2021/05/25

المستذئب


 ذات مساء شتائي، جلستُ في المقهى التي تطل على الشّارع الرئيسي للمدينة. الواجهة الأمامية، زجاجية محكمة الغلق، الأبواب مشرعة ومعظم الجزء العلوي أو كلّه عبارة عن فتحات خصّصت للتهوية. لم تبخل نسمات المساء بإنعاش صدري، متسللة من بين أزرار قميصي، فأحس بها باردة منعشة.

تكاد المقهى أن تغص بالزبائن. يوجد رجلان إحتلّا مقعديهما في إحدى الزوايا، تبدو على وجهيهما سحنة الغضب وعدم الارتياح، أحدهما يُخفي سلاحًا تحت سترته، ويميل إلى التظاهر به بين لحظة واُخرى. الآخر يبدو طبيعيًا، ومتكتمًا. وجود الاثنين معًا، يثير قلق الزبائن و هواجسهم.
خيّم الظلام بسرعة، وراح بعض الزبائن يغادرون المقهى مستغلين الليل. بينما ظل الباقون يتبادلون نظرات الاستغراب، وسط جو مشحون بالصمت، والترقب.
انارت مصابيح الشارع واجهة المقهى. وكشف الضوء على مسافة أمتار، كلبًا مقعىً على قائمتيه الخلفيتين، يلعق بأطرافه الامامية،وكلما لمح أحدًا حرك أذنيه الى الأعلى وأخرج صفيرًا كالشخير.
وكما هو الحال مع الآخرين، سيطر علىّّ بعض التوجس، و بجفاف في فمي. ناديت العامل، وطلبت منه كأس ماء أو مشروب غازي أو أي شيء آخر. وكنت أخشى من إثارة الانتباه. سواء بسبب الرجلين أو بسبب الكلب. لكني استدرت باتجاه الكلب كغاية أهم.
نظرت اليه نظرة طويلة. فقد تذكرته مُذ كان جروًا صغيرًا. تذكرتُ ملاطفته وحركاته البهلوانية بالقفز والتمادي. لكنه ما لبث أن كبر بسرعة. وقوتْ عضلاته. وصار يتعرض للمارة، يقف في طريقهم، يفاجئهم. ويتعلق بأذيال الكثير منهم، يصعد على أكتافهم، ويثير فيهم الرعب. ثم تطورت حالته، فأصبحت أكثر اثارة، بسبب الحركات الشاذة التي تصدر تباعًا عنه. مما جعل المارة يتجنبون الاقتراب منه. وصار بنظرهم غريبًا فأطلقوا عليه "الكلب الشاذ ".
هذا هو نفسه، الكلب الذي أمامي الآن، أرى وميض عينيه عن قرب ، واسمع شخيره المتقطع وهو مستلق تحت ضوء الشارع.
انتبهت الى عامل المقهى وهو يقترب مني. وضع أمامي زجاجة عصير وكأس ماء، وأنا سارح أفكر بتاريخ الكلب وعائلته. توجد الكثير من الكلاب، لكن لا أحد يهتم بتاريخها، ربما يكون الأمر مختلفًا في أماكن أخرى من الأرض فأصل الكلاب هامًا على امتداد التاريخ. لعلاقتها مع فصيلة الذئاب التي عاشت في شرق إفريقيا والشرق الأوسط ثم استوطنت بعد الهجرة إلى أوروبا، في المناطق القريبة على القرى، وأخذت تتقرب من الإنسان لحاجتها إلى الغذاء. لذا تم توطينها منذ ذلك الوقت. فكان هذا الكلب من سلالتها.
أحاط الرجل المسلح كتفي صاحبه؛ وهمس بإذنه. بينما كنت أنا أتطلع إلى الكلب. اركّز عليه. أراقب حركاته. أرصد سلوكه. فقد استحوذ عليّ ذلك، رغم وجود رجلين خطرين بالقرب مني.
رد صاحبه بصوت مسموع:
-اطمئن. سوف لن يفلت منا!
بدت نظرات الاستغراب والدهشة على وجوه الزبائن، أدركوا عن قرب رائحة العنف. فأخذوا يتساءلون: ماذا يبيّت لنا هذان الرجلان!
واصلت تطلعي بالكلب، وقد شدَّني اليه كل ما هو غريب وغير مألوف. وبات مثار اهتمامي ورعبي بنفس الوقت، بسبب ذلك البريق الذي ظهر فجأة ينبعث من عينيه، وهو يدفع ببوزه قليلا الى أمام. حول رأسه بعد ذلك ظهرت هالة شبه دائرية، وبدى ذيله أكثر انتفاخًا. وأخذ يصدر فحيحًا متقطعًا يعقبه عواءً شبه ممطوط. بعد وقت قليل، لمحتُ في عينيه شعاعًا أحمرَ اشعرني بالدوار، تسارعت ضربات قلبي، وتعلقت أنظاري بالدائرة الحمراء وقد تمطّت من الجانبين وانشطرت إلى نقطتين خيّل إليّ كأنهما عينا ذئب. تحيط بهما حلقة كثيفة من الشعر. برز اسفلهما نتوءان لونهما أبيض كنابي ذئب. لا أدرى ِلمَ تجسدتْ لي هيئة الذئب في تلك اللحظة؟
فكرت:
ربما استذأب هذا الكلب!
انتبهت لانقطاع التيار في الشارع. وفرغ المقهى من الزبائن تقريبا. غادر الرجل المسلح إلى جهة مجهولة. وبغيابه أطبق صمت وغموض. لم أعد أسمع جلبة العامل. وشعرت بحقيقة وجودي بمفردي في المكان. لجأت أواصل المراقبة بشغف كحيلة للتخلص من وحدتي.. جذبتني حركة النقطتين الحمراوين وهما تطوفان باتجاهي في الظلمة..شعرت بشيء غريب ينفذ بقوة إلى ذهني، ويمنحني الكثير من الخمول والكسل. حاولت أن أصمد أطول مدة. كنت تواقًا لمعرفة ما يحصل له. الا ان المكان بدأ يحاصرني ويضيق بي. النقطتان اخذت تومضان كعيني ذئب.. لم أقاوم وميضها ، احتميت بكفّي وردائي خافضا رأسي إلى أسفل.. اتطلع من شقٍ بسيط بين أصابعي. اقتربتْ النقطتان الحمراوان فزادتني ارباكًا، وأحسست بشبح الكلب يطاردني.. حاولتُ ان انهض..خذلتني قدماي وضعفت مقاومتي، وخطر لي بأن الكلب ربما سيلعقُ من دمي فأستذئب.
فكرت بفعل ما..أردت أن أجد مهربا مما يكُتم انفاسي.. لكنني لم أستطع فعل شيء سوى الترقب.
انعدمت الرؤية، وانقطع التواصل مع الكلب..صارت الرياح في الخارج تعصف بأغصان الشجرة القريبة.. سمعت عواءً متواصلا.. تلا ذلك صوت رشقات من المطر.. فاضت الأرض. ولم أر أي أثرًا للكلب بعد ذلك.
ظلَّ شبح الكلب يطاردني وانا في مكاني.. شعرت برغبة في البوح لأحد.. أي أحد..لكني لم أجد هذا الأحد.. الجميع غادر المقهى ما عدا الرجل الذي أربكني غموضه..كنت حريصًا على متابعة ما يحدث.. رشقات كثيفة على زجاج النوافذ العليا..سالت المياه نازلة بسرعة على أرضية المقهى.
فجأة، لمحت شيئًا هناك.
لقد عادت النقطتان تظهران من خلال فروع الشجرة.. وميض يتوهجَ قبالتي ويسطع في عينيَّ.. ألم في رأسي..رافقه صداع أخذ يتصاعد بسرعة.كنت أنظر دون ان أميّز الأشياء.. في الخارج ، كانت العاصفة قد هدأت، فتوقف المطر. ألقيت نظرة خاطفة من الزجاج، شاهدت لمعانًا على الطريق، حوّلت نظري إلى الداخل. ما زال الرجل الغامض في مكانه. دفعتني رغم اضطرابي رغبة في التحدث معه، إلا أنه أشاح بوجهه بعيدًا. وكنت قد رأيت النقطتين الحمراوين، قد التصقت بوجهه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق