حضر الجامع لأول مرة ومفاتحُ المنزل ما زالت بيده، فقد قرر ان لا يدخله إلا بعد دخوله الجامع . كان شاباً فقيراً متواضعاً. تذكّر ما قاله صديقه وهو يسلمه المفاتيح أثناء توديعه :
" هذا المنزل أمانة عندك، أسكن فيه، فأنت صديق العمر".
شكره لثقته، ودعى له بالسفر الموفق. ثم عانقه عناقاً مؤثراً، طفرت معه الدموع، ساخنة من مقلتيه.
" حافظ على الأمانة ، قد لا أعود قبل عشرين سنة!"
صدى الكلمات لا يزال يتردد في ذهنه، ويبعث فيه شعوراً بالانتعاش.
لأول مرة يشعر بأنّ السماء تفتح عليه أبواب رحمتها. صَلَّى لله ركعتي شكر . وفكر ان يُكثر من الدعاء والاستغفار، وأن يساعد كل ذي صاحب حاجة او عوز، ويواظب على الصلاة في أوقاتها ، وأن لا يفارق الجامع ليلَ نهار.
رفع كتاب الله من احد الرفوف وراح يقرأ ما تيسَّر له .
بدأ المصلون يغادرون الجامع. أما هو فتوجه الى امام الجامع قبل أن يخرج، وقال له:
- اعرف ان الجامع بحاجة الى تبديل بعض مراوح الهواء. مكيف الهواء. فالهواء اثناء التعبد، يديم أجواء التواصل بين العبد وخالقه.
ابتسم امام الجامع وأجاب :
-نعم ، وإذا كنت قادرًا هات ما عندك صدقة.
فكر أن علاقته ستكون جيدة مع إمام الجامع، وهناك في منزله الجديد....الذي سوف يسكنه طوال حياته القادمة، مكيفات هواء ومراوح لاعلاقة لها بأحد!
"سأجلبها غداً قبل صلاة المغرب."
قالها وغادر الى المنزل الجديد. لأول مرة يضع المفتاح في ثقب الباب لينفتح على صالة مفروشة تثير الخدر. جلس يستريح على احدى الكنبات الباذخة.. كل شيء يدعو للاسترخاء والتأمل. وكلّما هم بالوقوف، شعر بالتثاقل. وتحولت الكنبة الى قارب، انفلت وراح يعوم وسط البحر .
ثم رأى احد الملائكة يطوف حوله، وسمع دفق صوته الابوي. وعبقت منه رائحة زكية انشرح لها صدره. لأول مرة يشعر بسكينة مطلقة. ظل مأخوذاً بها كأنه في رياض الجنة .. كان يشعر بالاستحواذ التام، ولم يتجرأ على الكلام أو طلب شيء ما. وبعد هنيهة، أوصاه الملك بأن الأمانة حمل ثقيل، عليك ألا تتهاون بها. حافظ عليها كما هي، ولا تفرط باي شيء منها، ريثما يعود صاحبها .
وقال ايضاً: حتى لو طلب منك الشيخ مروحة هواء او مكيف، لا توافق.
فكّر الشاب أن امام الجامع سوف يزعل كثيراً منه. فرد على الملك: الشيخ لم يطلب مني شيئاً، انا من تبرع له.. وعليّ أن أكون صادقاً معه! غضب الملك لذلك وصرخ به: هل خُلقتَ أنت لتدافع عن الشيخ ام تحمي كلمة الله؟ واختفى.
بعد ذلك رأى نفسه في ركن من الصالة، مشنوقاً في مروحة هواء، تدور بأقصى سرعة.. ثم تقع فجأة ليرتطم رأسه بقوة على أرضية الغرفة.
على صوت منبّه الجرس، فتح عينيه مذعورًا. وسارع الى الباب، ليراه واقفًا أمامه، يحمل حقيبته كأنه لم يفارقه غير ساعات قليلة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق