2021/06/24

قراءة في المجموعة القصصيّة " قهقهة الجدران " للقاصّ المغربي الحسين النّاصري


أن تتوسم مخايل النجاح في شخص مسترشدا بحدسك تارة، ومؤمنا بأن له من القدرات ما يؤهله إلى الوصول إلى المبتغى تارات أخرى... وأن يأتيك الدليل مجسدا على ما لا يحتاج عندك إلى دليل، إلا زيادة في التأكيد، فذلك مجلبة للاعتزاز بمن راهنت عليه ولم يَخِبْ ظنك فيه. كل هذا بينك وبين نفسك، وإن كنت لا تفتأ تلمح إلى ما تكنه في قرارة نفسك كل ما أتيحت لك الفرصة. وتصرح به من باب شد العضد والمؤازرة في ميدان كثر فيه اللغط، واختلطت الأوراق، وعم الادعاء، وتشعبت الطوائف، فبات التشيع "للخلان" والذب عنهم ولو كانوا على "ضلال" سمة لا تسلم منها طائفة. فأصبح "الإسهال" عافية يطبل لها ويزمر، والإبداع " داء" قليلا يشار إلى صاحبه بالبنان . بيد أن القاعدة تقول: إنه "لا يصح إلا الصحيح".

انتابتني هذه "الهلاوس" وأنا أفتح الطرد الذي ينطوي على قصص قصيرة جدا اختار لها صاحبها الأديب القاص الحسين الناصري عنوان " قهقهة الجدران"...
خطاب العتبات
تحظى العتبات المحيطة بالنصوص بالاهتمام نفسه الذي تحظى به النصوص، فالعتبات نصوص موازية لا يمكن إغفالها كيفما كانت حرفا أو لونا أو شكلا، لأنها تدخل في استراتيجية تشييد "نص الكتابة" الذي يبني من خلاله المؤلف معمار المعنى الذي يواجه باستراتيجية أخرى تتسلح بآليات لتفكيك النصوص وإعادة تشكيلها اعتمادا على مبدإ التأويل للوصول إلى بناء "نص القراءة"...
فكل ما وضع من لدن منشئ "نص الكتابة" في مؤلفه يحمل رسالة ما وتكمن وراءه، في إطار استراتيجية البناء، دلالة ما ينبغي على المتلقي مشيد "نص القراءة" اعتمادا على استراتيجية التأويل، أن يقف عندها لاستجلاء ما تحمله من دلالات ورسائل ...
أ)خطاب الغلاف:
يعتبر الغلاف من أهم النصوص الموازية التي تواجه المتلقي قبل ولوجه لعالم النصوص المكونة لمتن الكتاب، فهو عتبة تزخر بعلامات لغوية وغير لغوية ينبغي الوقوف عندها لاستجلاء مكوناتها المضمونية والفنية والجمالية.
يحمل غلاف المجموعةالتي نحن بصددها زخما من العلامات التي تفرض الوقوف عندها لأنها تحيط بالمتن وتحميه وتؤطره وتوجه قراءته من خلال علامات لغوية يمثلها صاحب النص، وعنوانه ونوعه الأجناسي والإطار الذي صدر فيه والجهة التي أصدرته، بالإضافة إلى علامات أيقونية كاللوحة التشكيلة التي تحتل الحيز الأكبر من الغلاف...
1- لوحة الغلاف: تم، على ما يبدو، اختيارها بعناية لأنها ليست مجرد لوحة، بل هي أيقونة تحمل إشارات مهمة بالنظر إلى مبدعها الذي ليس سوى الفنان الأديب القاص الأستاذ " محمد فري" ذي الصولات والجولات في مضمار القصة القصيرة جدا إبداعا وتنظيرا وإشرافا على مواقع تهتم بهذا النوع السردي المنفلت الذي، بالرغم من حجمه المكثف، يشبه جبل جليد يرى رأسه ولا يعلم ما أضمر منه إلا الراسخون في الغوص.
تهيمن اللوحة على حيز الغلاف كله، فالناظر إلى الغلاف سيلاحظ حضور اللوحة في وسط الغلاف بألوانها الأساسية والثانوية، الأزرق بتنويعاته المفتوح السماوي والداكن البحري مع تنويعاته الأخرى الواقعة وسطا بين السماوي والبحري. والأحمر بتنويعاته الوردي مع رتوشات حمراء، لكن الهيمنة تبقى للون الأزرق خاصة السماوي منه. إذا ركزنا على اللوحة المبأرة في وسط الغلاف سنجد أنها هي التي "فاضت" واكتسحت باقي فضائه خاصة من الأعلى ومن الجانبين، ليبقى أسفل الغلاف مخلصا للبياض الذي هو أصل الصفحة التي غرست فيها الألوان الأخرى. يمكن النظر إلى اللوحة الأولى المصغرة بدروبها وأبوابها ونوافذها الموصدة وألوانها المختلفة كنص مضغوط تثوي وراء إطاره الأزرق الصارم دلالات مضمرة ومكثفة تتوق للانعتاق لتسيح في الآفاق الممتدة امتداد السماوات وتغور في الأعماق السحيقة عمق البحار...
2- صاحب النص (الحسين الناصري) يحتل رأس الغلاف، كتب بلون أبيض على خلفية زرقاء داكنة. حضور المؤلف (بكسر اللام المشددة) يحدد شرعية المؤلف (بفتح اللام المشددة)؛ فتثبيت هذا الاسم هو اعتراف علني على رؤوس الأشهاد بأبوته الشرعية، فلا يمكن الطعن في نسب النصوص أو التشكيك في هويته وملكيته وانتمائه لصاحبه انتماء شرعيا وقانونيا بدون منازع...
كما أن حضور اسم المؤلف يلعب دورا إشهاريا بالنسبة له، خاصة إذا كان المؤلف باكورة إنتاجه، اسمه يدعو القراء إلى التعرف عليهما وذلك بشراء الكتاب وقراءته.
3- قصص قصيرة جدا: تحديد النوع الجنسي الذي تنتمي إليه نصوص المجموعة؛ فهي تندرج ضمن الجنس السردي نوع القصة القصيرة جدا. فالميثاق التجنيسي بين المؤلف والمتلقي محدد. فمن سيقرأ هذه المجموعة لابد أن يلتزم بضوابط الميثاق السردي والنوعي. فلا يمكن قراءة الققجات الواردة في المؤلف بمعايير الشعر أو الرواية...
4- ("جائزة غاليري الأدبية" "دورة العربي بنجلون"): هذه العلامات تلعب دورا في تحديد الإطار والحيثيات اللذين صدرت فيهما المجموعة... هذا الملفوظ يعزز مكانة المؤلف ومؤلفه. احتلاله الرتبة الأولى وفي مسابقة أدبية باسم رمز من رموز الأدب المغربي... " دورة العربي بنجلون". لا يخفى الجانب الإشهاري أيضا لهذه العبارة...
5- العنوان: يعتبر العنوان علامة جوهرية في صفحة الغلاف لذلك كتب بحروف مغايرة حتى يثير أنتباه المتلقي وقد حدد جيرارجنيت وظيفة العنوان في أربع رئيسية يمكن إجمالها في ما يلي:
+)وظيفة تعيينية: "قهقهة الجدران" هو عنوان المجموعة الذي تعرف به هذه المجموعة بين غيرها من المجموعات، فهو يشبه اسم العلم الذي يعرف به الشخص بين الناس...
+)وظيفة إغرائية :العنوان يلعب دورا إغرائيا تحفيزيا يدفع المستهلك إلى اقتناء الكتاب...
+)وظيفة وصفية: العنوان هو علامة أولى في طريق اقتحام فضاء المجموعة، من المعاني الأولية التي تتبادر إلى ذهن المتلقي القهقهة وهي التمادي في الضحك بصوت مرتفع، لكن هذا الفعل نسب للجدران وهي جماد لا يضحك ولا يقهقه،هنا نسب الفعل لغير فاعله الحقيقي. نحن إذا أمام نصوص تراهن على لغة انزياحية مختلفة عن لغة التواصل. فالمتلقي ينبغي أن يستعد لتلقي نصوص تحتاج إلى عدة معرفية وإجرائية متنوعة: لغوية، بلاغية، أدبية فنية وجمالية لاقتحام عالم "قهقهة الجدران"
+)وظيفة إيحائية: هنا يتم تجاوز المستوى الأول والمعنى السطحي للعنوان، لأنه يحدث إرباكا للمتلقي بسبب عدم الانسجام بين مكوني العنوان غير المتلائمين فالجدران لا تقهقه، فنحن مطالبون بخلق الانسجام والملاءمة الغائبة ظاهريا وذلك باللجوء إلى المعرفة البلاغية. فنحن امام معنى مجازي وهو غير المعنى الحقيقي. إن القهقهة فعل يقوم به الإنسان على سبيل الحقيقة، لكنه في العنوان نسب إلى الجدران من باب المجازالذي علاقته المشابهة. شبه المؤلف الجدران بالإنسان في القهقهة فحذف المشبه به وترك ما يدل عليه (قهقه) على سبيل الاستعارة المكنية. (قهقهة الجدران) ما قصده المؤلف هو معنى المعنى أو دلالته غير المباشرة وهنا سنلجأ إلى السياق الذي وردت فيه هذه العبارة وهو الاستهلال الذي صدر به المؤلف مجموعته:" إني أسمع ما لا تسمعون.. إني أسمع قهقهة الجدران عند كل عتبة وقفلة.. فأذرف دموع غربتي مدادا." الحسين الناصري.
المؤلف مقتنع أن المبدع يسمع ما لا يسمع، ويرى ما لا يرى... الخروج عن المألوف هو ما يراهن عليه المؤلف. يسمع قهقهة الجدران عند كل عتبة وكل قفلة. لم تقهقه الجدران؟؟ وبالذات عند كل عتبة (بداية النص) وكل قفلة (نهاية النص)، القهقهة فعل يقوم به الإنسان في موقف الاستهزاء والتهكم، تتهكم الجدران وتستهزئ من نصوص لا تمت بصلة ل " ققج". نسبة القهقه إلى الجدران فيه إيغال في الاستهزاء والتهكم بشكل مأساوي ما يجعل الكاتب يشعر بغربة تذرف دموعا على الورق. نحن أمام نصوص تترجم غربة الكاتب وغربة نصوصه ذاتها في عالم يسوده القبح والرداءة لايملك إلا سلاح الكلمة لمواجهته وبناء عالم الجمال ...
ب) الإهداء:
أهدى المؤلف هذه المجموعة إلى كل عاكف في محراب الكتابة يتقي القبح ولو بشق كلمة.
من فرضيات القراءة التي نطرحها من خلال العتبات أعلاه :
- نحن أمام نصوص مميزة حصلت على الجائزة الأولى...
- لغة النصوص مميزة تراهن على الانزياح والخروج عن المألوف
- من رهانات المجموعة تفكير الكتابة في ذاتها بناء على تصور مغاير لما هو سائد.
- الكاتب يراهن على فئة من الكتاب الذين يشتركون معه في محاربة القبح والرداءة والتفاهة، بكلمة واضحة يراهن على كتاب ملتزمين مسؤولين يجعلون من الكلمة وسيلة لنشر قيم الخير والجمال ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق