غيمة رملية في جنوبها البعيد نرى..
يبدو ان ليلتنا ستكون عاصفة هوجاء، قال أبي.. ردت عليه أمي: لن تأتي إلينا،ستذهب إلى مكان آخر..
أخي الأصغر مني ابتسم: نصفها يأتي إلى هنا ونصفها الآخر يذهب إلى هناك..مسح أبي بباطن كفه على رأسه:
شاطر يا ولدي،شاطر..وضحكنا كلنا..
كان الوقت قبل مغربه..سأفرش لكما على السدة قبل ان يداهمنا الظلام..
أخرجتُ حصير الحلفاء من غرفته وجئتها به..جاءت هي بحنبلها.. وضعت الحصير فوق سدته..فوقه رمت الحنبل..كان عشاؤنا تلك الليلة مقطَّعة حارة، أكلناها وعرقنا يتصبب غزيرا غزيرا..و..
فوق حصير السدة كنا كلنا..السماء مليئة بنجومها وقمرها يضيئ الحوش..هكذا لن تصل إلينا العقارب اللعينة أبدا، قالت لنا..
في زاوية الحوش الجنوبية الغربية دجاجاتها هادئة وقطتنا البيضاء تقفز هنا وهناك سعيدة..
في الزاوية الشرقية الشمالية عنزتنا وجديها..
على ظهورنا اتكأنا ورحنا نعد النجوم ويختار كل واحد منا قطيعه..
تلك النجمة لي، قلت..
لا، لا، هي لي، صاح أخي..
هي لأختكما حبيبة،هي أصغركم،قال أبي..
وقفت اختي علجية: هي لي أنا..
أبي حل صراعنا: هي لكم كلكم..أنت وأخوك لكما زاويتا الشرق والشمال، وجه الكلام إلي..
أنت واختك لكما زاويتا الغرب والجنوب، وجه كلامه إلى علجية..
أخي الشاطر سأل: والزاوية الباقية لمن يا أبي؟..
ضحك أبي واجابه: هي لنا أنا وأمك وضحك..معه ضحكت أمي..
من فوقنا ضحك القمر وضحكت نجومه..ورفرفت زاعقة دجاجاتها في خمها..
ما بها دجاجاتك، يا امراة؟ سألها أبي..
مسرعة نزلت وكانت هناك بمصباحها الزيتي..خلفها أسرع أبي.. هاهي، هاهي..حمل ابي حجَره وقتلها..بأصابعها حملتها أمي ورمتها خلف الحائط الغربي لحوشها..وعادت..أبي عاد قبلها..
عقرب سوداء، قالت لنا..ونظرنا إلى بعضنا خائفين..
أخرج ابي من جيبه حلوياته ووزعها علينا حبة حبة..لم ينس أمي.. أعطاها حبتها مبتسما..ومبتسمة أخذتها من يده..جدتي رقية بنت الحسين صرَّت على حبتها في طرف سلخها..وصعدنا إلى نجومنا من جديد فرحين بحلوانا..
***
في نجمتي المضيئة جدا رأيته..أمي، أمي أخي المبروك هناك في نجمته، تعالي..
أين؟ لا أراه، سأل أخي..بلهفتهما أختاي سألتا: أين هو؟ لا نراه..
كانت صلاة العشاء قد حلت بحوشنا لحظتها..
سأصلي وأتي،ردت علي أمي..
مد أخي المبروك ذراعه إلي ومددت إليه ذراعي..وكنت هناك في نجمته..كان الحوش صغيرا جدا..أمي وابي وأخي وأختاي نقطات مضيئات كنت أرى..
احتضنته سعيدا..هو الآخر احتضنني سعيدا..وانطلقنا نجري..هو امامي وانا خلفه..وأمامنا هي، هي التي في القلب دائما، أمام حائط حوشها الجنوبي..امامنا ابتسامتها وانا واخي نتسابق إليها..هو يقول: هي لي..وانا أقول: هي لي..
ولم نصل، لا هو ولا انا إليها..سبقتنا الغيمة الرملية ووصلت إلى حوشنا.. وغيبت أخي عني.. ورأيتني أمطرني فيها بكاء وأصيح:
أمي أمي، عقرب لدغتني..
آوخْذي، أوخذي،وليدي لدقاتو العقرب، صاحت جدتي..وضعت رأسي على ركبتها وراحت تهدئني..بين ذراعيها حملتني أمي وأدخلتني غرفتها..أبي أدخل اخي عبدالله وأختيَّ وجاء بموسى حلاقته..شلَّط مكان اللدغ وعصَره..أمي وضعت الدواء عليه..
إياك ان تشرب الماء، أوصتني..
ستشربه غدا في مثل هذا الوقت،همس أبي لي..
خوفتني: السعيد بن امْحمد ورحال بن الراهم شربا الماء قبل وقت لدغهما فماتا..
نظرت إليها: راني عطشان يامَّا..
تحمَّل يا ولدي،وضمتني إلى صدرها..
***
أوقفت هطول أمطاري وعدنا إلى السدة..
فوق السدة جلست بجانبي..بجانبها جلس اخوها..لمست كفي كفها وابتسمنا.. وكانت السماء نجوما تضيئ حوشنا.. قمرا يغني لنا كانت..جدتي كانت تنظر إلي تارة، و إليها تنظرتارة أخرى..تبتسم لي ثم تبتسم لها..تضع باطن كفها على ظاهر يدي وتضعه على ظاهر يدها مرة أخرى..
عمتي صحراء، احكي لنا نجمة خضار، طلب اخوها من أمي..
أخفى ابي طست الماء عني..
على ظهورنا اتكأنا من جديد..
انطلقت امي تحكي عن نجمة خضَّارها..
وجهت عينيَّ إلى سماء حوشنا ورحت أبحث عن نجمته..
وكانت هي، هي التي في البال، تبحث معي..
لم نجد العقرب التي لدغتك، يا ولدي، قال لي أبي..بحثنا في كل الحوش ولم نجدها..ترى أين ذهبت؟
صعدت إلى السماء، أجبته..
رأيتها حين كانت تصعد، علق اخي عبدالله الشاطر..
شفتها؟ وين؟ سأله اخوها..
هناك، هناك، أشار اخي بسبابته..
ومثل عقربي صعدت واحتضنت من جديد أخي في نجمته..
لن نتسابق، قلت له..هي لي..
أبعد ذراعيه غاضبا وتركني أسقط في نومي..
هي، هي التي في البال دائما، سقطت معي في نومها..
نجمتها كانت خضراء..مثل نجمتها كانت نجمتي خضراء خضراء..
-------
لدقاتو: لدغته (في منطقة الحضنة الجزائرية ينطق الناس الغين قافا)..
السلخ: الوشاح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق