تناول محمود طرشونة في كتابه هذا مسألة غلب عليها التناول الشوفيني شرقا وغربا هي مسألة العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في العصر الوسيط... فالعرب يمجدون إسهامتهم في النهضة الغربية ويبرزون ما كان فيه الغرب من ظلام فرضته الكنيسة... والغرب يباهي بنهضته القائمة على العلم والتجريب وتحويل النظريات واستثمارها لصالح الإنسان...هذا التناول المغلوط النائي عن التناول العلمي هو ما أبرزه اندري ميكال في مقدمة الكتاب وهو يصف منهج محمود طرشونة: "...انطلق(المؤلف) من مبدإ أساسي في البحث قوامه أن الحضارات ليست مطالبة بتبرير أي شيء لأي كان فحسبها ...أن تكون كما هي "
حررت هذه الأطروحة في الأصل بالفرنسية، أنجزها المؤلف بإشراف أندري ميكال في جامعة الصوربون بباريسسنة 1980 وصدرت بالفرنسيّة سنة 1982 وترجمت إلى الإسبانية وترجمها صاحبها إلى العربية وصدرت عن دار سيناترا وعن المركز الوطني للترجمة بتونس سنة 1982
ومن العنوان تتوضح بعض مقاصد الكتابة من التعامل مع المدونة حيث جعل موضوع الأطروحة أحد مكونات المقامة دون غيرها هي شخصية المكدّى الهامشي كما جعله أحد مكونات قصص الشّطّار الإسبانية، الشيء الذي ينزع بالعمل نحو التفكيك المنهجي للمدونة.
ثمّ إنّ تركيبة العنوان الجامعة بواسطة العطف بين مكونات مشحونة بالمحمول الحضاري:
– الهامشون الشطار
- المقامات قص البيكارسك
- العربية الاسبانية
هذه التركيبة توجه توقعات القراءة نحو الدراسة المقارنة وتلوّن أفق الانتظار بالعناصر الفنيّة والغايات التي تصبو إليها وميكانزمات استغلالها.
وهذه التركيبة تفتح أفق الانتظار على المعرفة الفلسفية أيضا وعلى الخطاب الإيديولوجي سواء استقر في مرحلة بناء الذات بعد حركة التحرير من الاستعمار أو في تلمّس الذات وتثبيتها في مواجهة الآخر في خطابات العولمة.
ومن جهة ثالثة فإن هذا الشكل المستفاد من العنوان إنما يقيم الذات (سواء أفي بعدها الفردي أم في امتدادها الجمعي) في مواجهة الآخر قصد إجلاء ما هو ذاتيّ محليّ، مخالف لما هو غيري ومجابه له ... بل يمكن الذهاب إلى أن ذلك التناظر بين نظامين من القيم يحصل من خلال الوعي بالوجود الذاتي بواسطة التحديق بالآخر وتفحّصه وبواسطة التأمل في الكيفية التي ينظر بها الآخر باتجاهنا.
مثل هذا الصدى للتناظر المرآوي شديد الجلاء في الأطروحة، بل يمكن القول إنّ جهد المؤلف كان مندويا تجاه رصد هذه النظرات المتبادلة والتفحص المزدوج الذي لم يخل من براءة حينا ومن عدائية حينا آخر. قد تتجلى البراءة في مجرد الوعي بالمكونات المؤسّسة لخصوصية الذات كالإلمام بطبيعة شخصية الرّاوي في المقامات وعلاقتها بالمكدّي وتقلباته والأوضاع التي يمرّ بها والفلسفة التي يؤديها سلوكه أو المقارنة بين المكدّى العربي والشّاطر الإسباني قصد رصد الفوارق والمشابهات ...
البراءة حينئذ مرتبطة بالنّظر في الذات دون انعكاس نظرة الآخر فيها أو مقارنتها به ... يتوهم مركزيتها و تفرّدها و استعلاءها حتى إن لم يتمّ الوعي بها بصفة مطلقة و دقيقة لأنّ هذا الوعي إنما يحدث بواسطة المناظرة بالأخر.
....أمّا العدائية فإنها تحدث لحظة التفطن إلى أنّنا لا يمكن أن نكون أي لا تتم كينوتنا إلا بوجود هذا الآخر الذي هو في ذات الوقت يمايزنا و يختلف عنا وشبيهنا على نحو من الأنحاء ... و لعل هذه النتيجة الفاجعة هي التي انتهت إليها الأطروحة في بعض مراحلها أي نفي علاقة التأثير و التبادل بين المقامات و قصص الشطار رغم التشابه العجيب بين الشخصيات والأفكار والمواضع، يقول المؤلف : " إلا أن تماثل الموضوعات وتشابه الشخصيات و المواقف ينبغي ألا يوقعنا في الخطأ حول أسبابهما ، فبصفة عامة يسارع من يلاحظ هذا النوع من التشابه إلى القول بتأثير المقامات العربية في رواية الشطار الاسبانية اعتمادا على أسبقية الأولى في الظهور و بقاء المسلمين في الأندلس ما يقارب ثمانية قرون" (ص 238 )
و يبدأ رصد الاختلاف بين المقامات و قصص الشّطّار الاسباني بواسطة الجهد التفكيكي. و لسنا نقصد بالتفكيك مذهب دريدا في التفويض الذي لا يؤدي إلى إعادة البناء و لكننا قصدنا به فك بناء العناصر منهجيا قصد دراستها منعزلة بعضها عن بعض ثم بناء الهرم المعرفي المستخلص على ضوء ذلك التفكيك .
أدى التفكيك المنهجي إلى رصد التشابه في الموضوعات وخروج الباحث بمصادرات في هذا الباب يستقطبها تمرّد كل من المكدّين العرب والشّطّار الإسبان على سلّم القيم الاجتماعية حيث يفرضون مناهج تأقلمهم معها على طريقة خاصة بهم. والحقيقة أن ليس هناك تمرّد على القيم في ذاتها فهي واحدة عند المنسجمين والمتمرّدين ولكنّ الاختلاف يكمن في منهج تحقيق القيمة – لقد كان الحافز على هذا التمرّد ذا طابع بيولوجي وهو الجوع في كلّ المجالين العربي والإسباني حيث "لا نتوقع ماذا يمكن أن يفعل بطنّ خاو"
ومن البديهي أن تشابه الموضوعات ينجرّ عنه تشابه الشخصيات القائم عليها هذه الموضوعات رغم أن الفارق بين الزمنين المرجعين يربو على ستة قرون.
فالمسألة حينئذ لا-زمنية أي لا-ثقافية وخارجة عن عمل التاريخ، داخلة في مجال الطبيعة، وهذه الخصيصة هي التي سوف يبني عليها الباحث مصادرته القائلة بغياب التأثير بين المقامات العربية وقصص الشّطّار الاسبانية كما سنبينه لاحقا.
في هذا المجال البيولوجي، لا تلاحظ الذات إلا ذاتها معكوسة في الآخر، بل لا تلاحظ غيريّة مطلقا وينتفي النقيض والمختلف ويشمل العالم نظام واحد ... بل أكثر من ذلك، بتوحّد الخطاب الذي بنيت الغيرية على اختلافه.
هذا الخطاب الذي يشكل علاقة الإنسان بالعالم ويكيفها هو واحد في الثقافتين: كيفية الطلب وإرضاء الافتقار للطعام، وتوحُّدُ الخطابِ هذا إنّما هو نابع من توحّد الجسد وسقوط كل الاعتبارات الغيرية من عرقية وتاريخية في بوتقة التجاهل والنفي.
...و خصص الباحث الباب الثاني لرصد التباين في الأشكال و البنى و ذلك في :
• المستوى الأجناسي: قابل بين البنى السّردية في المقامات حيث هناك حكاية مرورية من نبع خيال المؤلف، وبنية سيرذاتية في قصص الشّطّار ممّا يقتضي التّطابق بين الرّاوي و المرويّ و الطبيعة المرجعية للحدث و لمكونات القصص عموما في قصص الشطّار.
• المستوى البنيوي العام حيث تقوم المقامات العربية على بنية متقطعة يبرزها اختلاف العناوين: ففي مقامات الهمذاني يتحكّم المكان بالموضوع: المقامة العراقية و المقامة الحلوانية و المقامة الكوفية... أوالموضوع مثل المقام المضيرية و المقامة المكفوفية و المقامة الدنيوية... و نجد نفس الظاهرة في مقامات الحريري: المقامة الواسطية المقامة الشتوية... كما يتحكم به الأوضاع التي يتخذها كل من أبي الفتح الإسكندري و أبي زيد السّروجي.
• المستوى البنيوي الداخلي حيث أن النصوص المضمنة في المقامات هي من جنس الأشعار التي وظيفتها الكشف عن هوية المتكدي إثر تقلبات أوضاعه في غضون الحكاية، أما في قصص الشّطّار الإسبانية فإن ما يدمج فيها هو حكايات ذات صلة يصاحب السّيرة أو نصوص وعظية غير ذات شبيه في المقامات.
إنّ التشابه بين الموضوعات واختلاف البُنى الداخلية للمدوّنتين نعتهما المؤلف با"لمربك" ... لذلك فإن الباب الثالث كان مرصود التفسير هذا الإرباك وتبريره بحيث لا يكون هذا تهافت في النتائج المتوصّل إليها. وقد مثل هذا الباب تصحيحا للمسار الذي دأب عليه النقاد المكتفون بالمقارنة بين ظاهر المدونتين دون الغوص في بُناهما الدّاخلية وهو ما تصدّت له الأطروحة، فجعل المؤلف هدف هذا الباب تفسير التّشابه في السّمات والتّنافر في البّنى.
ولم يخلُ هذا العمل من جهد مقارني، لذلك فإنه وإن نزع في مقدمة الأطروحة إلى رصد المنهج الاجتماعي وسيلة لبلوغ الغاية البحثية منتئيا به عن إرهاصات الإيديولوجية الماركسية فإنّ العمل المقارني كان ممرّا لا مناص منه لبلوغ الغاية المرصودة للبحث.
فسّر المؤلف الاختلاف في البنى بالانتماء إلى ثقافتين متباينتين تتجذران في تراث مخصوص، فجعل انخراط الأدب في البنى الفكرية والاجتماعية السائدة محددا لسمات هذا الأدب ولأشكاله. أما التشابه في الموضوعات فأرجعها إلى الوضع المرحلي في الاقتصاد والاجتماع لكل من البيئة الاسلامية في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي والمدنية المسيحية بإسبانيا في القرن العاشر الهجري أي السادس عشر ميلاديا هي نفسها وحصرها في:
- المشاكل الاقتصادية
- الصدامات المذهبية الطائفيّة
- التناقضات الاجتماعية
وجعل من البديهي أن تفرز مثل هذه الأوضاع المتطابقة أوضاعا معيشية متشابهة يسعى بعض الأفراد إلى تجاوزها كلّ بطريقته. فكان المكتدّون في بلاد الإسلام و كان الشّطّار في بلاد المسيحية فنه ضمن فئات أخرى – يسعون بما أوتوا من الوسائل إلى تحقيق مطالب العيش وعبّر كل منهما بما أتيح له من وسائل تعبير ذات صله بمروثة الثقافي مما ينتج عنه صنفا من الأبطال الإشكاليين بتعبير "لوكاتش" يقوم في مجابهة الأيدلوجية السائدة في مجتمعه ( المكدى / الشّاطر )
إننا على يقين من أنّ هذا العمل السّريع الموجز لا يمكن أن يعطى أطروحة تربو على خمسمائة صفحة حقها من الدّرس والتّقديم والتّعريف ولكنّها مجرد تحفيز على الاطلاع والقراءة وبذلك نعتذر عن كل تقصير ونقص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق