2021/09/29

ابن ليل


 تلقَى والده ضربة فأسٍ مميتة أثناء عِرَاكٍ مفتعل حول نوبة ريٍّ ، أوصى أمّه وهو في برودةِ الاحتضارِ بالفرارِ ، لم تجد من بدٍّ إلّا أن تهرول صوبَ قريتنا ، ففيها أبناء عمومتها عزوتها وسندها ، شابة في الثلاثين حباها الخالقُ مِسحة من جمالٍ ريفيٍ متوهج ، على الرُّغمِ من تلك النّعمة المخبوءة لم تنل " فكيهة " ما يسرّها ، تربصتها العيون الجائعةُ تتناوشها منذ يومها الأول ؛ حتى ضَاقت بها مذاهب العيش ، لم تجد من حيلةٍ سوى الصّبر ، فابنها الوليد لم يبرح بعد ليّن العود ، ضعيفا مسلوب القوة ، مشت الأيام ثقيلة وهي مع هذا تجنّب نفسها مزالقَ الغواية ، عسى أن تُهيّء " لصابر " من نعومةِ الحياة وطراوة العيش ، ما يُحييّه رجلا مُستقيما ، يحقّ له التّفاخر بينَ الرِّجالِ ، شَبّ الفتى رَصدَ المكائد ، يراها حتى في أولئك الذين اعتقد فيهم الحِمى والقُربى ، مُبكِرا نَزَعَت نفسه إلى الانتقامِ ، فبدى وكأنّ الحُبّ قد غَاصَ وهَجَرَ قلبهِ ، لا سَميرَ له إلّا طَيف ماضيه الأسيف ، يطرفه في أحاديثِ أمه ساعة يضع رأسه وسط حِجرها مساء ، تحكي ما يعتصر صدره : كَانَ والدك شَهمًا سَخيّا ، لكن يد الغدر لم ترحمه ، كُنْ رجلا ولا تتساهل في حقك ، الدُّنيا غابة البقاء فيها للأقوى .

عادت كلماتها نيران مُتأجّجة ؛ سلبت عينيه السّهاد ، شابا ابتعد عن مواطن التّلف ، ومعاقرة المُتَع الرّخيصة ، إذّ كيف يرى مباهج الحياة ، وكُلّ هذه الأفكار العَكِرة تُزاحم فؤاده ، ألهبَ التفكير رأسه ، لا ينام على فراشِ الطمأنينة ، شيئا فشيئا استطاعَ أن يحمل نفسه على مكروهها ، زرقه الله قلبا جسورا ، وساعدا فتيّا ، وصُحبة أقران ودّوا لو يفتدوه بأعمارهم ، كانت القرية تعجّ بحكايا أبناء اللّيل من المَنصرِ وحيل قُطَاع الطّريق ، افتتنَ صاحبنا بتلك السّيرة ، مع الأيام استخفتهُ أن يتردّى في حمأةِ الطريق ، تلاقت أمانيه وأمانيّ الرِّفاق ، لحظة وجدوا في اندفاعهِ سلواهم ، فلا إله عنده إلّا كبريائه وقوة بأسه لم يمهله زمانه طويلا ،سلّمته يد الحكومة جُنديا يُقاتِلُ في حربِ فلسطين ، قال "زينهم" الحلاق : كان إنسان عينه أصفر كالكهرمان ، يرى في ليله رؤيا نهاره ، لم تخيب له رمية ، لا يشقّ له غُبار بين صفوف المقاتلين ، في تلك الأجواء المشحونة ، أَلِفَ السلاح ، عشق أزيز البارود ، استمرئ رائحة الموت ، ومنظر الأشلاء ، خَلَعَ عنه الرّحمة خلع ثيابهِ وأرديته ، انتهت الحرب ليعود صاحبنا واصلا ما انقطع ، مشحونا يخوض معترك الحياة ، وقد سَفلت مساعيه وتبدّلت أخلاقه ، يسير في ظلمةِ داجنةٍ من الكراهيةِ ، كراهية الضّعف والضعفاء مغلولي الأيديّ ، كراهية الماضي الذي دفن سيرة والده وحرمه عطف أبوته ، عادت ترنّ برأسه من جديد حَكَايا أبناء اللّيل لصوص الغيطان ، عملٌ بسيط مضمون النتائج ، مع رجلٍ تَخَلّى عن قلبهِ ، رجلٌ أكبر همه أن يجد ما يسحق بهِ انهزامه ساعة يرى الشّماتة في عيونِ النّاس ، يستصرخ ضعفه ويلعنه ، يستحثه كي ينشط ويأخذ بثأر والده المغدور ، شهورا قلائل كافية لأن يذاع صيته ، ويتناثر دخان بندقيته ليعبق الزِّمام ويُزكم الأنوف ، انقسم فيه النّاس بينَ متربّص يُريدُ الخَلاص ، ومُعجبٌ ودّ محالفته والاستفادة من طموحهِ ، رويدا فارت عروقه بدماءِ الطّيش والتّهور ، ما إن يحلّ المساء حتى ينزوي بينَ حقولِ الذّرة وحيدا ؛ يبكي آلام نفسه المُشتّتة ، سريعا ينزع نفسه عن أحزانها فيهجم برجالهِ ينهب الحقول ، وينقب الجدران ، ضَاقَ وجهاء النّاحية بهذا اللّصِّ العتيد ، بعد إذ باءت محاولات القضاء عليه بالفشلِ الذّريع ، لم يجدوا غيرَ مساومة بعض رجاله ، الذين وجدوا في العرض فرصة سانحة ، تخلصهم من صاحبهم الذي أصبح عبئا ثقيلا ، جدّ القوم في مخططهم ، وفي إحدى غزواته كمنوا له ، استطاعت رصاصة طائشة أن تجد طريقا لرأسهِ فتردى قتيلا ، شَاعَ الخبر فانداحت البيوت بالزغاريد ، خَرَجَ الأهالي بالمشاعلِ يُعاينوا رمّته ، لكن المفاجأة أذهلتهم لم يجدوا للجثةِ أثر ، تسللّت قبلهم والدته ، فحملته فوقَ حمارها واختفت ، تَضاربت الروايات ، لكنها اجمعت على أن إصابته لم تكن مميتة ، وأنّه لا يزال حَيّا يُرزق ، اقسمَ " عليوه " بائع الغلال برأسِ أمه ، لقد لمحه في ميدان رمسيس بالقاهرة بجوارِ عربة فول ، من ساعتها والقرية لا تنام إلّا على كابوسٍ مروّع ، ينتظروا عودة " ابن اللّيل " كي ينتقم من خصومه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق