2022/06/18

رواية " صلاة الغائب " للطّاهر بن جلّون : البطولة المَفقودة


 بينَ يديّ روايةٌ بعنوان "صلاة الغائب" لِلكَاتبِ الفرنسيِّ منْ أصْلٍ مَغاربي الطَّاهر بنُ جَلّون . قامَ بترجمتِها عنِ الفرنسيَّة علي باشا ، ونشرتْها دارُ ورد للطباعة والنشر والتوزيع – سورية دمشق (الطَّبعة الأولى سنة 1998) وكانت الروايةُ قد نشرتْ بالفرنسية سنة1981.

من الصَّعوبة بمكانٍ أنْ أقدّمَ تلخيصاً لِلرّوايةِ ، يَفي بِمَضمونِها ، لِذلكَ أسْتعينُ بما جاءَ على الوَجْهِ الآخرِ منَ الغلافِ ، فقدِ اختارَ النَّاشرُ بضعَ فقراتٍ منَ الرِّوايةِ تقولُ : " تبدأُ القصَّة في مدينةٍ مقدّسَةٍ مُدَنَّسَةٍ هيَ مدينةُ "فاس" بعدَ أنْ حكمَها المُستعمرُ وانتشرَ فيها وباءُ الحمّى الصَّفراء. تروي القصّة مولدَ طفلِ "مختار" عبرَ رِحلةٍ تنتهي على مشارفِ الصَّحراءِ الكُبرى التي تسكنُها ذاكرةُ الوليِّ الثائرِ الشَّيخ "ماء العينين" . ولعلّها رحلةُ المَغربِ البائسِ الجائعِ الباحثِ عنَ الأملِ. هذه الرواية تلخصُ ماضي الاستعمار والبؤس والانحطاط الذي ورثناه منه، وماتزال بقاياه في ذاكرةُ الشَّعبِ حتّى يومِنا هذا. هذا اللَّغزُ – لغزَ الماضي الغائبَ الحاضرَ- هو ما يعطي لروايةِ الطَّاهر بن جلّون قيمتَها وجوهرَها الاجتماعيّ والتَّاريخيّ.)
في إطلالةٍ سَريعةِ على مضمونِ الرِّوايةِ، وطريقةِ عَرضِها نجدُ أنّ الكاتبَ قد قسّمَها إلى ثمانيةَ عشرَ عنواناً جزئياً، مجموعةً في مئتينِ وستِ صفحاتٍ من القطعِ الصَّغير ، جاءتْ على التَّرتيبِ التَّالي:
( الولع بالنسيان- عام التيفوس- نسيان "فاس" – صفحات الكتاب البيضاء – "يمنى" – المرآة العلوية – "سندباد" –الراقص – خذيني معك فأنا ابنتك وأنت أمي- ليلة الظهور الصافية – عاشوراء- " بويا عمر" – " أرغان"- قرية النسيان - ... و بين الضلوع ديوان الحلاج...- قرية الانتظار – المرآة الفارغة- صلاة الغائب).
تمثلُ الرِّواية منْ حيثُ البناءِ والتَّكنيكِ الرِّوائيِّ الرِّوايةَ التَّجريبيَّة في عالمٍ منَ الغَرائبيَّة والفانتازيا ، ولذلكَ نستطيعُ أنْ ننسبَها إلى تيّارِ الوَعي ، حيثُ نرى الكاتبَ وقدْ خرجَ على المألوفِ في التَّكنيكِ الرِّوائيِّ منْ حيثُ الزَّمان وَالمكان وحركةِ الأحداثِ وسيرِها المُفكَّك والعشوائيِّ ، والتَّحوّلِ منْ حالةٍ إلى أخْرى وفقَ عمليةِ التَّداعي منَ الدَّاخلِ ، والانتقالِ منْ حالةٍ إلى أخرى بما يشبهُ عمليةَ انتقالِ الرُّوح منْ جسدٍ إلى جسَدٍ آخر ، وقد جهدَ الكاتبُ بأسلوبهِ الغرائبيِّ لتأكيدِ هذهِ المقولةِ التي فكَّكتِ الزَّمن والتَّاريخَ واخترقتْ حدودَهما ، عنْ طريقِ محاولةِ نسيانِ الماضي والنَّظرِ نحوَ المُستقبلِ ، والانتقالِ بينَ أماكنَ عديدةٍ في بلادِ المَغرب العربيِّ ، لكنَّ بدايةَ الأحداثِ تنطلقُ منْ مدينةِ "فاس" هذهِ المدينةُ التّي تمثلُ كلَّ مدنِ المغربِ ، بما تحملُه منْ سماتٍ اجتماعيَّة وتاريخيَّة وهيَ المكانُ الذّي ولدَ فيهِ الطِّفلُ "مختار" الذّي يُمثّلُ الانتقالَ عبرَ الزَّمنِ بطريقةٍ غريبةٍ ، عبرَ التَّداعي والمُنولوجِ كمَا في ص 27 " كانَ يغفو في قفصه الذي لا وجود له إلاّ في رأسِه ، والذي رسمَ خطوطه بكل دقّة في الفضاء .... وراحَ يحلمُ بمشاريعِه الفورية : بناء مسكن بيت كلّ خطوطه منحنية .... بيت منفتح على السَّماء ، يعوم ويطفو دون أن يغرق أو يتنقلب أو يجنح أبداً " . وكأنّ الرِّحلة التي تقومُ بها شخصياتُ الرِّواية هيَ تداعي اللاوَعي والحلمُ وهذا يستدعي حضوراً ذهنياً عالياً لدى القارئِ منْ أجلِ الرَّبطِ بينَ الأحداثِ والأزمِنةِ والأمكِنةِ ، وذلكَ لأنَّ الكاتبَ في هذهِ الرِّواية ينتقلُ بينَ الأزمنةِ والأمكنةِ بطريقةِ الهَذيان والكوابيسِ السِّرياليةِ . إضافةً إلى الاعتمادِ على الرَّمزِ في تسمياتِ الأشخاصِ والأمكنةِ . كما عمدَ الكاتبُ إلى إطالةِ السَّردِ في كثيرٍ منَ المواضعِ في الرِّوايةِ ، فقدَ امتدَّ السَّردُ المُتواصلُ كما في "يمنى" من ص49- ص54 ، ثم عرّجَ على حوارٍ بشكلٍ مُقتضبٍ ، ثم عادَ إلى السَّردِ حتى ص60 . وكذلك نجدُ هذا السَّردَ الطَّويلَ في (المرآة العلوية) إذْ يمتدُّ من ص61- ص64.
رَسمَ الكاتبُ الشَّخصياتِ والأمكنةَ بطريقةِ الاستبطانِ والدُّخولِ إلى العالمِ الدَّاخليِّ لكلِّ شخصيَّةٍ ، عنْ طريقِ المُناجاةِ بأسلوبٍ شاعريِّ ، ولا غرابةَ في ذلكَ فقدْ بدَأَ الكاتبُ بنُ جلون شَاعراً ، ويبدو ذلكَ منْ خلالِ المقاطعِ الشِّعريةِ التي ضمَّتها الرِّوايةُ ، والسَّردُ بلغةٍ شَاعرية ٍ" لقد ولد هذا الطفل من الينبوع على يميني ومن الزيتونة على يساري" ص44 ،
بدا لنا اهتمامُ الكاتبِ ببناءِ فضائِهِ المَكاني بطريقة ملحميةٍ وأسطوريةٍ ، لكنّ طبيعةَ الرِّوايةِ باعتبارِها تمثلُ تيَّارَ الوَعي في الرِّوايةِ الحديثةِ ، خلقَ نوعاً منَ الامتزاجِ بينَ الفضاءِ الأسْطوريِّ والفضاءِ الوَاقعيِّ ، ويبدو هذا المزجُ بينَ الواقعيِّ والرَّمزيِّ للأمكنةِ التّي استحضرَها الكاتبُ في الرِّوايةِ ، مازجاً بينَ ألوانٍ منَ المُفارقاتِ منَ الماضي والحاضرِ ومنَ البداوةِ والحضَارةِ ومنَ المقدّسِ والمُدَنَّسِ ، في رحلةٍ طافتْ أماكنَ مُتعدّدةً ، بدأتْ منْ مدينةِ "فاس" وانطلقتْ تجوبُ أماكنَ كثيرةً حتّى وصلتْ إلى مَراكش ، ثمَّ بدأتْ تسيرُ في طَريقِ العودةِ إلى "فاس" غيرَ أنّ الزَّمان والمكان يشوبُهما الغموضُ، وهذا ما يدفعُنا إلى القولِ إنَّ الكاتبَ في الرِّواية يبحثُ عنِ المكانِ المفقودِ الذي فرّقَ أهلَ الصَّحراءِ ، وقسَّمَ البيئةَ إلى مُقاطعاتٍ صَحروايةٍ غيرِ محدّدةِ المَعالم بسببِ طبيعةِ الصَّحراءِ التي تقتضي التَّرحالَ الدَّائمَ والانتقالَ حسبَ الظروفِ الطَّبيعيةِ المُتغيّرةِ, والعلاقات الاجتماعية ، وهكذا نجدُ البطولةَ مفقودةً في روايةِ (صلاة الغائب)، وبهذا ختمَ الكاتبُ روايتَه ، إذ " إنّ حكايةَ الصَّحراء واسعةٌ ولا نهايةَ لها كحكايةِ المحيطِ ". (ص116). ومن المقاطع الشِّعرية والكلماتِ الهامسَة :
" العناق / الإشراق/ وجه مكان الكلمات / نحو الرمال/ تهاجر/ الأيدي/ والأرجل...".
في الرِّواية إدانةٌ صريحةٌ للواقعِ الاجتماعيِّ المُتخلِّف ، الذّي تمثَّلَ في سيطرةِ الفكرِ الغيبيِّ المُتمثّلِ في السِّحرِ والشَّعوذةِ والاحتيالِ والاتكاليةِ ، ودورِ الاستعمارِ الذّي امتدَّ على مدى عقودٍ ، تبادلَ فيها المُستعمِرونَ وأذنابُهم منَ الاقطاعِ في عمليةِ استغلالِ الشُّعوبِ وإشاعةِ الفقرِ والقهرِ والاستلابِ والتَّشردِ والفسادِ الأخلاقي بأبشعِ أشكالِه ، كما تدينُ الرِّوايةُ العقلياتِ الانهزاميةَ التي يمثلها "بوبي" وفشلَ الحركاتِ النِّضاليةِ التَّحرريَّة التي قادَها الشَّيخ "أبو العينين" أو "عبد الكريمِ الخطابي" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق