يضعك عنوان هذه القصة مباشرة أمام حالين متناقضين: الرؤية، والحجاب. فالمرآة هي التي ننظر فيها، فنرى وجوهنا وهيئتنا، وقد نرى، من خلالها، ما وراءنا، وتعكس القريب والبعيد، بينما ينتصب الجدار، في الغالب، ليمنع الرؤية عمن وراءه، وما وراءه. يهيئنا العنوان، إذًا، بهذا الطرح لتقبُّل ما قد يرد في القصة من مفارقات، ومواقف متباينة.
تنفتح القصة على مشهد شخص تضطره المرآة المثبتة في مستوى منخفض من الجدار إلى الانحناء، ليتمكن من رؤية وجهه. وضْع أثار استنكاره، ورأى فيه وسيلة مبطّنة للإذلال والتركيع. ثم نكتشف من خلال فلاش باك سبب وجوده في هذا المكان، هو المحامي المتألق، الناجح، يحاكَم بتهمة الإرهاب، ويُعتقَل، بعد أن لفّق خصومه ملفّ تورّطه في التخطيط لعمليات إرهابية. يستغل مهارته في مجال الخطابة والإقناع ليستميل بقية السجناء إلى صفه، ويرفع مستوى تثبيت المرآة، بالرغم من بروز معارض شرس، لم تسعفه هيئته القوية، وعدوانية أتباعه، للمحافظة على الزعامة في الزنزانة، فحُمِل المحامي على الأكتاف، ليستأثر وحده بالنظر في المرآة.
1 - الزمن السردي:
يمكن تقسيم الزمن السردي في هذه القصة إلى نوعين:
أحدهما أفقي/ خطي، يمتد على طول المتن الحكائي. والثاني عمودي/ تقاطعي، يعتمد على الاسترجاع، ويفتح نافذة على جانب من حياة الشخصية الرئيسة/المحامي، والسببِ الذي أدى إلى الحكم عليه بالمؤبّد. ولئن كان هذا الاسترجاع ضروريا في بناء القصة، لتكسير رتابة السرد الخطي، فإنه منح السارد، من جهة أخرى، فرصة إضاءة ما لم يعرفه القارئ عن شخصية المحامي، بشكل مكثف، جعل زمن الأحداث الممتدة على مدى سنوات، يُقدَّم للقارئ في زمن السرد عبر فقرات قليلة. فكأننا بذلك نجد أنفسنا، في هذه القصة، أمام زمنين: زمن داخلي هو الذي بدأت به أحداث القصة، وبه انتهت، وزمن خارجي، نقلنا إليه السارد، عندما أوقف الحكي داخل الزنزانة، ليعود بنا إلى أحداث وقعت خارجها من قبل. وبذلك يكون البناء السردي للقصة مشتملا على حكايتين: أولاهما يشهد القارئ سريان أحداثها داخل فضاء مغلق، هو الزنزانة، والثانية يرويها السارد للقارئ، في مقطع الاسترجاع، بعد أن حدثت في أفضية مختلفة، بعضها مغلق، والبعض الآخر مفتوح.
أما زمن القصة فقد بقي غير محدد، لا بوقت معين، ولا بيوم معروف، ولا بسنة مضبوطة، وكأن الكاتب يعطي للزمن مدلوله الحقيقي داخل الزنزانة، حيث يفقد المرء فيها كل قيمة للزمن. فباستثناء الأيام العشرة التي قضاها المحامي في السجن، لا نعرف متى بدأ مشكله مع المرآة، أفي الصباح، أم في المساء؟ ولعل مرد ذلك إلى كون الزمن، في هذه الحالة، لا تأثير له، على الأحداث، ولا على الشخصيات. وما وقع لا يرتبط، بالضرورة، بوقت محدد، لا يُحتمل وقوعه إلا فيه...
2 – الشخصيات:
2 -1 - المحامي الشاب: ركز الكاتب على هذه الشخصية المحورية في القصة، فعليها مدار الأحداث، بها يبدأ الحكي، وإليها ينتهي. يطالعنا وجه المحامي في البداية، وقد غطى الشعر ذقنه، على غير العادة، حتى إنه أنكره عندما رآه للوهلة الأولى، ثم تُختَم القصة بوجهه الحليق. صورتان لوجه واحد تلخصان التحول الذي حصل في حياة الرجل. انطلق من أسرة فقيرة، بعد إجازته في الحقوق شق طريقه في مهنة المحاماة، في مكتبِ كبيرِ المحامين في البلد. طموحه الكبير، والمبالغ فيه، أزعج هذا الأخير، فدبّر مكيدة تُخلِّصه منه. وهكذا لم تشفع للشاب نباهته، ولا فصاحته، ولا قدرته على الإقناع، فوجد نفسه فجأة محكوما بالمؤبّد، بعد أن خسر حبيبته، وخسر مستقبله. بيد أن طموحه إلى احتلال الصفوف الأمامية لم يَفتُر، حتى وهو بين جدران السجن، فحوّل قضية المرآة إلى مطية للنضال، والظفر بالزعامة. ومن المفارقات المرتبطة بهذه الشخصية دخولها إلى السجن، بعد أن كانت تُخلِّص المتهمين منه.
2 -2 - الدكتور: ارتباطا بالمحامي الشاب، تبرز شخصية الدكتور، باعتبارها نموذجا آخر لهذه الفئة المِهنية. صفته العلمية تخوِّل له أن يكون من فقهاء القانون، والعارفين بثغراته، والقادرين على الالتفاف عليه، ومراوغته. وإذ يجعله الكاتب المحاميَ الخاص للحوت الكبير، فإنه بذلك يُظهِر الوجه البشع، والجشع لبعض رجال البذلة السوداء، الذين لا يستنكفون عن تحويل الباطل إلى حق، ولا يتورّعون عن الاصطفاف إلى جانب الطغاة والمفسدين، وتذليل سبل الإفلات من العقاب أمامهم. بهذا الوجه نفسه يُلقي الدكتور بتلميذه إلى أتّون الموت البطيء، لا لشيء إلا لأنه اكتشف فيه مشروع منافس قويّ، يشكِّل خطورة عليه، وقد ينازعه استحواذه على ملفات القضايا الكبرى. وتلك مفارقة أخرى تبرزها هذه القصة، فكأنها تؤكد بها المقولة لمعروفة: "رجال القانون أبعد الناس عن القانون".
3 -2 - الحوت الكبير: تمثل هذه الشخصية آلة العقاب التي استعملها الدكتور ضد تلميذه. فالحوت الكبير ليس فقط رمزا للفساد، ولكنه أيضا نموذج للشخص عديم الرحمة، غليظ القلب، شديد البطش بكل مَن يشك في نواياه. فلا غرو أن تكون عضَّتُه للمحامي الشاب قاتلة. وكأن الطبيعة تأبى إلا أن تعاقب هذا النوع من البشر، فتَحْرِمه من العقِب والنسل، حتى تكفَّ أذاه عن الناس. والمفارقة المرتبطة بهذه الشخصية أنها على الرغم من اجتماع سلطتي المال والجاه بين يديها، إلا أنها حُرِمتْ من نعمة الأبوّة، ومن سُنّة امتدادها الطبيعي في الحياة. ولذلك تبَنّى فتاة، كانت له فيها، ربما، مآرب أخرى.
4 – 2 - الفتاة: تُصوِّر لنا القصة هذه الفتاة بأنها فاتنة جموح، وقع المحامي الشاب في حبها، فتقرّب منها، وهو يبتلع الطُّعم الذي أوقعه في فِخاخ الدكتور. وبسرعة كبيرة بادلته إعجابا بإعجاب، فعجّلت بالعقاب الشديد الذي أنزله بها الحوت الكبير، بأن وضعها في قبو محصَّن، لا يعلمه إلا هو وخاصةُ رجاله، بعد أن أوهم الناس بسفرها إلى الخارج. وتبدو هذه الفتاة، وهي الأنثى الوحيدة في القصة، أكثر الشخصيات تعرضا للظلم. فكما قسا عليها الحوت الكبير، لم ينصفها السارد كذلك، بل جعلها سلبية، ومغرّرا بها، ومجرد تابعة، لا حول لها على المقاومة، ولا قوة لها للدفاع عن نفسها، أو حتى إبداء رأيها.
5 -2 - السجناء: باستثناء الشاب المفتول العضلات، والآخر الذي اعترض على فعل المحامي دون استشارة الجميع، تُقدم لنا القصة بقية السجناء دون ملامح. فهم مجرد غوغاء تابعين، يميلون حيث يميل ميزان القوى. وهو الوصف النمطي الذي نجده في معظم مؤلفات أدب السجون.
لم تحمل أي من هذه الشخصيات اسما خاصا بها، بل وسَمها القاص إما بمهنها، أو جنسها، أو عمرها، أو بعض صفاتها الجسدية. فرِهان القصة لا ينشغل بأشخاص بعينهم، ولا بوضعهم الاجتماعي، ولا بمشاكلهم الخاصة، والآنية، بل يصير كل واحد منهم نموذجا لفئة اجتماعية، يقوم بدورها في حياة عامة، داخل مجتمع أكبر، لا يمثل فضاء السجن في القصة إلا صورة مصغَّرة عنه. وهي طريقة فنية تجعل القارئ يستكشف رؤية الكاتب إلى العالم، من خلال النص، وطريقة إدارته للصراع بين تلك الشخصيات، وتصويره لخصائصها الاجتماعية والفكرية، ومستويات وعيها، ومنظومة القيم التي يبشر بها.
3 - رمزية التيمة الأساسية:
احتلت المرآة بؤرة هذا العمل القصصي، إذ لم ترد في العنوان فقط، ولكنها حاضرة فيه على امتداد مقاطعه. إنها ليست قطعة من زجاج لامع، تعكس صور الأجسام التي تسقط عليها، ولكنها قد تصبح مصدر مشاعر، وأفعال تتولد عن طبيعة النظر إليها، ونتائجه. ومن هنا تكتسب قدرتها على التحاور مع الناظر إليها، والتأثير عليه. بيد أن اللافت في هذه القصة، ليس هو المرآة نفسها، بل وضعها على الجدران، في مستوى منخفض، ولهدف محدد.
لذلك يبدو أن وضع المرآة في مستوى أدنى من المعتاد هو الموضوعة الأساسية في هذه القصة. وللمرآة بعد رمزي لا يخفى، تفنن في توظيفه الأدباء والفنانون، على اختلاف جنسياتهم، ومشاربهم. ولها حضور واضح، أيضا، في كتابات الأستاذ مبارك السعداني، خصوصا في مجموعته القصصية البِكر "ضحك المرايا"، حيث استعملها أداة لكشف المستور من الحالات النفسية، والعلاقات المزيفة، أو المشبوهة، أو وسيلة للسخرية من بعض المواقف، والسلوكات الشخصية، أو الاجتماعية. وإذا كانت المرآة قد ارتبطت منذ القديم، في أذهان البعض بالسحر والشعوذة، لاعتقادهم بأن خاصية الانعكاس قد تؤثر سلبا على الناظر إليها، فإنها في هذه القصة بالذات، ستغدو أداة سحرية أيضا، يستطيع المحامي الشاب، بفضلها أن يفرض وجوده في الزنزانة، ويصبح زعيمها المحمول على الأكتاف.
وإذا ما وسّعنا دائرة التأويل التي تسمح بها قراءتنا لهذه القصة، فإننا سنقف على أن المرآة هنا خضعت لعملية ترميز. ويمكننا الاستعانة بجملة من العلامات التي تحيل على مدلول آخر لها. منها، على سبيل المثال:
"الشخص الذي ثبَّت المرآة على الجدار كان قصير القامة، لكنه فرض على أمة من الرعاديد، بقاماتهم المديدة، أن يثنوا جذوعهم وينحنوا ليروا حال وجوهم، وربما حلقوا ذقونهم. فألفوا وضع الانثناء وتأقلموا معه."
"بل تصوَّرَ مُثَبِّت المرآة، بحجم إبهام يده، متربِّعًا فوق كرسي يلقي أوامره وهم ينفذون طائعين."
"وضع المرآة بهذا الشكل، يضطرنا جميعا إلى الانحناء والانثناء في ما يشبه وضعية الركوع."
"فالمسمار، والجدار، والمرآة وسائل وضعتها يد خفية، بنية مبيّتة، غايتها إذلالنا وتركيعنا."
لقد غدت المرآة أداة من أدوات التحكم في الآخرين، وترويضهم على الخنوع لمشيئة الجهة المتحكمة، واستئصال كل نزوع لديهم نحو التمرد، أو العصيان. فوضْع المعتقلين داخل الزنزانة هو اختزال لأوضاع مجتمعات مغلوبة على أمرها، صودرت منها حقوقها الأساسية، وخضعت لسلسلة من التدجين، وظَّفت فيها السلطة الحاكمة وسائل الإعلام، تنفث، من خلالها، بين الناس ما يُعطِّل كل قدرة لديهم على المطالبة بالعدالة، والحرية، والمشاركة في اتخاذ القرار. إن المرآة، التي وصفها السارد بأنها صغيرة، رمز للشاشة الصغيرة، ووضْعُها في ذلك المستوى المتدني، دليل على انحطاط ما تقدمه للمواطنين من مادة إعلامية، هدفها الأساسي تبليدهم، وتحويلهم إلى كائنات خاضعة، مستسلمة، مستكينة. وإمعانا في تقديم صورة كاريكاتورية عن المتحكم في الوضع، يتصوره المحامي الشاب "بحجم إبهام يده، متربعا فوق كرسي يلقي أوامره وهم ينفذون طائعين."
إن حال المعتقلين، قبل التحاق المحامي الشاب بهم، أشبه ما يكون بحال جماهير مجتمعاتنا، تظل على الدوام، تنتظر ظهور بطل قومي يخلصها من مأساوية الوضع الذي تعيشه. ألم يألفوا وضع المرآة في ذلك المستوى منذ مدة؟ لماذا لم يُثِرهم وضعها بذلك الشكل؟ ولماذا لم يسعوا إلى تغييره؟ إن شعوبنا، بفعل التخدير الذي مورِس عليها من قِبَل وسائل الإعلام الرسمية، تحجّرت عقولها، وتجمّدت مشاعرها، وتعطّلت قدراتها على الفعل، فأصبحت فريسة سهلة بين يدي كل من يدغدغ عواطفها، ويُمَنّيها بالعدالة، والديمقراطية، حتى إذا تمكّن من السلطة، واستوى على الكرسي، استبدّ بالأمر، وتنكر لمن نصره، وحمله على الأكتاف، وأوصله إلى مركز الزعامة والقيادة، تماما كما حدث مع المحامي الشاب. فما إن ثبَّت المرآة في المكان الذي يناسبه، حتى "استمتع
وحده برؤية وجهه الحليق في المرآة"، وما عاد يبالي بمن عارضه في البدء، ما دامت الأغلبية الساحقة صفّقت له، ورددت شعارات تمجّده، وتخلِّد ذكره.
4 - جمالية التكثيف اللغوي:
إن اتساع رقعة هذه القصة لم يحُل دون توظيف جيد لبعض تقنيات القصة القصيرة جدا، التي أبدع فيها الكاتب، وأجاد، خصوصا في مجموعته القصصية الآنفة الذكر، فأضفى ذلك جمالية على مكوناتها الفنية.
لقد اعتمد الكاتب، على الرغم من الطول النسبي لهذه القصة، نوعا من التكثيف والاختزال اللغويين، كما يبدو في استعماله للكثير من الجمل القصيرة، والمتواليات الفعلية، وفي تصويره الدقيق والسريع لبعض الملامح، أو المواقف، أو المشاعر. من ذلك مثلا، هذا النموذج:
"منذ أن رآها أول مرة تَعلق قلبه بها. فاتنة جموح، كل شيء فيها يحرك رجولته. تعقَّبها في كل مكان، عرف من هو أبوها. كانت صدمته قوية، هذه أول عقبة في طريق حبه..." متواليات فعلية، واسمية، تختزل مشاهد من حياة المحامي، تطول أو تقصر، وتصوِّر حالات نفسية، وشعورية مختلفة، وتنتهي بعلامة الحذف، التي تفتح أمام القارئ أفق التخييل، وتُشرِكه في بناء المعنى انطلاقا من السياق.
وفي هذا النموذج الآخر تبدو الجمل كما لو أن كل واحدة منها مستقلة عن الأخرى، وهي تختزل في تشظيها ذاك، مشاعر، ومواقف، وتصورات، وفلسفة:
"لم يُصَدِّق أن حياته أخذت هذا المنحى المأساوي. أمضى الأيام التسعة الأولى يدور في حلقة مفرغة. في اليوم العاشر قرر أن لا ينهزم. هنا سجن وهناك سجن، هنا حياة وهناك حياة... والحياة خلقت لنعيشها..."
لقد أضفت هذه الخاصية بعدا جماليا على القصة، تجلى في احتفاء اللغة بزخم المعنى، بعد تطويعها من قِبَل الكاتب باحترافية عالية، لتنقل في سلاستها، وتدفقها، وانسيابها، حركات متعاقبة للشخوص، ومشاعر متعارضة، ومواقف متصارعة، ظاهرها النبل، وباطنها الوصولية، والانتهازية، والتسلط.
وختم الكاتب قصته بقفلة مفارِقة وصادمة، على غرار قصصه القصيرة جدا، تخللتها احتفالية غبية للمعتقلين بزعيمهم الجديد، وقد استحوذ، دونهم، على المرآة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق