كنت ما أزال طفلا حين سفَّرتني بعيدا..قالت لي وهي تجلسني بين جذعي النخلة والزيتونة:انتظرني هنا..لن أغيب كثيرا..
ولأنني كنت متعبا فقد نمت..
أتذكر أنني لم أجدها بجانبي حين صرخت الريح فيَ وأيقظتني..كان الوقت حينها ظلاما دامسا..
خائفا وقفت..ولم أعرف أي جهة أختارها لأسير..
أتذكر أنني كنت أصيح باسمها وأدور حول النخلة، تارة، وشجرة الزيتون ،تارة اخرى، ضائعا والعطش والجوع يعصرانني..
وحين بح صوتي عدت إلى الجلوس ورحت أبكيني غزيرا..
أسألني الآن: لماذا يا ترى سفرتني إلى هناك وتركتني؟
***
في نومي بين جذعي الشجرتين رأيت الغيمة تحط فوقي وتحملني عا ليا عاليا..الغريب في الأمر أنني كنت سعيدا حد الثمالة..كنت أغني وأصفق..
في غنائي ذاك قلت للغيمة: صبيني مطرا فوقها
واجابتني الغيمة مبتهجة: سأصبك فوقها، سأصبك..
لكنها اللعينة خدعتني..بدل أن تصبني مطرا جمدتني وألقت بي فوق قمة جبلها..
مرعوبا ومرتعدا وجدتني ،ولم أجد شمسها لتدفئني..
***
بعد لحظات غلبني النوم من جديد..
سأحملك في طريقي وأوصلك إليها، قالت الريح لي..وراحت تزوبعني..
ولا ادري كيف صيَّرتْني رملا..
كنت أعلو وأعلو..وكان العطش والجوع يعلوان معي..
أينها؟ سألت الريح..
هي هنا، انظر، ردت الريح علي..
ونظرت..رأيت المكان صقيعا، ورأيتني فيه..ورأيت الريح تتركني وتغادر..
رمل أنا، همست لي، فأين صحرائي؟..أين بحري؟..
فزعا وجدتني أحضن جذع الشجرة الزيتونية بكل قواي، ثم انتقل إلى الشجرة النخلية وأحضنها بنفس الكيفية..ولم أجد شمسها أيضا لتذيب صقيعي
***
في نومي الأخير رأيتني أتدحرج على السفح الجبلي..
أسفلُ الجبل كان كهفا مظلما..وكنت فيه..كنت وحدي أسمع الذئاب تعوي..ولا ادري لماذا احسست بجوعها..
من أعلى كان نعيق الغربان يداهمني..ولم أشعر بأي خوف..لم ترتعد رجلاي وهما تسيران وحدهما..ولا يداي وهما تحملانني عضوا تلو العضو وتخرجانني ..
فقط،أتذكر أنني حين اكتملت صرت أنا..
فتحت عيني ..وجدتني..ولم أجد شمسها بجانبي..تمرا كانت يدي اليمنى..يدي اليسرى كانت زيتونا..
رفعت رأسي..الشجرتان ما تزالان في مكانهما تنظران إلي مبتسمتين..
نظرت أمامي..بعض بصيص نور رأيته يتقدم نحوي من بعيد، من بعيد..
خاطبت الزيتونة سائلا: أيتها الزيتونة، يا أمي، أهي ذاك النور الذي أرى؟..
استدرت إلى النخلة: أيتها النخلة، يا أمي، أهي ذاك النور الذي أرى؟..
لم تجبني الزيتونة ..
لم تجبني النخلة..
لكن عصافيرهما راحت تزقزقني..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق