"أقواس النصر بلادي".
قال لي، واسترحمت كلماته قلبي.
"أتدري، كلّ درب من دروب اللّيل دربي.
كلّ نجم من نجوم اللّيل نجمي.
وكلّ هذا الضوء، لو تدري، رمادي.
إنّني أمضي كما تمضي بروق اللّيل
تيجاني سوادي".
ومضى وحيدا.
للنهار الصوت وللنسائم رعشة القلب الكسير.
وللمدى هذا الشرود المستحيل.
هو غائب في الليل لكن الظّلام مجوّف وهو في التجويف ماثل. يرتق الظلمات، يرفو جورب اللغة المهلهل، أو يقاتل سرب أحلام أتى ليدمّره!
هو عاشق للصمت، لكنّ الغياهب أشرعت أعماقها ليديه حتّى صيّر الغيمات طينا واستباح المطلقات وأخرج الأحياء من أموات هذي الأرض.
هو هكذا،
نصف لطقس زائل،
ونصف لطقس لا يزول.
تأتي إلى يده الخيول بنورها وظلامها،
وتعود من يده الخيول.
أزل من الآباد في خطواته،
صوت نهاريّ يقول،
ولا يقول.
صادفته بالأمس. في البداية كان ضوءا أو شعاعا، ثمّ فاجأني ببرنسه المبلّل بالمطر. كان العشب ينمو في الصّدار وفي خيوط الصّندل الجلدي. وكان الجلّنار عطرا سماويّا يصاعد في خطاه.
لم أستطع إمساكه.
أمسكت منه الماء والرفّات.
أمسكت صوت المطلقات.
أمسكت ظلّا لا يرى بالعين.
أمّا يداه،
فلم أصافح فيهما غير الدّخان.
أمّا رؤاه،
فلم أملّك منهما
إلاّ على جمر خبا وعلى خيوط من دخان!
قال لي "اذهب".
فما ذهبت سوى الكلمة.
وكرّرها "دعوني سادرا في ما أراه.
دعوني غائبا في ما أراه!
هذه الدنيا سجوني.
فاتركوني.
انتهي في ما أراه!".
وسمعت التّرتيل، كان الصوت عميقا (صوت أحبله الموت، وأغواه الكون). وكان غريبا (أثقله الصّمت، وأوهاه التّعيين) وكان مليئا بالأفكار. نار كانت فيه. وجنّات حبلى بآلاف الأنهار. وطيور الدّوري كانت تبني فيه العشّ وتنقر فيه الدّار.
كان مثيرا للشّهوات.
وكان مدرّا لحليب الخلق وبكور الأسرار.
حروف منه صارت قفصا.
وحروف منه صارت بلدا.
وحروف منه صارت شجرا.
الياء مدّت يدها لتعينني في فهم معجزتي الصغيرة هذه. والتاء شدّتني لأرفع قامتي نحو النّجوم. والراء مدّت ثوبها الزهريّ لي..
لأمرّ منه إلى الغيوم.
أمّا هو فلقد توارى في ملكوته الرحب العميق!
"أين تذهب؟".
قلت له، فأجابني.
"نحو ليل لا يراه الآخرون.
نحو أفق ليس تعرفه العيون.
إنّني أمضي إلى لغة ليس يعرفها جميع النّاس.
نحو أرض ماؤها ماء ولكن ليس يشربه العطاش.
بيتي هناك الريح.
والغيم عمري!
أنّى ذهبت تغيّرت هذي الدّنى.
وأضيء دهري.
غير أنّي تعب.
كلماتي من حديد.
والمعاني ذهب.
وفؤادي من رماد.
والأغاني لهب!"
وتوارى في ظلام الليل.
كنت أرجو أن أعدّ له الخيول لكي يطير.
لكنّه في سيره أعطى جناحا لي.
وعلّمني المسير.
وأعطى جناحا للطيور وللفراشات الصغيرة والكراكي كي تطير.
هو واقع لكنّ ريحي لا تحرّك ثوبه المملوء بالغابات.
هو واقع لكنّ قلبا واحدا لن يستطيع الآن شدّ المطلقات.
هو واقع لكنّ شيئا فيه للأزل، شيئا فيه للغابات والمثل، شيئا فيه لا ندريه، لكنّنا نعطيه نار الروح والأجل.
هو في دواخلنا.
قدّيس ألفاظ.
وجميعنا يحيا بلا لغة!
هو هكذا.
فردوسه النّار.
مزاراته الانطفاء العظيم، وآثاره الاندثار.
ويعرج نحو السماء.
يفتح فيها شبابيك من حجر،
وموانئ من صندل أو هواء.
ويرسل فيها النجوم قوارب في مملكات السحب.
وهناك يشدّ الدّنى بالخيوط.
ويرعى قطيع الكواكب قرب سهول الشّهب.
ولكنّه في المساء، بعد عود القطيع إلى بيته،
يحتفي وحده بالظّلام.
ويرسل أسراره..
في بدايته كان شمسا.
كانت أشعّته تبلّل جلد البهاء،
وأجساد
تلك النفوس الصّغيرة، تلك التّي كالنبوءة، ألقت على جسد الأرض أسرارها والفوانيس. الهداهد أعطته ضوءا قصيرا وسلّت عروق السماء متّسعا في السّماء، ومدّت سمانى وزوج كراكي وبعض غرانيق أطرافها لتستقطر الضّوء في جسده. والخطى ذاتها تمنّته جسما لها والعتيبات ألقت إلى قدميه الزّهور ليصعد نحو الصّفاء النّهائي.
كان مفتونا بتأويل المجرّد.
رمى تفّاحة
فتساقط اللؤلؤ على أطرافه،
ونما على الجسد الممدّد في تراب الأرض.
"إنّي رسول الليل للغابات". قال لي.
"لكنّ زهري غامض، وجميع أمري غامض".
"حتّى عليك؟" سألته. فأجابني. "حتّى عليّ!". ثمّ أردف. "كنت شمسا، بيدي مفتاح هذي الأرض، بيدي مفتاحها، لكنّ ضوئي كان أصلب من ضياء الشمس وأقوى من سناها". "ضوآن في جسدي" صرخت.
"قلت، يا الله، خذني.
أطفئ الأضواء، يا الله، أطفئني لأحيا.
غير أنّ الله لم يفعل!
وغيّبني عن الدّنيا،
وغيّب الضّوئين في جسدي،
وأعطاني مفاتيح السّماء.
وها أنا،
عاجز عن فتح نفسي،
وفي ثيابي مفاتيح الأراضي ومفاتيح السّماء".
ضوآن في جسد!
ويحيا مظلما.
لكنّه يبني بيوتا للأبد.
يبني بيوتا للمدى الممتدّ حتّى آخر الكلمات.
ضوآن في جسد.
ويمشي مطفئا مستأنسا بالذكريات. قال لي.
"عذرا لأنّي غامض!".
قالها في لحظة ثمّ انصرف.
نحو ليل لم أره!
ضوء خرافيّ أتاني، وأنا أٍرنو إلى غيماته.
وإيقاعي انخطف
ورأيت نفسي في المتاه.
أبادل الليل الكلام.
أدعوه نحو حدائقي،
حيث التألّق والغرام.
وحيث تحيا مفردات في الحروب ومفردات في السّلام!
ومنذ عام لم أره.
صاغ لي وهمي بلادا عشت فيها وكتبت.
قلت للدّنيا اطمئنّي سوف أحياك بصمت.
سوف أنساه.
وأنسى كلّ صوت.
غير أنّي أنسقت في الليل إليه!
ساقني شوقي وساقتني عذاباتي إليه.
صار أعمى.
فاض عنه الضّوء.
فاض النّور.
فاضت عنه كلّ المطلقات.
لم يعد يحتاج عينين ولا لغة.
صار يكفيه الوقوف قرب ليل الكائنات.
صار أعمى مثل كلّ الكلمات.
صار
أعمى
مثل
كلّ
الكلمات.
( * ) القصيدة الأولى في ديوان هبوط إيكاروس، الصادر سنة 2008 عن دار الأطلسية للنشر بتونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق