودي خاصّة مع أنّ له تجارب في قصيدة النثر لم يغفل كون قصيدة النثر تكرس وتعمم بالمشرق والمغرب معا، لكنها تطرح هنا وهناك من منظور أيديولوجي. ويقع الكلام عنها من وجهة نظر سجالية متحمسة. والحال أن التسمية في حد ذاتها، قائمة على مفارقة مذهلة. من هذا الجانب أجازف بالقول بأن الغربي المسلمي في هذه المجموعة قد ركب موجة جديدة للحداثة، على اعتبار أن الحداثيين حطموا نموذجا شعريا ظل قائما لمدة طويلة، وقدموا في نفس الوقت نموذجهم الآخر انطلاقا من مستجدات ومستحدثات العصر وخاصة السياسية منها.
2 لماذا نكتب :
إنّ مبرر العديد من الشعراء في فعل الكتابة هو انّهم يكتبون دون شروط كتابية شعرية مضبوطة ودون وعي نقدي قائم على دراسات مسبقة، فهذا مردّه إلى بداية تشكل التجربة وحاجتها إلى تراكم زمني من أجل الاستواء ثمّ النضج. وهذا ما رسّخته فلسفة الحداثة الشعرية في الثقافة العربية، حيث سوّقت لمفهوم الاستنساخ عن الحداثة الغربية التي أنبنت على فكرة التخطي والتجاوز وحتمية التطور والسبق. فلقد تشكل خطاب الحداثة الشعرية في الثقافة العربية مأخوذا بضرورة الانقطاع عن القديم العربي والتغاير معه دون أن يتمثل ما طال ذلك القديم من تشويه وتدجين واحتواء قام به المنظرون العرب القدامى أنفسهم لحظة قراءتهم للنصوص الإبداعية. وعلى الرغم من بروز أصوات شعرية متعددة تصرح بعدم حاجتها إلى نموذج شعري ثابت ومضبوط ومحدد مادامت هذه الكتابة مفتوحة على مصراعيها في الفضاء الكوني للشعر وبعيدا عن المحدّدات الزمكانية، ذهب شاعرنا أبعد من هذا حينما اعتبر أن الكتابة والقراءة هي الجامع الوحيد الذي يربط بين الشعراء الذين لا يمكنهم التمدّد شعريا دون التعرّض إلى النقد الأدبي أو التنظير المفاهيمي، هم يكتبون ويقرأون، وهذا في عرف الشاعر يكفى. فهو يكتب لأنّه لابدّ له أن يكتب.
3 لمن نكتب :
إنّ الغربي المسلمي قد أضحى نبيّا في مجموعته الأقحوان لا يستحمّ وحيدا، وان كان الأنبياء يحظون بالوحي من السماء فإنّ الشعراء يرتقون بوحي الأرض فهم انبياء الأرض بلا منازع. فالشاعر يكتب لكل من يجب ان يُكتب له... وتأسيسا على كلّ المتغيرات التي طرأت على المفاهيم الثقافية والأدبية للشعر، واعتمادا على القراءة المتواترة للنتاجات الإبداعية الشعرية، واستئناسا بالكثير من الآراء والانطباعات التي يمكن أن تكون صالحة في مجال التأصيل فعل الكتابة الشعرية، أمكن لشاعرنا ان يكتب للزمان وللمكان وللإنسان، أن يكتب للوعي وللاوعي، أن يكتب للكتابة نفسها على نحو ما وضعه مانويل كانط في جدلية الفنّ للفنّ. فهو يكتب لكلّ شيء، و يكتب للاشيء، وكثيرا ما تتحول هذه الرؤيا عنده، الى موقف يلح في نبرة طافحة بالنوح عل الذات والندب على الثقافة العربية، على تراجع الشعر وتلاشيه وتوغله عميقا في عتمة الأفول. وهنا استحضر قول أدونيس في بيان الحداثة  " ليست الحداثة وحدها غير موجودة في الحياة العربية، وانما الشعر نفسه هو كذلك غير موجود. وهذا ما يذهب اليه الخطاب النقدي أيضا. يقول خليل النعيمي مثلا، في نبرة طافحة بالتشفي، ". فشاعرنا كما صنع الفن الشعري في مجموعته حين كنا بحاجة اليه، يرجع في ذات المجموعة إلى تشييعه، فيتركنا في منزلة بين المنزلتين : موت و حياة...
4 متى نكتب :
هنا لابدّ من التساؤل حول : هل يمكن لفعل الكتابة الشعرية أن يكون تامّا دون الخضوع لأي وازع أدبي مرتبط بالمفهوم العام للقصيد ؟ في معرض اجابتنا على هذا التساؤل الذي يأتي بطعم الشكّ وفق الكوجيتو الديكارتي ناهيك عن التصنيف الموضوعي للقصيدة العربية، سواء القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة او قصيدة النثر، يمكن اعتباره محددا أوليا في تناول أي مادة إبداعية تحت مسمى شعر وقصائد ومجاميع شعرية. فشاعرنا يكتب عندما يناديه فعل الكتابة، يكتب عندما تراوده فكرة الاستغناء عن الفكرة، يكتب عندما تثيره الطبيعة الجيولوجية والإنسانية...
فشاعرنا يكتب في اللحظة التي يتخلّص فيها من كلّ التبعات المادّية والمعنوية، وخاصّة الهيكلية داخل جسد القصيدة. ولا نفل هنا بانّ الغربي المسلمي شاعر يكتب الموزون بامتياز، فالرجل متمّكن من الوزن، ولكنّ الوزن هنا يأتي ليضطلع بمهمتين في غاية الخطورة-ولو كان التعبير قاسيا شيئا ما-. تتمثل الأولى في كونه ينهض بدور تمييزي. أي إنّه بمعنى آخر عبارة عن عتبة واقعة في المابين، عتبة تقي النوعين من التلاشي. فالوزن يقي الشعر من التلاشي في النثر. وبذلك تصبح الشعرية في مجموعة الأقحوان لا يستحمّ وحيدا صفة حاضنة لهوية الشعر. والوزن أمارة مانعة لنوعه. انه الخيط الدقيق الواهي الذي يحفظ النوع ويقيه من التيه والتلاشي في غيره. وتضطلع المهمة الثانية في كون الوزن يضطلع بدور تعميم الايقاع ودفعه نحو الذرى التي تميز الشعر عن سواه.
فالوزن عبارة عن أرضية وعلى أديمها تنغرس بقية المكونات الايقاعية. ومن تضافر الوزن مع بقية المكونات يتولد الايقاع باعتباره لحظة واقعة في تلك المكونات والوزن، مفارقة لها في الآن نفسه. ذلك أن الايقاع ليس مجموع مكوناته بل هو محصل تفاعلها.
والمقصود بالوزن هنا ليس البحور الخليلية وان كانت هذه مغالطة تمتلك بيننا حضورا فاعلا. ان المقصود بالوزن عند القدامى يمكن أن يتجلى في شكل تفعيلات او مقاطع أو نبر. المهم أن الوزن مكون ايقاعي يرد بمثابة أرضية على أديمها تنغرس بقية المكونات الايقاعية سواء كانت صوتية أو دلالية أو صوتية دلالية فيجريها ويديرها وفق نسق، بموجبه يضمن الكلام حدا من التناغم الداخلي لا يمكن أن يطاله أن هو عدم تلك الأرضية. ومن هنا نخلص إلى أن صاحب الأقحوان في هذه المجموعة يكتب للكتابة في لحظة الكتابة باعتبارها مشروعا أدبيا إبداعيا قائم الذات، لها حدود وشروط ومقاييس ومواصفات، وفي نفس الوقت تعتمد على وعي إبداعي ونقدي متكامل، سواء كانت مجرد كتابة إبداعية دون أي موجه معرفي مضبوط او بموجّه معرفي مضبوط.
5 كيف نكتب :
قد يبدو للوهلة الأولى انّ هذا السؤال يمسّ البعد المنهجي والتقني والجمالي والفنّي للقصيدة... لكنّ هذا السؤال في مجموعة الأقحوان لا يستحمّ وحيدا أعمق من هذا بكثير، فهو سؤال اعتبار المجهودات التأصيلية والتأسيسية لفعل الكتابة الشعرية التي قام بها الغربي المسلمي في معالجته لقصيدة التفعيلة خاصّة، كما انّه قارب المنهج الثلاثي للشعر ونعني : المبنى والمغنى والمعنى، بأن جعله فرعا أصيلا من أصول الشعر في مجموعته، موجها لنا في كتاباته كمصباح ديوجين لايرز نستهدي به، ونستأنس بتوجيهات قصائده المعرفية والإبداعية... من هنا ندرك أن الحديث عن الشعر أنما يشير صراحة –حسب شاعرنا-الى أن النص المعاش يحيا بيننا غريبا. أننا نوهم بأننا نقرأه فيما نحن نستبيحه بواسطة مناهج ونظريات نجريها عليه عنوة وقهرا واغتصابا. لذلك يظل هذا النص يبادلنا مكرا بمكر. ولذلك أيضا سيظل هذا النص يصرخ في ليل وجودنا منتظرا أن نقترب منه ونستكشفه. اننا نوهم بأننا نقترب منه فيما نحن نمعن في الابتعاد عنه معلنين، في نوع من التشفي، تراجعه وانكفاءه وتلاشيه لغة و باللغة.
فاللغة الموظفة في المجموعة الشعرية الأقحوان لا يستحم وحيدا للشاعر الغربي المسلمي مبنية على المتصورات الأصلية في الحياة، كما أنّها مبنية على تصورات اللاوجود واللاأصل...
إنّ فضاء القصيدة عند شاعرنا أصبح مفتوحا وفسيحا، تماما كما هو المجال التداولي الذي تتواجد فيه، ولكن الخوف، كلّ الخوف، أن تسير هذه القصيدة في هذا الطريق الفسيح دون حدود ودون قيود، فتجد نفسها في يوم ما بلا روح وبلا ملامح، أو تجد نفسها مجرد أزرار وأسلاك في عالم افتراضي بكل المقاييس خاصّة في ظلّ سطوع ما اصطلح على تسميته الكتابة الالكتروني والنشر الرقمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق