2021/10/01

لا تتركني وحدي ...


 وطئت قدماها الحافيتان الرمال الدافئة فسرت في جسمها حرارة ارتعشت لها أنوثتها. آثار قدميها رسائل تقرأها النوارس على مسامع البحر: ليست هي، هذه أخرى أثقل الحزن جفنيها. وحيدة جاءت، وهكذا ستظل!! منذ أيام وهي تفكر في هذه اللحظة، ماذا سيقول عندما أرتمي في حضنه؟ هل سيداعب جسمي ويعمد روحي كما كان يفعل؟ كم أنت ناكرة للجميل !! ألم أكن ملاذك ومكمن أسرارك؟؟

نبرة صوته، وهو يزف إليها الخبر، أذكت ريبة لا تعرف لها سببا:
- حصلت على عقد عمل في الخارج بأجر مغر، سأعقد عليك ونرحل في أقرب وقت ممكن...
- إنه ملتح مشبوه وبدون عمل معروف... اعترض الجميع على الزوج، أمها إخوانها زوج أمها... - أنسيتم أني من أجلكم تركت مقاعد الدراسة لأكون خادمتكم؟ مضى قطاري سريعا... كل الذين خلتهم طوق نجاتي، أحجموا وتركوني وحدي، آخرهم سدد إلى قلبي طلقا ناريا أدماه:
- يا للخسارة !! سيرة إخوتك على كل لسان، مخدرات، سجن و... الناس لا يرحمون.
لم تفهم، بعد مرور عقد من الزمن، ما الذي حدث تحت تلك الشجرة، كل ما علق بذهنها، طقوس غريبة شهدها ملتحيان ومنقبتان ... أفاقت على أصواتهم وهم يباركون لهما زواجا في العراء.
- وضعك الجديد لا يسمح لك بالعيش تحت سقف واحد مع أسرة من المارقين، أنتظرك الليلة عند شجرتنا المقدسة... ذلك أمره الواجب عليها طاعته.
لم تودع أحدا، تركت وراءها كل شيء، ما عدا بعض الوثائق وحلما يشوبه إحساس مبهم. في تركيا زادت شكوكها، وغداها تأخره المتكرر عن البيت وانقطاعه عن العمل في المقهى... ولما سألته عن رجال غرباء تكررت زياراتهم له في البيت، قال :"هم إخوان في الله يحبوننا ويجتهدون لتيسير ظروفنا لنرحل إلى دار السلام..." لم يطل بهما المقام...
-هل ألوذ بالفرار؟ أم اجابهه بحقيقة الخوف الذي ينغل في قلبي ...؟ من أين يأتيك كل هذا المال؟
طاعة البعل واجبة !! هذا هو السلاح الناجع الذي يشهره في وجهها كلما تكلمت.
اقتربت منه، يبدو غاضبا مزمجرا... جلست بين يديه خاشعة: ها أنا جئتك بعد طول غياب. ألا تعرفني ... هذه المسوح السوداء لا تعني شيئا. أنت عشقي، أنت الحياة بكل تناقضاتها. إخلاصي لك لا مراء فيه. وعدتك أن تبقى أنت الحضن الدافئ الذي أرتمي فيه.
فاجأتها طفلة وقفت أمامها تتأمل كيانا يلفه السواد.
-مالك تجلسين وحدك؟
مدت الصغيرة يدها نحو البرقع الأسود محاولة كشف ملامح وجهها، اقشعر بدنها، وساورها الألم الذي ظل يخزها كلما كانت عرضة لانتهاك حميمية جسد ما عاد ملكا لها. انقضت على اليد الغضة فأمسكتها بقوة، بادرتها الصغيرة بابتسامة سرت تيارا دافقا من الحبور في كيانها، تركت اليد الصغيرة تكمل عملها... - أنت جميلة يا صديقتي ، قالت الطفلة. -هيا نلعب...
مازال صوتها البريء يتردد في مسمعها...
-تعالي العبي معي يا أمي... لا أريد الذهاب إلى هناك. ذو اللحية الطويلة المخضبة يصيح ضاربا بعصاه على خشب يقف عليه: - إن الحياة رسالة، جهاد في جهاد... ولن نعيشها لعبا ولهوا... أبناؤكم وبناتكم ملك لنا، هم دعامة الأمة ومستقبلها، سيعيشون بعيدا عنكن ينعمون في رحاب تربية إيمانية ...
لم تعرف طفلتها في مسوح سوداء بدت فيها كمسخ عجوز، حين رامت تخليصها من تلك المسوح تمنعت، وبكت بهستيريا... ضمتها، قبلتها، راودتها حتى هدأ روعها وسكت عنها الخوف؛ راعها ما رأت تحت المسوح...
أمسكتها الطفلة من يدها لتجري معها على الشاطئ، كانت مثقلة بالسنين وعباءة زادها البلل ثقلا، بعد لأي طوحت بالعباءة بعيدا، فظهرت في فستانها الطويل أكثر رشاقة وعنفوانا، عدت وراء الطفلة تلاعبها وهما تضحكان. .. جلستا على الرمل بنت لها قصرا منيفا، وحيوانات خرافية...
حملتها ذكريات أليمة، تسعى جاهدة لنفض غبارها المتغلغل في مسامها، إلى نهاية أكذوبة استدرجت إليها لتجد نفسها في أتون من الدمار والتردي والقذارة...
كانت جارية مع أخريات في ذمة زوج صدمها سلوكه، بعد مقتله، تداولتها اللحى... لما سقطت الأقنعة وكانت الهزيمة ، زج بها من معتقل إلى آخر... إلى أن تسلمتها سلطات بلادها بكثير من الريبة ضمن كثيرات من أمثالها...
أحضروها إلى قصر ذي اللحية الطويلة المخضبة، ليست هذه هي المرة الأولى التي يحضرونها إليه، زف إليها الخبر... أغمي عليها لهول ما سمعت ..
- الدولة أعطتك فرصة ثانية اختاري المكان الذي تريدينه... أنا على يقين أنك بمجهودك ورغبتك ستتحررين من كل الأصفاد، لكنك بحاجة إلى مزيد من الوقت والنسيان. قالت المشرفة على مركز إعادة التأهيل وهي تختم على صك ولادتها الجديدة.
داهمتها أمواج المد، فتحت عينيها فلم تجد الطفلة... جفلت، دارت حول نفسها مرات، استقر بصرها على البحر الممتد بزرقته المعانقة لزرقة السماء...
يا للبشاعة !!رحماك يا إلهي!!علق أحد المغيرين وهو يعاين جثتين عاريتين لطفلة وشيخ بلحية طويلة مخضبة...
بخطوات وئيدة ونفس مطمئنة انغمست بكامل جسمها في مياه بحر كان ملاذها ومكمن أسرارها لعل أمواجه تطهر جسمها وتعمد مياهه روحها...

هناك تعليق واحد:

  1. تحية للصديق مبارك ، رحلة ممتعة بين مكنون اللغة ومعناها اسلوب سلس ممتع موفق صديقي وللساهرينوعلى هذا المنبر

    ردحذف