انبثق دخانا أبيض من جدارغرفتي اليسار، وأمامي استوى بشرا..
هل عرفتني؟ سألني..ولم ينتظر إجابتي..أنا عزرائيل، قال..
لم يشعرني وقوفه أمامي بأي خوف..أهلا بك، قلت مرحبا..موتي وحياتي سواء في هذا العالم الرملي، أضفت..تفضل، تفضل..
مابك يا عزرائيل اليوم؟ إنه خطأك الثاني..لم نتعود منك مثل هذه الأخطاء..مابك؟..اقرأ القائمة من جديد..جاء الصوت من أعلى..
فتح عزرائيل دفتره..كان كبيرا جدا..
يبدو أنك تعيش خارج العصر يا عزرائيل، علقت مبتسما..
كيف؟ سألني..
نحن في عصر الحواسيب يا عزرائيل..يمكنك وضع ما في دفترك هذا في شريحة لا تتجاوز في كبرها ظفر خنصرك..
نظر إلي متعجبا..تعبت يا طيب..هكذا نطق اسمي، دون ألـ التعريفية.. عصور طويلة قضيتها في هذه المهنة.. صرت أؤديها بشكل شبه آلي..ما يحدث في عالمكم العربي ضاعف تعبي أكثر..لم أعد أجد وقتا للراحة..في كل دقيقة ، بل في كل ثانية ، أقبض روح شخص ما.. يؤلمني أن الكثير منهم أطفال وصبايا..يبدو أنني أحتاج إلى مساعد لي، وسكت..ثم راح يقرأ قائمة الأسماء في دفتره الضخم..نظرت إليه مليا وهو يفتح عينيه ويقرب الدفتر منهما..يبدو أن بصره قد ضعف، قلت في سري..و..
خطرت الفكرة على بالي: لم لا أكون مساعدا له؟ سألت نفسي، ثم سألته: هل يمكنك جعلي مساعدا لك؟..
رفع عينيه عن الدفتر ونظر إلي مبتسما: يمكن، يمكن..لاشيء يمنعني من اتخاذك مساعدا لي..
لأكن مساعدا لك إذن..لكن، كيف؟..
دع الأمر لي، رد على سؤالي..سأعود إليك بعد إنهاء عمل يومي.. سأعود إليك..فتح الدفتر من جديد..قرأ الإسم: فرهاد..وكأنه لم يكن هنا بالمرة..كما جاء اختفى..
***
على الكرسي المحاذي لي جلس..سلم علي وجلس..
هل تشرب شيئا ما؟..قبل أن أكمل جملتي كان كأس الشاي أمامه..من جيبي أخرجت حاسوبا صغيرا جدا..خطفه من يدي وراح يتأمله.. أخرج دفتره الضخم ووضع الحاسوب فوقه ثم أعاده إلي..
افتحه، قال آمرا..فتحته..مرت من أمامي آلاف آلاف الأسماء..
ستجد بصرك يتجه مباشرة إلى الشخص المعني..اقرإ الإسم وستكون عنده في نفس اللحظة ، مهما كان بعيد المكان..سيكون الغد أول يوم لك في مهنتك الجديدة هذه..
ماذا أفعل مع من يكون حظه جيدا ويقع بصري على اسمه؟..
ابتسم: لا شيء..مر الروح بالخروج وستخرج مباشرة..
مهنة سهلة ، علقت..
يبدو الأمر كذلك يا طيب..
جملته تلك أثارت الشكوك في نفسي: يبدو..هل يوجد ما يمكن أن يجعلها صعبة؟..
سترى بنفسك وأنت تباشر عملك..وكما بزغ اختفى..حركت يدي اليمنى مودعا وخرجت من المقهى..
في المنزل وعلى سرير النوم رحت أتخيل مهنتي..أسئلة كثيرة مرت ببالي..ومخاوف كثيرة أثيرت في نفسي..و..نمت أخيرا..
***
قبل فطور الصباح انطلقت موسيقى لم أعهد سماعها إطلاقا من حاسوبي..لم أفتحه لكنه راح يموسق بنفسه..حملته..انفتح من تلقاء نفسه..انطلقت الأسماء بسرعة تمر على شاشته..توجه بصري دون أية إرادة مني إلى الإسم: سعيد..قرأت الإسم..وكنت هناك..كيف انتقلت؟.. كيف دخلت؟..لا أدري..
وقفت أمام صاحب الإسم..يا روحه اخرجي، قلت آمرا..دخان خفيف خرج من أنفه..قبل أن يخرج من الغرفة صار فراشة خضراء خضراء راحت تصعد في السماء..كنت في الغرفة وكانت السماء أمام بصري..
انفتح الحاسوب ..مرت الأسماء بسرعة عجيبة..ألقت عيني بنظرها على الإسم: ريتشارد..قرأت الإسم..وكنت هناك.. وكما خرجت روح سعيد خرجت روح ريتشارد،لكنها طارت في السماء فراشة صفراء..
اختلاف لون الفراشتين أثار السؤال في ذهني: لماذا كان هذا الاختلاف يا ترى؟..وجاءتني الإجابة من عزرائيل الذي فاجأني بأن جلس بجانبي على سرير الميت: لون فراشة روح الميت يعكس نوع عمله الغالب في دنياه..
فهمت الأمر ولم أسأله: مانوع العمل الذي يعكسه كل لون؟..كنت أدرك أنني سأعرف كل شيء بمرور الأيام..
اختفى عزرائيل وموسق الحاسوب: أمامك ساعة كاملة لا موت فيها..اختر مكانا يخطرعلى بالك تتمنى زيارته أو شخصا تريد رؤيته..
سعيد الذي قبضت روحه أولا ذكرني بها..منذ أربعة أيام كنت هناك..ركبت قطار الضواحي المتجه إلى سيدي بوسعيد..في الكرسي المقابل لي جلستْ..كان القطار مكتظا بالراكبين والراكبات..شعرها كان أسود لامعا ..عيناها الواسعتان السوداوان كانتا بحيرتين رحت أغوص في عمقهما..ركبتها العارية اليسرى كانت هضبة موردة تمنيت التجوال فيها..كانت فاتحة السمرة شهية..تألمت كثيرا حين نزلت في حلق الوادي وتركتني وحيدا أجتر سمرتها..بسرعةٍ برقية كنت عندها..جلست على الكرسي المقابل لها..كانت وإياه وحدهما على الطاولة..شايا، قلت لي..وكانت كأس الشاي أمامي..كانت المقهى شبه فارغة..كان عبد الحليم يغني : أقول احبك، أقول احبك، أقول احبك، وعيش أحبك، أعيش احبك ، أعيش احبك، يا حياة قلبي..مد كفه وراح يداعب كفها..مدت كف يدها الأخرى وراحت تمررها على فخذه..دفع بكرسيه ليكون أكثر قربا منها..ابتسامتها كانت ملء الأرض والسماء..
قالت له: يا حياة قلبي..
قال لها: أموت احبك ، ياحياة قلبي..
ضمها إليه بشدة وراحا في قبلة طويلة طويلة..
موسق الحاسوب..فتحته..ستعيش 71 سنة وثلاثة أشهر وأربعة أيام و خمس ساعات و28 ثانية..سيعيش 82 سنة وشهرين وثلاثة أيام وست ساعات وسبع ثوان..سيتزوجان ويعيشان معظم أيامهما سعيدين..فرحت كثيرا لسعادتهما..لن أقبض روحيكما ، قلت في سري..لن أعيش حتى ذلك الزمن..لن أعيش..
قبل أن ينهيا قبلتهما الطويلة موسق الحاسوب من جديد ووقعت عيني على الإسم رونالدو الذي وجدتني عنده مباشرة..كان رونالدو شيخا هرما ، حسب معلومات الحاسوب تجاوز عمره الـ 97 سنة بشهور قليلة..أمرت روحه: اخرجي يا روح رونالدو..لكنها لم تخرج.. كررت: اخرجي، لا وقت لي..ولم تخرج..يا إلهي، ما الذي يحدث؟ لماذا لم تخرج؟..
لماذا ترفضين الخروج يا روح رونالدو؟..
فتح رونالدو فمه: ألفتُ جسده..يصعب علي فراقه..اتركني الآن وعد إلي مرة أخرى..
الأمر ليس بيدي يا روح رونالدو..إنه أجلك، ولا راد له..
لن أخرج، قال فم رونالدو بحدة..
نظرت إلي: ماذا أفعل مع هذه الروح اللعينة؟..و..
اخنقْه، قال صوت بزغ من أعلى..ورحت أخنقه..كنت أسمع أنين روحه وأنا أخنقه..بعد لحظات رأيتها تخرج من إبهام رجله اليمنى دخانا أحمر وتطير فراشة سوداء في السماء..
موسق الحاسوب للمرة التي لا أدري كم هي..قرأت الإسم: زهراء..وكنت في أنقرة..
كانت زهراء فتاة بيضاء البشرة خضراء العينين ينسدل شعرها الوهاج على كتفيها شلالات شلالات..
اخرجي ياروح زهرة..
تململت زهرة مكشرة عن أسنان بيضاء منتظمة بشكل مثير..
أعدت: أخرجي يا روح زهرة..
تكلمت زهرة: لن أخرج..
لماذا لا تخرجين يا روح زهرة؟..
أحب جسد زهرة الأبيض..أحب عينيها وشعرها..أعشقها..لن أخرج..
في سري قلت: أنت محقة يا روح زهرة..كيف تخرجين وتتركين كل هذا الجمال الفاتن؟ كيف تخرجين..
لا مشاعر في مهنتك يا طيب..اترك المشاعر خلفك..أنت مكلف بمهمة وعليك تنفيذها بكل صرامة..
و..ندمت على مهنتي تلك..أول مرة يغزوني الندم..لكنني فعلتها.. خنقت زهرة وخرجت روحها دخانا وردي اللون من خنصر يدها اليسرى وتعالت في السماء فراشة قزحية لامعة..
قرأت الإسم: إبراهيم..كان إبراهيم كهلا..خرجت روحه وراحت تشكرني: كرهت جسده المشلول..اشتقت إلى رؤية السماء والأشجار والأنهار والشمس والعصافير والطيور..شكرا لك، شكرا لك ..
موسق الحاسوب: أمامك ساعة ونصف..و..
كانت قسنطينة..رأيتها في مستشفاها الجامعي..سمعت اسمها..كان شفيقة..يا لجمالها..كانت كما يبدو طالبة في الثانوي..لن أنسى أبدا ابتسامتها وهي تحييني وتمسك باليد اليسرى لعمتي المريضة وتساعدني على إدخالها قاعة الانتظار..بين البياض والسمرة كانت..لون البشرة الذي أحب..كان شعرها سواد سنابل قمح تموجها نسائم الصباح..عيناها العميقتان كانتا غابتين من شجر عال داكن الخضرة..دخلت منزلها البسيط..طفلين في مثل جمال الحياة رأيت..كانت امرأة متكاملة الأنوثة..شعرها كان مغطى..دخل زوجها.. غسل يديه وجلس على المائدة..بدا لي موظفا في إدارة ما، أو مدرسا..موسق الحاسوب..قرأت: عمره 41 سنة..أستاذ فلسفة في ثانوية الحرية..اسمه عبد الرشيد..عمره النهائي 85 سنة وخمسة شهور ويومين وساعتين وثانيتين..لن أقبض روحك، قلت له..ولم يسمعني طبعا..
جلس الطفلان..جلست رفيقة..ما تزال في نفس بهائها الشهي ، قلت لي..أكلت من صحنها..كان الرز لذيذا فوق ما أتصور..
موسق الحاسوب..صحت محتجا: أبهذه السرعة انتهت الساعة ونصفها؟..
لا تحتج يا صاحبي..كان عزرائيل يقف بجانبي..
قرأت الإسم: الطيب..فزعت..ظننتني المعني..ضحك عزرائيل طويلا..ما زلت بعيدا، قال لي وغادر..وكنت عند صاحب اسمي..
اخرجي يا روحه..وبكل سهولة خرجت..
كان الطيب شابا جميلا جدا..كيف خرجت روحه بكل هذه السهولة؟ سألت نفسي..جاء الرد من أعلى: وماذا تفعل روحه في هذا الخلاء العربي؟..لقد مات بشكل طبيعي فيما الآخرون يموتون بقطع رؤوسهم بالسيوف أو بالرمي من أعلى البنايات أو بالحرق أو بالاختناق بالغازات السامة أو بالتعذيب في السجون أو بالغرق في أعالي البحار..أو بالقنابل والرصاص ..أو بالحازوق..إنه محظوظ يا طيب..أن يموت بهذه الطريقة فهو محظوظ جدا جدا..وروحه لا يمكن لها أن تكون إلا سعيدة..
موسق الحاسوب: انتهى عملك اليوم..و..
كنت في منزلي..
أين كنت طوال اليوم؟ سألتني..ألست متقاعدا؟..
إنها مهنة جديدة مغرية ومثيرة،أجبتها مبتسما..
لم تسألني عن هذه المهنة المغرية المثيرة..ألقت بابتسامة عريضة علي ، ثم تنفست بعمق: ياااه، أخيرا وجدت عملا جديدا..سأرتاح من ملاحظاتك التي لا تتوقف أبدا..سأرتاح من تدخلاتك في كل شيء..من تنبيهك المستمر لي..لا تبذري الماء..لا تتركي المصابيح مضاءة دون مبرر..لا..لا..سأرتاح من نقرشتك التي لا تتوقف أبدا، أبدا..
سأقبض روحك يا مخلوقة...سيأتي يومك..
تقبض روحي؟ههههههههههه..كيف ؟..صرت عزرائيل وأنا لا أدري؟ ههههههههههههه..
نعم، صرت عزرائيل ، ههههههههه..هاتي العشاء..أكاد أموت من الجوع، هاتي العشاء..
***
على الساعة الواحدة وخمس دقائق وثلاث ثوان بالتمام أيقظني الحاسوب..وجدتني واقفا بكامل ثيابي..لا تعب أعاني منه ولا نعاس أشعر به..
قبل أن آمر روح ميسون الحلبية بالخروج سقط المنزل عن آخره..صعدت روحها وروح كل أفراد أسرتها فراشات ملطخة بالدماء..عليك اللعنة أيتها الطائرة الروسية الغاشمة ، صحت..
وعند إيليا في مدينة أمستردام كنت..نائمة على السرير كانت إيليا..أبعد الطبيب زوجها عن السرير..شفاء زوجتك ميؤوس منه، قال له..لقد أتى السرطان على كل كبدها، أضاف..
غادر الطبيبُ وعاد الزوج إلى السرير..قبل جبينها المحموم ووقف عند رأسها يتأملها ويتصور وضعه ووضع أطفاله بعد فراقها لهم..
كانت إيليا داكنة السمرة..شفتاها غليظتان ، شعرها مجعد..أنفها كان أفطس..
اخرجي يا روح إيليا،قلت آمرا..
لم أنم طوال ليلتي هذه،قالت روحها..اتركني لأرتاح ولو قليلا..
راح الأطفال يبكون: لا تتركينا يا أمي..لا تتركينا..بكاؤهم ذاك شق قلبي..لن أخرج روحها، قلت لي..
لن تخرج روحها إذن، هذا خطأك الأول..لقد خسرت سنة كاملة من عمرك..خطأك الثاني يكلفك خسارة سنتين..الثالث أربع سنوات..إنها متوالية هندسية كما ترى، قال صوت الفوق..
لن أخرج روحها، كررت..
أسرع عزرائيل وأخرج روحها خنقا..
أعدني إلى بيتي، قلت لعزرائيل..وكنت على السرير عاريا بجانبها..
أين كنت؟..نافذة الغرفة مغلقة ..بابها مغلق من الداخل، كيف خرجت؟..كيف عدت؟ راحت تسألني..
معي نسخة من مفتاح الغرفة، أجبت..
ألصقت جسدها بجسدي وراحت تجذبني إليها بذراعها وساقها..ثم..
غاصت في عمق نومها..
اللعنة عليك يا هذه المهنة..اللعنة عـ..
قبل ان أكمل الجملة كان عزرائيل يقف أمامي بابتسامته الماكرة:
تخليت عن عملك إذن..لقد خالفت العقد الذي بيننا..
عقد؟..وبيننا؟..لن أقبض أرواح الناس..لن أقبض أرواح الناس..
لقد استقلت..خذ روحي إذا أردت..
كفها كانت على جبيني: الطيب، مابك؟..أية أرواح هذه التي لن تقبضها؟..يبدوانك قد جننت فعلا..عد إلى نومك..عد..عزرائيل مشغول بغيرك..عمر الشاقي باقي..عد إلى نومك..عد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق