يحاول علم السرد منذ تبلوره كحقل نقدي على يد تودوروف وغريماس وجيرار جينيت أن ينحو بالنقد نحو وجهة علمية صارمة لا تحفل بالسياقات الخارجية , ولا تهتم بما في داخل النصوص من جماليات , و هذا التوجه الذي التزمته الدراسات السردية ليس غريبا أو مبتكرا لاسيما إذا عرفنا أن علم السرد بوصفه حقلا نقديا خرج من عباءة الدراسات البنيوية , فالسرديون الأوائل هم ذاتهم رواد البنيوية , ثم أن مطالب هذا الحقل هي ذاتها مطالب البنيوية , بل لا نبالغ في القول : إن السردية هي البنيوية نفسها مطبّقة في حقول القص والحكي , إلا أن السردية تواشجت كثيرا مع حقول أخرى اهمها السميائية , وبذلك اتسع مفهوم القص عندها ليشمل الأعمال الفنية من: لوحات , وأفلام سينمائية , وصور متحركة , وإعلانات ودعايات كما يذكر ذلك صاحبا دليل الناقد الأدبي .
ومن هذا التوسع لمفهوم القص عند السرديين عدت دراسات كلود ليفي شتراوس في الأساطير , ودراسات بروب للحكايات الخرافية من صميم الدراسات السردية .
وفي الواقع أن ما تمخضت عنه دراسات غريماس وتودوروف وجيرارجينيت هي التي حددت الملامح الأساسية , بل النهائية لعلم السرد .
فقد وضع غريماس اليد على الجامع المشترك المتخفي وراء تحركات الشخصيات , بوصفه القانون الذي يحكم في مسارات القص الظاهرة .
أما جيرارجينيت فقد بلور الصيغ النهائية للحقل السردي بتأكيده على عملية السرد على الضد من غريماس الذي أكد على النص المسرود .
ويمكن القول أن حقل السرد في صورته المتبلورة مما تقدم يتكون من ثلاثة عناصر :
1-الزمن , وأهم ما يخص هذا العنصر ما أطلق عليه (مفارقه زمن السرد لزمن القصة) ويراد به ان التتابع المنطقي لازمة من لوازم زمن تتابع الأحداث الواقعيّة لكنّه ليس كذلك في زمن السرد فالزمن السردي يخضع لقوانين عدة : الاسترجاع , أو الاستباق , أو التلخيص , أو الوقوف .. بمعنى آخر : أن الراوي أو القاص أو الحاكي يخضع الزمن لآلية الوقوف طلبا للاستراحة مما يحقق له تعطيل حركة الزمن لينشغل بأمور من شأنها أن تنفّس من قلق المتابع وانشداده من خلال ما يستثمره الراوي في هذه الاستراحات من آليات زخرفية كالوصف , والاستطراد , والتفسير , والتحليل , والايهام ، والخيال ...
وعلى الضد من آليات تمديد الزمن في الفعل السردي قد يلجأ الراوي إلى تكثيف الزمن , وذلك عن طريق القطع في تسلسل الأحداث , وحذف بعض فقراتها أو اختصارها , بما لا يخل في وظيفتها .
وقد يلجأ الراوي أيضا إلى ما يسمى بــ (المشهدية) أي : رسم المشهد الصوري عن طريق الحوار , ولا يشترط في الحوار أن يكون بين متحاورين اثنين أو اكثر , فربما كان حوارا ذاتيا بين الاإنسان ونفسه .
2-الرؤية , ويُقصد بها طريقة تقديم الحكي, أي طريقة تنظيمه , ومدى مغايرته لما هو عليه في الواقع , وعليه فالرؤية تعكس وجه النظر التي تُقدم من خلالها الحكاية ولابد أن تحمل طابعا خاصا , آيديولوجيا او نفسيا .
3-الخطاب , ويراد به نمط تقديم الخطاب المقدم في الحكي , وقد ميز بعضهم بين ثلاثة أنواع من الخطاب , في النوع الأول يندمج كلام الشخصيات وكأنهم يتحدثون بطريقة جمعية باستخدام ضمائر مختلفة ,نحو : (( كتبت المقالة , ونهضنا , ثم اخبرني برغبته بالعودة الى البيت )) , أما النوع الثاني فهو الخطاب الذي يقوم الراوي من خلاله بنقل كلام شخص آخر , نحو : ((تحدثنا ونحن نسير معا , فاخبرني بأنه سوف يعود الى البيت .)) , أما النوع الثالث فهو الذي ينقل كلام الآخر بحرفيته نحو : ((تحدثنا قليلا , وقال لي : سأذهب إلى البيت)).
ولابد من التأكيد _ أخيرا _ على أن علم السرد واجه صعوبات كثيرة خاصة مع تلك التحولات النقدية والثقافية من البنيوية إلى ما بعدها , ومن التفكيك إلى النقد النسوي والنقد الثقافي والتاريخانية الجديدة والتحليل الثقافي والدراسات الثقافية والدراسات ما بعد الألفية ودراسات بعد ما بعد الحداثة , فأمام الإصرار على تمسك السرديين بمقولاتهم العلمية الصارمة أصبحت الهوة واسعة بينهم وبين تلك الدراسات , وقد بدأ ذلك الشرخ حينما قام رولان بارت بتدشين مفهوم : القارئ بوصفه مصدر الدلالة من خلال عمله (Z,S) , ثم أخذت الهوة تتسع مع الدراسات النسوية والثقافية التي ما فتأت تؤكد على الربط بين المتغيرات الثقافية والاجتماعية في عمليتي انتاج النص وتلقيه على السواء , وهذا ما لم يرق لأصحاب القوانين السردية الذين لا يرون فائدة من الانشغال بالسياقات الخارجية على الرغم من محاولات بعض السردين _ فريرديك جيمسون مثلا _ المزاوجة بين السردية بمفهومها البنيوي والماركسية بمفهومها البعدي أو ما بعد الماركسية.
مصادر يمكن الإفادة منها :
1- نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير , مجموعة مؤلفين , ترجمة ناجي مصطفى , منشورات الحوار الاكاديمي والجامعي , الدار البيضاء , المغرب ,1989
2-بنية النص السردي , حميد لحميداني , المركز الثقافي العربي , بيروت , ط1 .
3-دليل الناقد الأدبي, ميجان الرويلي, وسعد البازعي , المركز الثقافي العربي, بيروت , ط4 , 2005
4-في النقد الأدبي الحديث , منطلقات وتطبيقات, , د. فائق مصطفى , ود. عبد الرضا علي , دار الكتب للطباعة والنشر, الموصل , العراق , 2000
5-معجم السيميائيات , فيصل الأحمر, منشورات الاختلاف , الجزائر, الدار العربية للعلوم ناشرون , بيروت ط1 .2010
6-بلاغة الخطاب وعلم النص , د.صلاح فضل , الشركة المصرية للطباعة والنشر والتوزيع_لونجمان_القاهرة_ط1 ,1996 .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق