يحتفل سقف غرفتها بزخّات المطر الغزير. تناهت نغامته إلى أذنيْها في استئناس لطيف. فتكوّرت تحت غطاء قطنيّ ناعم ترحّل لفرح جنين مريد. رنّ هاتفها المحول مرّة و مرّات معلنا ساعة النّهوض. لم تقو على قطع الرّنين. تركته يرسل ما يشاء من تنبيه و تذكير ازدادت إيماناً بوسادتها وأحلامها... تعالت المآذن بالفجر الوليد. كلّ الجهات باسم الله تلهج وتزيد. فتمدّدت في عناء تستزيد راحة الفجر الشّتويّ الوليد. فتسرّب الهواء البارد إلى جسدها النّحيل. أحسّت بمشّقة اليوم التي تنتظرها. انتبهت للمطر المسترسل على السّطح. فخمّنت ما ينتظرها من شقاء لبلوغ المرسى ومصافحة تلاميذ الرّابعة آداب. ماذا ستحدّث عن عمر الحمزاوي وعن الشّحاذ. لا تعرف لم استغفرت و سرعان ما بسملت و غادرت الفراش واضعة الجزوة لتعدّ قهوة مرّة تليق بالصّباح. يزداد تساقط المطر، ويتأخّر الضّياء . شربت القهوة على عجل . ارتدت المعطف الياجوريّ و الحذاء الأسود الجلديّ ذو الكعب العالي بعد أن تفقّدت محفظتها واطمأنّت على أدواتها وحافظة نقودها. التحقت تحت مطريّة منقّطة بمحطّة حافلات متروكة. لم تر رفيقات درب الصّباح من العاملات. أخبرها نادل المقهى المجاور أنّ عمّال شركة النّقل مضربون ! شكرته،
و انصرفت تبحث عن تاكسي، فلا حياة لمن تنادي. انزلقت مع الطّريق نحو محطّة المترو الخفيف 3(أوت) بالورديّة، تتبّع الضّياء يرافقها المطر. أنهكها الوصول دون أنيس غير الهواجس و الحاجة لأجرة هذا اليوم الوليمة. الخميس تدرّس ستّ ساعات في معهد خاصّ . وليمة الأسبوع من أجرة تخبر بضيم المستثمرين في قطاع التّعليم. بلغت المحطّة و الماء يحتفل بالماء؛ برك بالطّريق و بالمترو نزلت بمحطّة برشلونة إذ تعطّلت حركة المترو بسبب الأمطار. تعبر شارع فرحات حشّاد إلى محطّة الأرتال بتونس الشّماليّة. تحتفل السّوق بالماء المتناثر على الملابس راسما دوائر تتواسع شيئا فشيئا. تهمّ بمسح ما تقاطر على محفظتها فيشدّ عمر الحمزاوي بيدها يذكّرها بالخواء. يغور الماء ويلفظنا زبدا.
تسرع نحو القطار المعلن انطلاقه .ترتقي العربة الثّالثة و تنتحي ركنا مطلاّ على اليسار؛ البحيرة و كراكة حلق الوادي. تمرّر لحظها على الوجوه التي تشاركها العربة. فتكاد تكون وجها واحدا. تصرف وجهها عن وجوهم حتّى انشغلت باللّون الأخضر المائيّ الذي يغطّي مياه "التي جي م" ،جالت بنظرها عند الأطراف حيت تلوح منطقة البحيرة الفاخرة انكسر النّظر فاستقر بكراكة حلق الوادي، عندها انتبهت إلى صلصلة التقاء الحديد بالحديد المتباطئة. توقّفت الحركة بالمرسى الجويّة . نزل ناس و ركب ناس .سبقت ضجّة امرأة في العقد الخميس صورتها. استقرّت بالمقعد الشّاغر حذوها. وهي تهمّ بالجلوس تكزها على فمهما. فتطلب في برود العفو. لم تردّ عواطف نظرت إليها في قرف. الهتاف يسبق الهتاف. كلّ الألسنة تردّد صور الأمس النّاسّ يرفضون كلّ شيء. تجمّع الأطفال مطالبين بحقّهم في اللّعب، تجمّع العاطلون و المعطّلون الشيب و الشّباب يطالبون بما لم يطلبوا... تجمّع العمّال يطالبون بتسويّة وضعيّة أو زيادات... أصوات العاصمة تنقل أصوات الدّاخل. المرأة الكهلة تروي حاجتها في قنوط. تستدير نحو عواطف تطلب سمعها.
قالت: " منذ ثلاثين عاما وأنا بهذا القطار لألتحق بمنزل سيّدة ثريّة بالمرسى، هناك أجد الباب مفتوحا. أنسحب منه انسحابا إلى المنزل لأغسل و أرتّب و أطبخ الغذاء و العشاء.
ثمّ أجد المقابل اليوميّ لهذا الجهد فوق طاولة خشبيّة صغيرة بغرفة خلفيّة بالحديقة. هناك أغيّر ثيابي. أنعم بنصيبي من اليوم دون أن أنسى شكر وليّة نعمتي التي لا أراها. ثمّ أمضي إلى المحطّة لألاقي ابنتي و ابني في المساء بما تيسّر من الرّضا و الأمل.
- وزوجك؟
- منذ ثلاثين عاما تركنا و مضى حيث لا ندري. ابنتي الآن متزوجة تشاركني المنزل الذي ورثته عن أمّي. و ابني هاجر إلى ليبيا.
- و أنت؟
- معلّقة. لا متزوّجة و لا مطلّقة.
- و...
- في الهمّ لي ما أختار "حشّاك" . لا شيء يسترعي الغرابة أو الشّكوى. لمن سأشكو حاجتي؟ "أمّي في الجبّانة و سعدي راقد رقاد الهانه." الحمد لله وجدت من سترني . وكبّرت بنيّتي و وليدي. وما مددت يدي لأحد.
خلّيك. من هي التي لم تشك هجر "شاشيتها"؟ خليك يا طُفْلة .
من المرسى للمرسى عرفت نساء بمقدار شعر الرّأس كلّ واحدة ذاقت الهجر بطريقة أو أخرى. حتّى "مانويلا" سيّدة الفيلا هجرها سي عبد السّتار. تركها إلى حضن راعيّة ببني مطير تصطاد غزلان الفايجة... حتّى وسيلة بورقيبة روى المرسويّون مأساتها حين هجرها الرّئيس...
- خَلّيني بربّي حتّى بنت الرّئيس هجرها صخر. ويشهد المرسويّون ذلك...
حتّى شيبوب هرب. و خلّى بنت الرّئيس. بنت الرّئيس لم تسلم من الجرب الذي أصاب الرّجال الهروب.
تواصلت صلصلة القطار حتّى بلغت محطّة المرسى كرنيش.
نزلت هاربة من القرف. عند باب المعهد قهقه الحمزاوي و المطر زخّات زخّات:
- مكث الزّبد و ما نفع النّاس هرب جفاء.

قصة جيّدة جدا
ردحذف