وقف أمام المرآة الصغيرة المثبتة على الجدار، ثنى جذعه لكي يتمكن من رؤية وجهه. ابتسم من فجاجة فكرة عبرت دماغه. الشخص الذي ثبت المرآة على الجدار كان قصير القامة، لكنه فرض على أمة من الرعاديد، بقاماتهم المديدة، أن يثنوا جذوعهم وينحنوا ليروا حال وجوهم، وربما حلقوا ذقونهم. فألفوا وضع الانثناء وتأقلموا معه. بل تصور مثبت المرآة، بحجم إبهام يده، متربعا فوق كرسي يلقي أوامره وهم ينفذون طائعين.
أنكر وجهه عندما رآه للوهلة الأولى، تحسس منابت الشعر في ذقنه الذي اعتاد على حلقه مرة كل يومين، لم يصدق أنه مضت الآن عشرة أيام عليه وهو محشور مع أشخاص لا يعرفهم. سأل نفسه في استغراب:
- ما جدوى حلق الذقن في مثل هذا الوضع؟!
ابتسم في قرارة نفسه، وفكر في إعادة طرح السؤال. لأن صيغة الاستفهام استلزمت معنى لم يقصده. لا يريد الاستنكار، بقدر ما يقصد الاستفهام الحقيقي، ولمن غيرها نذر حياته؟ لها كان يحلق ذقنه ومن أجلها هو هنا
منذ أن رآها أول مرة تعلق قلبه بها. فاتنة جموح، كل شيء فيها يحرك رجولته. تعقبها في كل مكان، عرف من هو أبوها. كانت صدمته قوية، هذه أول عقبة في طريق حبه...
انحداره من أسرة فقيرة لم يقف أبدا في وجه طموحه. فمنذ ان أدرك أن الحياة تدين لمن يعرف كيف يلاعبها ويستغل الفرص التي تتاح له، قرر أن تكون القمة غايته. تخرج في كلية الحقوق، لم يراهن على وظيفة حكومية يدور في فلكها معصوب العين إلى أن يحال على التقاعد.
هدفه القريب هو مكتب أكبر محام في البلد، ناور وداور حتى أقنع الدكتور بمواهبه فقبله محاميا متدربا. لم يلبث أن أظهر قدرات خارقة في المرافعة والإقناع بالحجة والبرهان، وبإمكانيات في الحوار لا تضاهى، وتمكن لا يجارى في توظيف اللغة للوصول إلى نتائج باهرة في قضايا مستعصية، نسب النجاح فيها ضئيلة. اندهش الدكتور مما حققه تلميذه في وقت قياسي. فبدأ يحتاط منه، لم يعد يسلمه القضايا التي ستعلي من مكانته وتوسع من دائرة نفوذه، لكن التلميذ انطلق ولا شيء سيحد من طموحه، ورغبته في الوصول إلى القمة.
لم يصدق الدكتور الفرصة التي سنحت له، تلميذه المغرور يجري وراء عشيقة حوت كبير، يعتقد الناس أنها ابنته. ولما كان الدكتور هو المحامي الخاص للحوت الكبير، قدحت الفكرة في ذهنه، أن يطيح بتلميذه الغر ويتخلص منه على يدي الحوت الكبير.
وضع سيناريو محكما يقف فيه الغريمان وجها لوجه، بدون شك، فالغلبة ستكون للأقوى. وكلما عاند التلميذ، كانت عضة الحوت الكبير قاتلة. كلف الدكتور تلميذه بملف خاص بالحوت الكبير، فكانت الفرصة مواتية للاحتكاك المباشر بحبيبة القلب التي صادف الشاب الوسيم الأنيق، والمحاور البارع هوى في نفسها. فبدأت تفقد السيطرة على عواطفها...
خطة الدكتور محكمة يدير خيوطها في الخفاء. لم يمض وقت طويل حتى اكتشف الحوت الكبير النوايا الخسيسة للشابين تجاه ولي نعمتهما، فأجهضها في اللحظة المناسبة. لفق لغريمه تهمة ثقيلة لن يكفيه عمره كله عقابا عليها. أوجد له وثائق وصورا، لا شبهة فيها، تدينه بالتخطيط لعمليات إرهابية ضد منشآت حيوية في البلاد بتواطؤ مع قوى معادية. أما الشابة فقد سافرت إلى الخارج دون أن تبرح قبوا في مكان محصن لا يعلمه إلا الحوت الكبير وقلة قليلة من رجاله.
في المحكمة لم تنفعه نباهته ولا حسن مرافعته، ولا لغته التي رآها عاهرة خانته حين كان في حاجة ماسة إليها. مرت عليه عشرة أيام في هذا المكان الذي سيقضي فيه بقية عمره. لم يصدق أن حياته أخذت هذا المنحى المأساوي. أمضى الأيام التسعة الأولى يدور في حلقة مفرغة. في اليوم العاشر قرر أن لا ينهزم. هنا سجن وهناك سجن، هنا حياة وهناك حياة... والحياة خلقت لنعيشها...
أول خطوة هي الاهتمام بالمظهر، به تأسر الآخرين. وعلى أساسه يحكمون عليك. هنا وضع استثنائي لا دور للباس فيه لكن ستعوضه عناصر أخرى: طلاقة اللسان، وقوة الشخصية، والقدرة على الإقناع... أسلحة لا بد منها.
همّ بحلاقة ذقنه، لكن وضع المرآة غير ملائم... الوصول إلى القمة هو غايته. أسلحته التي راهن عليها ستبقى هي نفسها. فكر مليا فرآها أمامه، نعم المرآة هي نقطة البداية، منها سيعرف طبيعة كل معتقل، وردة فعله، وموقفه من التغيير... وعلى ضوئها ستحدد الأولويات، والولاءات...
في حركة واضحة قصد بها إثارة انتباه الجميع، عالج المرآة لكي يتمكن من نزعها من المسمار الذي ثبتت به على الجدار، وضعها على الأرض. نجح في إثارة انتباه بعض المعتقلين الذين وجهوا أنظارهم صوبه، فيما بقي الآخرون منشغلين عنه. ابتعد قليلا، أخذ قطعة قماش لفها حول يده اليمنى مشكلا من السبابة والإبهام ملقطا لنزع المسمار من الجدار. يبدو أنه مثبت على الجدار جيدا، فبدأ يحركه إلى الأعلى وإلى الأسفل، إلى اليمين وإلى اليسار.
استفز بعضهم ما يقوم به، فتركوا مطارحهم واقتربوا منه، ثم انطلقت التعليقات من هنا وهناك.
قال شاب مفتول العضلات، محاط بثلة من الأتباع، يبدو أنه لا يحب من ينازعه السيطرة، لذلك لا يخفي ميوله العدوانية:
- مالك وهذا المسمار؟ بم ضايقك ؟ اتركه في مكانه!!
ترك المسمار، تراجع خطوة إلى الوراء، ورمق الشاب المتكلم، ولم يُظهر أنه تأثر بتدخله.
أردف رجل نحيل، من وراء ظهر الشاب المفتول العضلات:
- اتركه يستعرض عضلاته في حضرة مسمار !!
فتابع آخر على وتيرة الاستهزاء ذاتها:
- لقد هزمه المسمار، مسكين، يداه الناعمتان لم تتعودا إلا على عراك الأقلام !!
ارتفعت الضحكات المستهزئة، لم يعبأ بها، وحرص على بقاء ملامحه محايدة. يعرف الآن أن أية حركة أو نأمة غير محسوبتين ستطيحان به، وسيداس بالأقدام. صارت الأجواء مشحونة، قد تنفجر في أية لحظة. تقدم رجل خمسيني إلى الأمام مقتربا من المسمار، وقال بصوت هادئ:
- دعوه، أيها الرفاق، يوضح لنا ما ينوي القيام به.
رد عليه شاب جالس في مطرحه بصوت ضعيف، لكنه مغلف بنبرة واثقة:
- لا نريد أن نعرف ما يفعله، ألم يكن حريا به أن يشاورنا أولا؟! كل شيء هنا يجب أن يخضع لمشورة الأغلبية.
اختلطت الأصوات، وعلا الضجيج... أحس أن الفرصة المناسبة ليتدخل تدخلا حاسما قد حانت، تأمل في العيون المصوبة إليه، كون تصورا أوليا عن معظم الموجودين، لكل واحد طريقة خاصة للتعامل معه.
- "لا تخونيني أيتها اللغة العاهرة مرة أخرى" خاطب نفسه.
تقدم خطوة إلى الأمام، وقف في مكان يرى منه الجميع. فرك يديه، وافتر ثغره عن ابتسامة أرادها مفتاحا للقلوب، ودرءا لأي سوء نية محتمل. تذكر مرافعاته التي ملك بها ثقة الزبائن، وكانت ستحمله إلى القمة لولا الخطأ الذي ارتكبه واستغله حساده... ذلك خطأ لن يتكرر. ذَكَّر الجميع بأنهم في المركب نفسه إذا نجا نجوا جميعا وإذا غرق غرقوا جميعا. كلهم لم يختاروا أن يوجدوا في هذا المكان، معظمهم مظلومون. تابع مرافعته، وعيناه تقرآن وقعها على المستمعين:
- . هناك في الخارج حياة غير عادلة، لم لا نجعل هذا المكان مجتمعا عادلا؟ كل ذلك متوقف على إرادتنا وانخراطنا جميعا في دينامية ديموقراطية غايتها مصلحة كل واحد. نضالنا هنا سيخرج بنا إلى الخارج ونفرض عليهم ما نراه في بناء المجتمع وتنظيمه... كم من رجال أفذاذ خرجوا من المعتقلات وقادوا مجتمعاتهم نحو التقدم والازدهار، بل أثروا على البشرية جمعاء!...
سكت ليرى مدى تأثير كلامه على المستمعين. لم يرتح للشاب المفتول العضلات وأتباعه، بلا شك سيقودون المعارضة ضده، هم أقلية سيسهل التحكم فيهم إذا استمال الآخرين، وخاصة الشاب الذي تحدث عن مشورة الأغلبية. استغل أحد أتباع المعارض المحتمل السكوت، ووجه له سؤالا مسموما:
- وما علاقة هذا الهراء بالمرآة والجدار والمسمار؟
لم يدر السائل قيمة الهدية التي قدمها له. عض عليها بالنواجذ واسترسل قائلا:
- كل شيء مبني على العناصر الثلاثة التي ذكرتها أيها الرفيق الكريم. الجدار والمسمار والمرآة، وسائل وضعت هنا في هذا الوضع بالذات لغاية معينة، ألم تلاحظوا أننا جميعا نقف أمام هذه المرآة عدة مرات في اليوم الواحد؟ لكننا نرى أنفسنا في وضعية تكاد أن تكون واحدة. وضع المرآة بهذا الشكل، يضطرنا جميعا إلى الانحناء والانثناء في ما يشبه وضعية الركوع. لا تكمن الخطورة في المرآة ذاتها، إنما الخطورة في ما تتركه فينا. فنحن لا نرى أنفسنا وجها لوجه إلا في انحناء دائم. لقد ألفنا هذا الوضع، وانطبع في لا وعينا أننا كائنات خاضعة منحنية لا ترفع رأسها أبدا. ولن نرفع رؤوسنا، ولن نغير رؤيتنا لذواتنا ما دامت كل المرايا التي نرى فيها أنفسنا موضوعة على مقاس كائن قميء قزم ينظر إلى نفسه، وينظر إليه الآخرون نظرة احتقار وازدراء... فالمسمار والجدار والمرآة وسائل وضعتها يد خفية بنية مبيتة غايتها إذلالنا وتركيعنا. لذلك فالخطوة الأولى في درب نضالنا الطويل هي نظرتنا إلى أنفسنا نظرة صحيحة، وبعدها تأتي خطوات أخر، كلها تنبني على نظرتنا إلى ذواتنا نظرة إيجابية. لهذه الغاية أردت تعديل وضع المرآة...
ارتفع صوت، عرف فيه رأي الجماعة التي ستعارض كل ما سيصدر عنه من أفكار ومواقف، قال متسائلا في مكر:
- تعلم أن قاماتنا ليست على مقاس واحد، كيف ستثبت المرآة على الجدار دون أن ينحني أي واحد منا؟
أحس بصعوبة الموقف، لأن السؤال فخ ومتاهة إذا دخل إلى دهاليزها لن يخرج منها أبدا. لابد من إيجاد طريقة يضع بها حدا لهؤلاء، حتى لا يفسدوا كل ما بناه. وهو يرتب أفكاره استعدادا للإجابة عن السؤال، إذا به يسمع صوتا ضعيفا لكنه واثق من نفسه:
- الوضع الجديد للمرآة، بخلاف الوضع القديم، لن يسيء إلى الجميع، ولكنه، في الوقت نفسه، لن يرضي الجميع. ستوضع المرآة بناء على خيارات نتفق عليها. إما أن توضع وفق مقاس الأغلبية، وهنا ستبقى أقلية تعاني بمقدار ابتعادها عن مقاس الأغلبية. وإما ننقسم إلى جماعات متساوية في قاماتها، تتداول على تثبيت المرآة على الجدار على مقاسها بالتساوي، مع استفادة الفئات الأخر منها مع ما قد تجده من عدم الملاءمة مع حاجياتها. وهكذا دواليك في اتفاق تام واحترام لقواعد اللعبة المتفق عليها. ويمكن البحث عن سبل أخرى لحماية حقوق الجميع.
ارتفع التصفيق من معظم جنبات الزنزانة، التفت الشاب المفتول العضلات إلى من كانوا معه فألفاهم يصفقون إلا اثنين منهم يترقبون ردة فعله. أسرها في نفسه، وشرع يصفق على مضض...
حُمِل المحامي الشاب على الأكتاف، ولهجت الأصوات مرددة شعارات تمجده وتخلد ذكره. أحس بنشوة غامرة. استغل هياج الأتباع وثبت المسمار على الجدار بعيدا، ثم استمتع وحده برؤية وجهه الحليق في المرآة دون انحناء ولا انثناء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق