تحدّث الكثيرون عن النقد العربي وقارنوه بالنقد الأوربي ، ونافلة القول أنّ النقد ليس له جنسية أو وطن مخصص. فقد نقلَ العرب في العصر العبّاسي كتاب الشعر لأرسطو ووجدوا فيه آراء نقدية كثيرة ، أعجبتهم واستفادوا منها بحذر ، ذلك أنّ الآراء التي وردت في كتاب الشعر كانت تخصُّ الأدب الإغريقي واليوناني، تأثّرَ كثير من النقّاد العرب بمنهج أرسطو في النقد ، أمثال قدامة بن جعفر الذي سمّى كتابه (نقد الشعر). أمّا في العصر الحديث فإننا نجدُ هوّة كبيرة بين نقّاد العصر القديم ونقّاد العصر الحديث، ومن الخطلِ اعتبار ما كتبه نقّاد العصر الحديث أمثال ميخائيل نعيمة ومحمود أمين العالم وغالي شكري وغيرهم امتدادا لما كتبه الجرجاني والآمدي وقدامة بن جعفر وغيرهم ، وذلك لأنّ نقد القدماء اقتصر على جنس أدبي هو الشعر ، مثل كتاب ( الموازنة بين الطائيين للآمدي و الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني ...إلخ..) فقد ظهرت في العصر الحديث أجناس أدبية جديدة كالقصة والرواية والشعر الجديد بأشكاله والمسرحية. ولذلك لم يعد الناقد يستخدم طريقة القدماء في النقد ، كأن يكون وسيطاً بين المؤلف وبين القارئ، يقوم بشرح النصوص وتفسيرها وبيان ما توحيه من زاوية مايراه المؤلف، بل أصبح الناقد يتدخل تدخلاً عضوياً في النص الأدبي (إعادة خلق) للأثر الأدبي من جديد فيعطيه من ثقافته المتنوعة ، وهي مهمة تشكل دورا كبيراً في النقد الحديث. بينما كانت في الماضي تقتصر على الثقافة التي تخص الشعر كعلوم (القرآن واللغة والبيان والبديع والعروض والقوافي والبلاغة والنحو والصرف )، والثقافة المتنوعة للناقد سنحت له بتفسير العمل الأدبي وكشف مضامينه التي لم تخطر على بال المؤلف في كثير من الأحيان ولم يشعر أنّه تناولها في نصّه الأدبي، وأذكر قولا للمتنبي حين سأله بعض النقّاد عن أبيات قالها، فأجابهم اسألوا (ابن جني) فهو أعلم مني بشعري! وهذا سبق نقدي .
كما وصلَ الحال بالنقد الحديث إلى أنْ يكون وصيّاً على الأدب, وهذا ما أثار الضيق لدى الأدباء, ففي كتاب الديوان نجد ملامح تلك الوصاية .. غير أنّ خطورة دور النقد تكمن في توجيه ذوق القرّاء وخلق ذوق العصر ، وتسويق الأعمال الأدبية وإشهار الأدباء سواء كانوا مبدعين أو غيرهم، وذلك من خلال القراءات النقدية لمؤلفين مشهورين أو مغمورين ونشرها في الصحف والمجلات ووسائل الاتصال المتنوعة في العصر الحديث، وبذلك يشكلون دعاية للعمل الأدبي والتوجيه والتحكم في ذوق الشباب ودفعهم للسير وفق توجيهات النقّاد ، وبذلك يكون النقد سابقا للعمل الأدبي وممهدا له الطريق.
غير أنّ ذلك لم يزل محصورا في نطاق ضيّق، فالإبداع هو السبّاق على النقد أو يسيران معا يتأثر كلٌّ منها بالأخر في عملية تفاعلية تسهم في حركة الأدب والنقد.
(وللحديث بقية)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق