يُعدّ هذا الكتاب من الأمّهات التي ضمّت ما يُصطلح عليه قديما بعلوم العربيّة أي فقه اللغة بعبارة أشمل حيث المبحث اللغويّ يتابع العبارة في نطاق تداوليّ يكون هو المنطلق لتحديد الدّلالات وتبيين الفروقات وليس كالمعجم يأخذها مفردة مجرّدة، وما حضور النّصوص إلّا للاستدلال والتّبيان. ففقه اللغة إذن (الفيلولوجيا) يتمثل في دراسة لغة ما انطلاقا من نصوص ناجزة، في خليط من النقد الأدبي والتاريخ والنحو وعلوم اللسان. وما وصلنا من العرب في هذا الشأن منطبق عليه تعريف أفلاطون للفيلولوجيا : هو محبّة اللغة في عبقريتها وطاقتها الجمالية والإبداعيّة. كما ينطبق عليه تعريف نيتشة لاحقا حيث عرّف الفيلولوجيا تعريفا عاما نوجزه بالقول "إن الفيلولوجيا هي قراءة الخطاب دون تأويل" ولنا أن ننقل تعريف نيتشة من مجال الفلسفة ومحاربة الميتافيزيقا إلى المجال اللّساني البحت فنجعل فقه اللغة هو دراسة اللفظة معزولة عن استعمالاتها الاستعارية.
وقد حوى كتابُ الأمالي لأبي علي القالي من الآداب والأخبار والأشعار والحكم والأمثال أي من الوثائق الشّاهدة على عبقرية اللغة ما يجعل منه سجلّا للّغة العربيّة معجما واستعمالا هو حتما دون المجاز في فترة محدّدة من تاريخها مساعدا على تحقيق الغايات التي ذكرنا في التّقديم.
سيرة المؤلف اعتمادا على معجم ياقوت ووفيات ابن خلكان وبُغية الملتمس
أبو علي القالي( 288/356)هـ ولد نمنازجرد من بلاد أرمينيا فهو أرميني الأصل بحكم نسبته إلى قرية "قلا" رحل إلى العراق للدراسة سنة 303 ه فدرس الحديث والعربية والرواية وكان من بين أساتذته ابن درستويه والزجّاج. قال عنه أبو جعفر الضبي في كتابه "بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس" (في مجلدين- نسخة رقمية 11 ميجا أوكتي) قال: "وكانت كتبه في غاية التقييد والإتقان" وهو رأي لن يظل قائما بعد قراءة كتاب أبي عبيد البكري كما سيأتي بيانه.
أقام أبو علي في بغداد مدة خمس وعشرين سنة حتى دعاه إلى الأندلس عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي الثامن لما سمع عن علمه. فرحل إليها وأقبل عليه العلماء والمتأدبون مما هو مفصل في كتاب "نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب" لأحمد المقري التلمساني.(تحقيق إحسان عباس)
الكتاب
طبع هذا الكتاب لأوّل مرة بمصر في مطبعة بولاق سنة 1322 /1904 بإشراف إسماعيل يوسف بن صالح بن دياب التونسي (ربما كان نسبه إلى قرية تونس المصرية... في حين أنّ طريقة التّسمية قد تدلّ على غير هذا) والطّبعة مزوّدة بفهارس للأعلام والقبائل والأماكن والقوافي... تضمّنها المجلد الرّابع ضمن كتاب "التّنبيه على أوهام أبي عليّ في أمانيه" لأبي عُبيد البكري –كما سيأتي بيانه- وهو ما يؤسّس المجلد الرّابع من هذه الطّبعة الممتازة.
ومادّة الكتاب تشغل المجلّدين الأوّل والثّاني، أمّا الثّالث فهو الذّيل على الأمالي من وضع المؤلّف ذاته. والحقيقة أنّ مادّته لا تختلف عن متن الأماني، إلا أنّه أورد فيه جملة من الوقائع التي رآها "نادرة" وأثبت فيه رواية الأقوال والأشعار والنّصوص التي استشهد بنُتف أو قطع منها أو أوردها مجزوءة في الأمالي، من ذلك أنه أثبت مرثية مالك بن الرّيب في نفسه في 58 بيتا ولامية الشنفرى وبها 67 بيتا. وهو الأمر الذي يقتضيه العمل الفيلولوجي البحت.
ومنهج أبي عليّ في كلّ من الأمالي والذّيل عليه أنّه يورد مجموعة من الأحاديث المأثورة والأخبار المتناقلة، يوردها مسنودة، ثم ينبري في شرح ما ورد خلالها من المفردات التي تبدو له جديرة بالشّرح على هذا النّحو:
"حدّثنا أبو بكر... قال أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: قدم وفد على أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من قريش..." ( الأمالي. المجلد الأول ص 145)
ثم ينبري في شرح بعض ما ورد في أثناء كلمة الشّاعر أو القائل أو الخطيب: قال: أرهقني: أعجلني ، ورهقني : غشيني. يقال: رهِق فلانًا ديْنٌ... ينقل ذلك عن أئمة اللغة مثل الأصمعي وابن الأنباري واللحياني وغيرهم.
وعلى العموم فإنّ كتاب الأمالي موضوعه فقه اللغة كما أسلفنا، لم يتّبع فيه صاحبة ترتيبا معيّنا وإنّما هو متتالية من الأخبار والأقوال والأشعار تتبَعها شروح. حتى إذا اطّلع القارئ على ما تدارك عليه فيه أبو عبيد البكري وما أحصاه فيه من التّصحيف ارتسمت الأسئلة حول القيمة الأدبية اللغوية لهذا الكتاب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق