1-على هامش (قصة القصص):
حين تتخلق لديك الرغبة فكرة مبهمة غير واضحة المعالم سنة 1961، وتصبح تلك الرغبة جنينا مكتملا قد كسيت عظامه لحما موسم 72-73 ، وتبقى الرغبة ذاتها تطاردك بإلحاح لتجد نفسها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي هيفاء مغناجا متربعة على عرش صرح يقام له ويقعد آنذاك اسمه الاتحاد الاشتراكي. ومع مرور الوقت تكثر مشاغل الحياة فتخفت تلك الرغبة قليلا أو كثيرا، بيد أنها ظلت تحت الرماد تخبو طورا وتشتعل جذوتها طورا آخر. وقد تكونت مع تعاقب السنين وتواتر الرغبة والشغف ، ولو في ثنايا الزمن الضائع، درر متناثرة قيض الله لها فلذات كبد لففنها في قماط الدهشة والإعجاب، وتواطأن مع ربة البيت على نفض الغبار عنها ورعايتها رعاية الأم والأخوات بكل ما يملكن من شغف فأفردن لها باحة من العطف والحنان تحت مسمى ( قصص أبي ) فرعينها حق رعايتها حتى خرجت مكتملة الأنوثة تفيض جمالا وبهاء. لكم أن تتصوروا قصصا قطعت هذا المسار كيف ستكون بين قريناتها؟ إذا كان بعض شعراء الجاهلية يسهرون على رعاية قصائدهم وتنقيحها حولا كاملا، فنالت بذلك الحظوة فسميت ب"الحوليات " لبيان تميزها وفضلها على سواها. فبم سنسمي قصصا تلكم كانت مسيرة تخلقها وتكونها واكتمالها؟ ما بين انبثاق الرغبة والشغف 1961 و الولادة 2021 سنة تداولها بين أيدي القراء ، ستون حولا؛ إنها بكل بساطة الستينيات المعتقات.
2- التعريف بالمجموعة:
(لذة الكلام ) مجموعة قصصية للقاص سالم الغزالي المزداد سنة 1954 بمنطقة هوارة إقليم تارودانت، تدرج في أسلاك التعليم فبدأ مدرسا بالسلك الابتدائي فالإعدادي والثانوي وختم مساره المهني مراقبا تربويا (مفتشا) لمادة اللغة العربية. انتسب إلى كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط وتدرج في أسلاكها إلى ان حصل على دكتوراه الدولة سنة 2005.
صدرت مجموعة (لذة الكلام ) في طبعتها الأولى سنة2021 في كتاب من القطع المتوسط، وتضم عشرين قصة متفاوتة الطول والقصر، تصدرها تقديم كتبه القاص وعنونه ب (قصة القصص) يكشف من حيث مبناه ومعناه عن شغفه بهذا النوع الأدبي منذ مدة طويلة، ولم تخرج باكورة هذا الشغف إلا بعد زمن طويل من التقليب والتنقيح، ومد وجزر في ذلك الشغف ذاته.
3- مكونات الخطاب السردي في المجموعة:
تتنوع عناوين القصص فتأتي تارة نكرات (موعد، حلم، اعتدال...) وتارة تكون معارف ( القرد، الشاعر، المشروع...) وتارة أخرى تصاغ في شكل مركبات تامة أو ناقصة (بعض ما وقع للرحماني النجار – البحث عن لحظة فرح- التجربة الأولى – لذة الكلام...). ومعظم العناوين بالعربية الفصيحة إلا واحدا جاء بالفرنسية المُدرَّجة (الشاف). والعناوين تبدو من نظرة أولى محيلة إلى اليومي والاعتيادي في حياة الإنسان . وهي في مجملها لا تركب عنصر الغرابة ولا الاستفزاز المباشر للقارئ أو المبالغ فيه. وكأني بها عناوين تدعو قارئ نصوص المجموعة إلى التحلي بالهدوء والتريث لقراءة النصوص المعتقة لاستكناه غورها ومعرفة ما يكمن في قرارها.
لا يمكن لقارئ هذه القصص أن يقرأها دون أن تستوقفه لغتها المميزة. إنها لغة رصينة متينة تنساب بهدوء وسلاسة منقادة للكاتب طيعة بين يديه يشكلها كيف ما شاء لتنقل ما يرمي إلى التعبير عنه بوضوح دون تقعر ولا إبهام. وهي بالرغم من ذلك لا تسقط في التبسيطية الفجة، بل تستظل بأفياء السهل الممتنع. كل لفظة وضعت في مكانها الملائم . وكل جملة مرتبطة مع غيرها بما يناسب من الروابط اللفظية والمعنوية... وهي لغة تتسم بالحوارية، بمفهومها عند باختين، تنم عن المستويات الاجتماعية أو المهنية أو الثقافية أوالسياسية للشخصيات . كما أنها لغة منفتحة على لغة المجتمع العامية تمتح منها بعض الألفاظ (مثال ذلك هذه الكلمات: مخّضني- ما مساليش- قْمنتي )، أو الأمثال الشعبية ( لأنك لست رائحة الشحمة العالقة في الساطور)...
وتيمات المجموعة متنوعة ترصد تحولات المجتمع في بنياته العميقة، فقد أظهرت قصة (القرد) التحولات البنيوية التي عرفها المجتمع القروي في سبعينيات القرن الماضي وتحوله من نظام إنتاج فلاحي تقليدي إلى نظام فلاحي عصري يعتمد على الآلات ورؤوس الأموال التي ضختها مؤسسة القرض الفلاحي في جيوب الفلاحين دون أن يواكب ذلك تغيير في العقليات فكانت النتائج في بعض الأحيان سلبية. كما رصدت التحولات السياسية في مرحلة التداول التوافقي على السلطة خلال أواخر تسعينيات القرن، قصة ( المدينة العملاقة). وقد تناولت قصص المجموعة قضايا من صميم الحياة اليومية كالشعوذة، البيروقراطية، التعليم ، عطالة حاملي الشهادات، ظاهرة الجلوس في المقاهي، التقاعد، أزمة الثقافة ... وفي تناولها لهذه القضايا لم تكن القصص محايدة بل ركبت مركب النقد غير المباشر بعيدا عن الخطابة والتسطيح والمباشرة.
أما بناء القصص ، إن جاز لنا أن نحكم عليها جملة واحدة، فنقول إنها بنيت بعناية وفق النمط الكلاسيكي للقصة القصيرة حيث تبدأ الأحداث بسيطة فتنمو وتتطور لتسير نحو لحظة التنوير. مع اختلاف بين القصص ذاتها من حيث الطول والقصر، ومن حيث الدخول في التفاصيل والجزئيات التي ينوء بها أحيانا كاهل القصة القصيرة المندورة غالبا لخاصية التكثيف. غير أن الإطناب الذي يسم بعض القصص يبدو مبررا وفق منطق سيرورة الأحداث الخاصة بكل نص على حدة.
أسند القاص مهمة سرد الأحداث إلى سارد عليم، في معظم القصص، يمسك بخيوط السرد كلها مع اختلاف بين القصص في مدى هيمنة السارد وحجم معرفته وتدخلاته. يحكي غالبا بضمير الغائب. ينوع في سرده بين الحكي والوصف والحوار. وقد يطول الحوار فيصبح عبئا ثقيلا على المتلقي خاصة عندما يدخل فيه المتحاورون في حوارات فكرية أو فلسفية أو عبثية قد تشوش على انسيابية السرد وجماليتة .وقد تفرض طبيعة القصة نوع الحوار وطوله أوقصره.
تتحرك شخصيات قصص المجموعة في فضاءات متنوعة مدينة عملاقة أو مدينة بدون تحديد صفتها. وقد يكون الفضاء قرية زحف عليها التغير... وقد يكون الفضاء مقهى أو بيتا أو مقر عراف... أما أن زمن وقوع الأحداث فهو إما صيف أو شتاء، ليل أو نهار...من حيث زمن السرد فهو خطي يسير وفق منطق الأحداث في الغالب، متسلسل يتحكم فيه السارد. وقد يكون استرجاعا يتداخل فيه الماضي والحاضر..كما ظهر في بعض القصص الزمن النفسي...
أما الشخصيات في القصص فهي تتسم بشيء من الغرابة والسلوك " الشاذ" غير المعتاد، من فئات اجتماعية متنوعة ، ومن مهن مختلفة منهم الوظف والمتقاعد والفلاح والحمال... والشخصية في قصص المجموعة عنصر أساسي في دينامية الأحداث ونموها وتطورها...
مثال ذلك شخصية المضيف الذي يلح على ضيفه أن لا يتأخر عن موعد الدعوة، فإذا بالمضيف يتغيب عن بيته لساعات مما أثار مخاوف زوجته وضيفيه، فخرجوا للبحث عنه ولما أعياهم البحث عادوا إلى البيت ليجدوه يشرب القهوة ويتابع مباراة في كرة القدم... هذا الأنموذج من الشخصيات يسلمنا إلى ملمح مهم من ملامح هذه المجموعة القصصية ، واظنه عنصرا مشتركا بين معظم القصص وهو ميسم تميزها في نظري وقمة تفردها وجمالية بلاغتها ألا وهو السخرية.
4- بلاغة السخرية في قصص المجموعة:
بعد قراءة نصوص المجموعة وصلنا إلى أن البنية العميقة لكل النصوص يحكمها نسق السخرية. ولا نقصد بالسخرية الضحك المجاني أو التهكم بغرض إفراغ كل شيء من محتواه والدوران في حلقة مفرغة للوصول إلى السلبية والعدمية. ولكن المقصود هو" النظر إلى السخرية الأدبية باعتبارها وسيلة اختبارية لمشاكسة كل صور الجمود والغفلة والنقص والاستبداد وتستفزها، وثورة على كل ما يشيء الإنسان ويخفي أو يلغي قدراته المبدعة وسعيه الدائب للتحرر." إن السخرية عندما نتأملها في عمقها هي آلية دفاعية ضد القهر مهما كان مصدره، أي قلب الموقف المأساوي عن وعي مع سبق الاصرار والترصد إلى النقيض أو اللامبالاة وهذا ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات. أ- لذة الكلام:
قراءة نصوص المجموعة سمحت ببناء نسق من العلامات يشكل زمرة من الكلمات الدالة على الكلام سواء باستعمال لفظة الكلام أو مشتقاتها أو مرادفاتها ( الكلام، أحكي، الثرثرة، قراءة، يتحدث، الكلمات...) نسق دال على التمظهر الشفوي للغة.
في قصة (حلم) في حلم يجد مواطن نفسه مرغما على أن يكون رئيسا للوزراء، طلب ورقة وقلما لكي يكتب ليعلم الناس أنه مر من هنا، لكنه يصبح محط سخرية لأنه لا يفهم أن رئيس الوزراء (منزه عن الكتابة... مندور للكلام). تنبع السخرية في هذه القصة من قلب الأمور إلى النقيض وهي سخرية بليغة فيها انتقاد لاذع لا يخفى على قارئ.
في قصة (لذة الكلام) يرى الأستاذ عباس كابوسا يجد فيه نفسه في محاضرة عن الالتزام، فأصر على أخذ الكلمة لأنه يعرف أن المحاضر لم يكن صادقا، أخذ المكروفون بالقوة، ولما هم بالكلام احتبست الكلمات في صدره. أزعجه ما رأى فبحث عمن يستمع إليه، زوجته رفضت مفضلة الكلام مع نفسها. الحلاق "أمير الشفوي" وجد دكانه مغلقا، فاتجه إلى المقهى. في هذه القصة سخرية بليغة مبنية على مفارقة مفادها أن الكل يتكلم بل هناك من يرى أن (الثرثرة نعمة) يستفيد منها المخبرون، السماسرة، المنتخبون الجماعيون...إلا الأستاذ عباس الذي ينطوي كلامة على ما هو مختلف لذلك أصابه العي، ولم يجد من يستمع إليه... لتتحقق لذة الكلام لابد من مستمع. المحاضر يتحدث عن الالتزام وهو كاذب، أم هانئ تكلم نفسها، الحلاق يلون كلامه حسب زبنائه (أمير الشفوي). والأستاذ عباس لا يجد مستمعا يكلمه فاتجه إلى المقهى ...
في قصة (كلام) يفاجئ رئيس المجلس البلدي السارد بأن وعوده للمواطنين "مجرد كلام" فيصمت متأملا ما قد قيل من كلام...السخرية حصلت بالصدمة المفاجئة وكسر أفق انتظار السارد المشترك مع رئيس المجلس البلدي في الانتماء الحزبي،خيبة أمله ستتحول إلى صمت وتأمل عوض التعبير عن الرفض للتناقض البين في سلوك ذلك المسؤول الحزبي .
لذة الكلام = الكذب، تحقيق المصالح الذاتية، التلون والممالاة (أمير الشفوي)، النفاق، التوازن النفسي. الثرثرة نعمة. الكلام سلطة وقوة، الكلام المجلجل وسيلة للإقناع، ( حرب الكلام) .
لذة الكلام # الكتابة ، الصراحة ، العجز عن الكلام (العي) ، الصمت والتأمل، اختيار المقهى (لتصريف فائض الكلام ) كلام المقاهي ... لذة الكلام # مرارة العجز عن الكلام.
من هنا فالسخرية مضاعفة لأنها انتقاد للذين يتخذون من الكلام سلطة تحقق لهم (لذة الكلام) وانتقاد لمن يعجزون عن الكلام مختارين الصمت أوالتأمل السلبي أو كلام المقاهي. وفي المحصلة انتقاد مجتمع الكلام (الشفوي بمعناه المتداول ضد العمل) الذي تتحول فيه القوانين المكتوبة إلى مجرد حبر على ورق. في مقابل مجتمع الكتابة الذي يتعامل فيه الجميع بدون استثناء وفق قوانين مكتوبة يخضع لسلطتها المجتمع حاكمين ومحكومين.
ب- القرد وتحولات المجتمع:
في قصة القرد يرصد القاص تحولات المجتمع القروي من خلال سخرية مبطنة؛ لقد فوجئ الحفيد بجدته وهي تبكي ولم يدر لذلك سببا لأنها ترفض الحديث. أخبر الحفيد أباه ببكاء جدته، لكن لا أحد استطاع معرفة السبب. ومرت الأيام وعرف الحفيد الشاب سبب بكاء جدته التي أفزعتها التحولات التي عرفتها القرية فهزها الحنين والشوق إلى الماضي وعزت سبب المشاكل كلها إلى القرد فضحك الحفيد ونبهها إلى أن الأمر يتعلق بالقرض الفلاحي. وراء هذا الموقف الساخر المبني على مفارقة لغوية هي أقرب إلى روح النكتة، تكمن السخرية البليغة المبطنة في النص والنابعة من الجمع بين البكاء والضحك، وهنا انتقاد لما طرح في البلاد من إصلاحات همت الماديات والشكل دون التركيز على تكوين العنصر البشري ليكون الانتقال سلسا من نمط إنتاج تقليدي إلى نمط عصري. وهذا ما عاب كل الإصلاحات الفوقية التي لا تضع في اعتبارها إعداد الإنسان وتكوينه ليجر قاطرة التغيير والنماء.
ج-التابوتي وأزمة التعليم
في قصة التابوتي يستدعي المعلم والد التلميذ العربي ليخبره بتعثر ابنه في الدراسة للوقوف على السبب ومعالجة الظاهرة تربويا. في الحوار بين الأب والمعلم مفارقات ساخرة... لكن الموقف الساخر والصادم وغير المنتظر هو ما صرح به التلميذ: "أنا أريد ان أتعلم لكني لا أريد ان أتعلم عندك" ثم انطلق كالسهم لا يلوي على شيء. في هذا الموقف تبلغ السخرية أوجها. المفارقة الساخرة الكل يتحدث نيابة عن المعني بالأمر وهو التلميذ. في القصة انتقاد لمنظومة تعليمية فاشلة لأنها تغيب العنصر الأساسي في العملية كلها وهو التلميذ. لا أحد يستمع لصوته وليس له الحق في الاختيار...
د- رأفة و قيمة الإنسان
في قصة رأفة تتفق الجماعة على تكريم حمار عمي عليوة الذي له أفضال على الجميع. واقترحوا أن يوفروا له الأكل الجيد وأتانا يؤنس بها شيخوخته. وفي حوار ساخر يطلب عمي عليوة من الجماعة تسويته بالحمار وذلك بأن يحققوا له ما سيحققونه للحمار. هنا ستنقسم الجماعة بين من يرى أن الحمار مرهون بوجود صاحبه.، وبين من يرى أن صاحب الحمار ماهو إلا وسيلة لولا الحمار لما وجد. لما علا اللغط تدخل الفقيه ليحسم في الأمر فدعا الجميع إلى العودة إلى الصواب إذ كيف يمكن مساواة الإنسان بالحمار والله كرم الإنسان وجعل كل ما في الأرض في خدمته. السخرية العميقة البليغة تكمن في النظرة إلى الإنسان من خلال تسويته بالحمار أوتفضيل الحمار عليه وتشييئه باعتباره مجرد وسيلة . في هذه القصة يطرح القاص، في قالب يستخدم السخرية النقدية، قضية عميقة تهم وجود الإنسان وقيمته. فهل قيمة الإنسان تكمن في ذاته باعتبار وجوده الإنساني؟ او أن قيمته مرتبطة بمكونات خارج عن ذاته... إن الجواب عن السؤال تكمن وراءه خلفيات فكرية وفلسفية وأخلاقية ودينية... لقد قدم النص جوابا على لسان فقيه القرية حيث ذكر تكريم الله للإنسان وطلب منهم الجميع الانتهاء عن الخوض في هذا الأمر.
ه -المهنة مفكر ومابعد التقاعد
المهنة مفكر: تطرح هذه القصة قضية التقاعد من زاوية نظر مختلفة . بعد تقاعد موظف عن العمل، احتاج إلى وثيقة رسمية وأصر الموظف المكلف بإعداد الوثيقة على أن يجعل في الطرة المخصصة للمهنة كلمة متقاعد، فاحتج الرجل لكون التقاعد ليس عملا ولا مهنة. ولما سأله عن مهنته أجابه بإنه مفكر. فدخل الطرفان في سجال مما جعل الموظف يستدعي رئيسه. دخل هذا الأخير بدوره في حوار مع المتقاعد فاقتنع بوجهة نظره لكنه بحاجة إلى وثيقة صغيرة يسلمها له المقدم يثبت بها مهنته، غير أن المقدم اقترح عليه أن يسلمه وثيقة يقر فيها بأنه باحث يشتغل مع المخزن مخبرا...إن القاص ينطلق من منطلقات بسيطة يصل من خلالها بسخرية لاذعة إلى انتقاد تصورات وسلوكات في المجتمع وقضايا تمس علاقة المواطن بالمخزن. إن التقاعد ليس نهاية الموظف بل هو بداية حياة جديدة خاصة إذا كان المتقاعد قادرا على العطاء في مجال الفكر والثقافة والفن ... فلم الحكم عليه بالموت؟ ألا يمكن الاستفادة من الطاقات المتقاعدة بدل إقبارها وراء صفة متقاعد؟ ولتعميق السخرية سيلجأ المفكر إلى عون السلطة المقدم المعروف بثقافته الضحلة ومستواه الدراسي المحدود ليقترح على المتقاعد مهمة باحث. ومعلوم في أدبيات التعليم أن الباحث مفكر أو مشروع مفكر. لكن في بلد يهيمن فيها الهاجس الأمني على غيره من الهواجس الأخرى، ويهان المفكر من لدن عون السلطة فإن الباحث سيؤول إلى مخبر يتعقب سقطات المواطنين في المقاهي بدل مختبرات البحث العلمي ومراكزه.
هذا غيض من فيض، مازالت نصوص المجموعة حبلى بالمواقف الساخرة اكتفينا منها بهذه النماذج للتمثيل. وخلاصة القول إن السخرية آلية بناءة وظفها القاص ليس بغرض التهكم والاستهزاء أو إفراغ الأشياء من قيمتها ونشرالعدمية، لكنه يقدم نظرات نقدية ثاقبة انطلاقا من موقف ملتزم ورؤية بانية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق