2021/04/15

الإكسير


 "ها العطار ، ها العطار، ها العطار... "

اكتسح صوته الجهوري الأرجاء ، و هو يجوب الأزقة المغبرة على متن حماره المنهك ، توقف وسط ساحة القرية ، انفتحت الأبواب ، تدفقت النسوة متلهفات من كل صوب ، تحلقن حوله ، طوقنه بطلباتهن و مشاعرهن الدافئة . " مرحبا بكن ، عندي الحناء ، و الكحل ، و المسك ، والعطور ، و الأمشاط ، و المرايا ، و الصابون البلدي ، و الزعفران ، و السواك ... " ، كان يعطيهن ما يرغبن فيه مقابل دقيق أو عسل أو لوز أو جوز أو بيض أو سمن أو دملج مكسور أو قرط مشقوق . فكن يأخذن مقتنياتهن راضيات مسرورات .
اخترقت عجوز شمطاء الزحام ، اقتربت من الرجل ، سلمت عليه ، انفرجت أسارير وجهها المجعد عن ابتسامة ساذجة ، و قالت : " يا عطار ، هل لديك عقار يصلح ما أفسده الدهر ؟ " . دون تريث أجابها بخبث : " أجل سيدتي ، أبشري ، عندي الإكسير الذي يرمم الخراب و يعيد الشباب " . انحنى على الأكياس يلتقط مقادير الوصفة السحرية ، شرح لها طريقة الاستعمال و هو يردد : " علاج مجرب مضمون مائة في المائة " . قايضته بخواتم من فضة .
في تلك الأثناء ، كانت النسوة يتهامسن فيما بينهن و يتضاحكن و هن يشرن إلى العجوز ، انزعجت وحدجتهن بنظرة حاقدة ، و أشهرت في وجوههن أصابع كفها الخمسة ، متمتمة بألفاظ مبهمة ، و مضت تتوكأ على عصاها تجر جسدها النحيل اليابس محتضنة الدواء بقوة .
عاد الصوت الجهوري يصدح ، و يتلاشى شيئا فشيئا ، و قد مالت الشمس للمغيب : "ها العطار ، ها العطار، ها العطار... " .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق