2021/03/18

قُبلة الموت


 وقفت في ذلك اليوم أمام المرآة، ونادرا ما أفعل، فصعقت وأنا أرى علامة سمراء مطبوعة على رقبتي. ارتميت تحت الدّشّ أفركها بالماء مذعورا، ولكنّها ازدادت وضوحا. صارت قُبلة بيّنة الملامح كأنّ شفتين من الحبر الأسود طبعتاها للتّوّ.

***
وأنا صغير، أخبرتني والدتي أنّ الموت قبل أن يقبض أحدهم يزوره ليلا وهو نائم، فيوقّع على رقبته قبلة لا يراها أحد، ولا يهمّ بعدها متى يموت. من يومها صرت أراقب النّاس، وأدقّق دوما في رقاب النّاس. جارتنا الأرملة وبناتها الثّلاث العوانس يمضغن السّأم وعلى رقابهنّ قبلة الموت الخفيّة. نادل المقهى العتيق يلوك قطعة اللّبان منذ فتحت عيني على الدّنيا. لم يتفطّن إلى قبلة الموت على رقبته، ولا إلى المطبوعين بها الّذين يأكلون الورق في مقهاه. أشهر كاتب في مدينتنا الجميلة مازال يكتب قصصه الرّتيبة بقلم حصل عليه جائزة مدرسيّة في ستّينات القرن الماضي. لم ير قبلة الموت مطبوعة منذ أمد بعيد على رقبته المجعّدة..
***
ليست المرّة الأولى الّتي ظهرت لي فيها قبلة الموت اللّعينة على رقبتي. عدت يوما من حقلنا الواسع. نجحت أخيرا في اصطياد قبّرة. ترصّدتها زمانا طويلا. نصبت لها أكثر من فخّ ولكنّها كانت تفلت منه في كلّ مرّة. تطير بعيدا في السّماء، ولكنّ فراخها الصّغيرة تعيدها إلى الأجمة حيث عشّها. استلقيت بجانب العشّ ويدي مفتوحة عنده. تجمّدت في مكاني. لم أبد أيّ حركة. ولمّا همّت بوضع الدّود في الأفواه الصّفراء الصّغيرة خطفتها. لقد وقعت في كفّي قبّرة جميلة. تأمّلتها عن قرب. كانت تحاول الإفلات منّي محاولة العاجز. أمّا فراخها فقد ملأت الدّنيا صياحا. حاولت والدتي أن تقنعني بإطلاقها لتعود إلى صغارها، ولكنّني رفضت. كنت أشعر بأنّني ملكت الكون. قدّمت لها حبّا وماء فأعرضت. ربطتها إلى حجر وضعته في ركن من بيتنا.
قالت والدتي:
- سيموت صغارها في غيابها جوعا.
ولكنّني صمّمت على الاحتفاظ بها. الحقّ أنّني كنت أحب ملمس ريشها النّاعم وعينيها الجميلتين. في تلك اللّيلة، رأيت أنّني أتخبّط في بحر هائج عاصف تنفضني الأمواج نفضا، وكلّما لمع البرق أبصرت صورتي وقد تكسّرت على موجة هادرة. في لمعة ما رأيت رقبتي منعكسة على الماء، وقذ ظهرت عليها قبلة سوداء عجيبة، فاهتززت واقفا أصيح بأعلى صوتي. أخبرتني أمّي بأنّ تلك القبلة هي قُبلة الموت. هل كانت تخادعني لمّا أخبرتني بأنّ حبس القبّرة هو السّبب؟ كيف سأطلق سراح معبودتي الجديدة؟ زحفت إلى زاوية البيت وقد شلّ الرّعب حركتي. فككت الخيط من رجلها، ثمّ أطلقتها عند الباب.
في الأيّام التّالية صرت أرى تلك القبلة السّوداء على رقاب أطفال الحيّ. لم أكن أعرف الأسباب. هل كانوا يحتفظون بقبّرات هم أيضا؟ لا أعتقد. أعرف أنّهم لا يحبّون العصافير.
***
مرّة أدخلتني جدّتي غرفتها. فتحت صندوقها الخشبيّ.
- انظر، قالت لي وهي تقلّب قطعة قماش بيضاء تفوح منها رائحة الكافور، هذا كفن جدّك. أحضرته له منذ خمسين عاما لمّا كاد يودي به المرض.
ثمّ أضافت وهي تضحك:
- إنّ له سبع أرواح. في كلّ مرّة يبلغ حافّة الموت ثمّ يعود كالجنّيّ.
كان جدّي في التّاسعة والتّسعين. وكان يتحرّك في دائرة محدودة. تتلخّص حياته في ثلاثة أدوار من الشّاي صباحا، ومثلها في المساء، وبينهما وقبلهما وبعدهما سباب متصل لكلّ شيء. يسبّ الدّين والدّنيا وجدّتي وحجرا تعثّر به وفلانا نقل عنه كلمة وفلانة مرّت به فلم تلق عليه السّلام وطفلا عابثه وغرابا خطف منه فرخ دجاج ورئيسا لا يحبه وعجاجا طيّر جبّته وملأ عينيه ترابا وقطّة ولغت في طست الماء وكلبا نبح فأيقظه من قيلولته ودجاجة قاقت بشدّة لتبيض وغيوما حجبت عنه الشّمس.. غير أنّه خلال كلّ هذا العمل الدّؤوب كان مولعا بهواية عجيبة. لا يفرّط جدّي في ذرّة واحدة من متاعه مطلقا، وهو مستعدّ لخوض حرب من أجل علبة طماطم فارغة أخذها طفل الجيران من مزبلتنا ليلعب بها. فكلّ الأشياء تجد مكانها في ساحة البيت وعلى الجدران: الزّير والجرار القديمة وسكّة المحراث الّتي صدئت والملاعق المكسورة والملابس المهترئة وأغصان الأشجار اليابسة وفخّ الثّعالب والذّئاب وأظفار الحمار الّتي يقلّمها دوريّا وبلغته القديمة وأشياء أخرى من حديد ومن خشب ومن عاج تستحيل على يدي جدّي تحفا فنّيّة تزيّن الحوش، فمنها ما يكون للزّينة ومنها ما يزرع فيه أزهارا ونباتات تتدلّى من الجدران ويشرئبّ بعضها إلى بعض حتّى لترى الحوش الصّغير روضة من رياض ابن القارح في رحلة الغفران. ومن طريف ما حدّثتني به جدّتي أنّ جدّي قعد عن عمله ذاك أيّاما بسبب مرض أعجزه عن الحركة، حتّى ظهر على رقبته طيف قبلة الموت، وأخذ سوادها يتّضح من يوم إلى يوم. غير أنّه رغم العجز زحف إلى الحديقة وطلب منها أن تحضر له بعض الأمتعة القديمة، فأتته بصحن أعاد طلاءه وملأه ترابا وزرع فيه زهرات صغيرة نمت في الأيام التّالية فصار الصّحن تحفة فنّية جميلة مازالت تؤثّث الحوش. قالت جدّتي: ثمّ اختفت البقعة السّوداء من يومها.
***
منذ أن غادرت المدرسة قبل عشرين عاما لم يقرّ لي قرار. طردني والدي من المنزل، فلم أره حتّى مات. قال لي يومها وهو يجلدني بحبل:
- ليس لك في بيتي بعد اليوم مقام يا ابن القحبة.
ثمّ بصق عليّ، وتتالت لسعات الحبل المبلّل على جسدي الصّغير. انتحبت طويلا وأنا أسير في الفراغ فارّا بما تبقّى لي من صبر.
سائق الشّاحنة العملاقة الّتي توقّفت في محطّة البنزين لم يسألني عن وجهتي. كان يشرب البيرة بنهم ويبصق عبر النّافذة. قال، لا أعرف إن كان يحدّثني أم يحدّث نفسه:
- قضيت في هذه الحياة القحبة خمسة وخمسين عاما، فلم أر أكثر سقوطا من البشر. هل تفهمني يا ....
والتفت إليّ كأنّما يطلب اسمي، فتظاهرت بأنّني أفرك عينيّ.
- عليك اللّعنة.. وعليهم أيضا. ترى أحدهم منتفخا يمشي في خيلاء كالفيل، وفي أوّل منعطف يتحوّل إلى ثعلب قذر دينه الغدر والخيانة..
ثمّ أضاف وهو ينظر إليّ:
- لا تصدّقهم يا .... ولا تأمنهم، إنّهم موتى، إنّهم صور متحرّكة. هل تعلم؟ نحن في عالم من الصّور المتحرّكة مُخْرِجه معتوه. انظر إليّ جيّدا. تثبّت ستراني خنزيرا في سلسلة كرتونيّة. ألا أبدو لك كذلك؟
ثمّ استدار واشرأبّ بعنقه خارج النّافذة ليبصق بعد زجاجة بيرة صبّها في جوفه دفعة واحدة. رأيت قبلة الموت على رقبته. أحسست بذعر وتقلّصت كفأر، ولكنّني تماسكت.
قبل نهاية الطٍّريق، سألني عن وجهتي. أخبرته بأنّني سأبحث عن عمل في إحدى المدن. اقترح عليّ النّزول عند صاحب الشّركة الّذي يتعامل معه ففرحت. قلت:
- في النّهاية لن أبيت في الشّارع..
***
قالت لي السّيّدة:
- يبدو أنّك طفل لطيف. ستعتني بكلاب المنزل وقططه، أكلها وشرابها. وفي كل فجر ستأخذ أحدها في فسحة في الجبل. احذر أن يصيبها سوء.
كنت أنتهي من عملي ثمّ أجلس في غرفة صغيرة في ركن سور المنزل الممتدّة أجنحته تحيط به المياه والنّافورات والحدائق الغنّاء من كلّ جانب، فوق هضبة تشرف على المدينة. ليلا أوزّع الأكل على بيوت الكلاب والقطط الملاصقة لغرفتي ثمّ أستلقي حتّى يأخذني النّوم. ومن حين إلى آخر أستفيق آخر اللّيل على صراخ والدتي في قريتنا البعيدة وعصا والدي الغليظة تنهال على كتفيها ورأسها لأتفه الأسباب. كم مرّة خرجت إلى الجيران أصيح لينقذوها من براثنه، فيضربني وأنا مكتوف اليدين والقدمين على وجهي ورأسي حتّى يغمى عليّ. وفي كلّ مرّة أكون فيها ملقى بين قدميه يرفسني ويركلني أشغل ذهني بمراقبة قبلة الموت على رقبته كي أخفّف وعيي بالألم.
***
كانت الأيّام تمضي رتيبة، لا يكسرها سوى خروجي مع الكلاب والقطط إلى الجبل. صنعنا ألعابنا وتوطّدت علاقتنا حتّى صرت أجالسها في غرفتي. ولكنّ ذلك لم يدم طويلا. كنت يوما أدخل السّور الواسع إثر جولة صباحيّة في الجبل، فإذا سيّدة البيت تسبح عارية في المسبح الواسع وحيدة. لم أكن فيما مضى أراها إلاّ في الحفلات اللّيليّة حول المسبح لمّا يدعو زوجها أصدقاءه نساء ورجالا، فيشربون ويرقصون ثمّ يتفرّقون أزواجا في نواحي القصر والحديقة. دعتني يوما إلى غرفتها. كانت وحيدة. وكانت تلبس لباسا شفّافا، وكان الخجل يعصف بي فلم أستطع رفع رأسي من القاعة. اقتربت منّي. حضنتني. دفنت رأسي بين نهديها وجعلت تحركهما فيلامسان وجهي وعيناي مغمضتان. كنت أرتجف. لم ألامس امرأة قبل ذلك. قالت لي بين وحوحاتها:
- أنت حنون ودافئ ولطيف.
انسحبت منها غير مصدّق لما يحصل. ولكنّها هذا الصّباح، خرجت من المسبح عارية كما لم أرها من قبل. انفرطت الكلاب والقطط من يدي، وهممت بالذّهاب إلى غرفتي كالعادة، غير أنّها جاءتني فدخلت عليّ والماء يقطر من جسدها المرمري. مازالت صورتها تلمع في مخيلتي بعد كلّ هذا العمر كشمعة لا تنطفئ.
- لقد صرت شابّا قويّا، قالت وهي تمرر يدها على وجهي وقد اتّكأت بجانبي على سريري.
حاولت التملّص منها، والخجل والخوف يخنق أنفاسي، ولكنّ يدها تسرّبت بين فخذيّ رغم مقاومتي. كنت أفكٍّر في الهرب. ولكنّ الشّارع الفارغ القاسي كان يأمرني بالتّريّث. كانت تحرّك نهديها المبلّلين أمام عينيّ وتمرّر حلمتيها على شفتيّ رغم مقاومتي. ولكنّ الأنثى إذا اشتعلت نيرانها فلا شيء يردّها. جرّدتني من ملابسي بعنف امرأة خمسينيّة، وجعلت يدها تعالجني من كلّ أعضائي. وجسدي ينقبض وينكمش.. ثمّ ارتمت فوقي كقطّة شرسة، وأخذت تهتزّ وتنتفض على وقع لذّة أسمعها في همهماتها وأراها في شعرها الّذي ينتفض كذيل فرس. هدأت نارها شيئا فشيئا وبطؤت حركتها وارتخت فارتمت بجانبي. كنت أمسح دمعة انزلقت إلى أذني باردة جارحة. خرجت متثاقلة عارية تجرّ قدميها. لمحت قبلة الموت على مؤخّرتها الكبيرة.
لا شكّ في أنّها في صباح الغد قد بحثت عنّي في كلّ مكان، وعادت تلوك ذكرى ذلك الصّباح. لم أكن أعي ما حصل. ولم أفكٍّر حينها في ما دفعها إلى ذلك. ولكنّ ذلك الجرح لازمني في ورشة الحدادة الّتي تلقّفتني في مدينة أخرى انتقلت إليها حافيا بعد ساعتي مشي على قدميّ. في الورشة كان معلّمي غليظا فظّا عنيفا. لم تمرّ ساعة دون أن يوبّخني أو يعنّفني، ولكنّ الدّنانير الخمسة الّتي يرميها لي في آخر الأسبوع كانت تحفّزني على تصنّع جلد حمار. كان الفرن في ذلك الصّيف القائظ كجهنّم. ولكنّ جهنّم الحقيقيّة بدت لي، يوم طرق عليّ معلّمي الورشة ذات ليلة سكران. كان بابها الحديديّ يكاد يطير تحت وقع طرقه العنيف. انتفضت فوق الحشيّة القذرة الّتي أنام عليها. فتحت الباب مرتجفا. فدفعه بعنف ودخل وأغلقه دون الشّارع بعنف. ثمّ أخذ يرمي قميصه. بانت بطنه المتدلّية وفاحت منه رائحة الكحول. كنت أحسب أنّه سيضربني لأنّني اقترفت خطأ فادحا تذكّره بعد أن عاد إلى بيته. ولكنّه لمّا همّ بنزع قميصي وجعل يعرّي جسدي النّحيل ويدفعني نحو الحشيّة، حينها فتحت جهنّم في وجهي. أخذت أصيح، وأتملّص من قبضته العنيفة، وهو يصفعني على مؤخّرتي بيديه الغليظتين ليشلّ حركتي، ولكنّ ذلك لم يثنني عن المقاومة. ارتفع صوتي بصياح متّصل مفزع، غير أنّ الفيل الهائج كان مصمّما على النّيل منّي. كنت أراوغ ضخامته بجسدي كأنّني فأر مذعور. وكلّما مررت بالباب فارّا من قبضته طرقته طرقا عنيف وأنا أصيح. وفي لحظة تعتعه السّكر فانزلقت قدمه في بعض الشّحوم على الأرضيّة السّوداء فسمعت دويّ سقوطه. لمحت قبلة الموت على جنبه الأيمن. وهو ملقى على الأرض، وجدت فرصة فتح الباب، فاندفعت إلى الشّارع أمزّقه بصياحي ووقع قدميّ.. لم أعد أذكر كيف وجدتني مرّة أخرى في طريق لا أعرفها وكانت تحملني إلى مدينة ما..
***
كنت في السّابعة عشرة من العمر بعد أن مرّت سنون العمر كالشّهب تسّاقط من الفضاء، لمّا بدأت العمل في مصنع للخياطة. لا أتذكّر كثيرا من التّفاصيل، ولكنّ عملي كان ينحصر في تركيب الأزرار فقط. عشر ساعات في اليوم أمضيها بلا حراك مطأطئا رأسي أتبع الإبرة إذ تدخل ثقب الزّرّ لتغادره بسرعة. كان العمل روتينيّا قاتلا حتّى أنّني أفقت ذات يوم على تلك البقعة السّوداء على رقبتي: قبلة الموت. ففررت هاربا بجلدي مذعورا. وقفت أمام المرآة. حاولت أن أزيلها. انتفضت ذعرا. لا شكّ في أنّني أسير إلى القبر قريبا. تذكّرت والدتي الّتي بلغني نبأ وفاتها منذ زمن. أخبرني صديق قديم التقيته في شوارع المدينة صدفة أنّ والدي عنّفها حتّى شجّ رأسها بهراوة غليظة. في المحكمة اشترى شهادتي رجلين من جيراننا بقطعتي أرض أكّدا للمحكمة أنّ عمودا سقط عليها. لم أستطع زيارتها في ذلك الزّمن. كرهت أن أرى ذلك الوحش في بيتنا. حملتها جرحا بين جنبيّ مازال ينزف. كنت أراها تمسح بأصابعها اللّطيفة على قبلة الموت إذ باغتتني، وسمعتها تقول:
- اكتب حياتك يا ولدي. الحروف الّتي تعلّمتها تكفي لتخطّ ما رأيت. اكتب يا بطلي.
ثمّ غارت في المرآة إلى أن اختفت.
***
في أيّامي الأولى، لاقيت القلم مرتجفا. مضى زمن طويل لم أقرأ فيه حرفا. نسيت كلّ شيء تقريبا. وفي يوم، كنت في حديقة عامّة في قلب المدينة، وكانت المدينة تعجن خلق اللّه بلا رحمة. أرجل وعجلات تطوي الأمكنة في سبق محموم. جلست بجانبي امرأة لا أعرفها. أخبرتني بأنّها حزينة. ظللت صامتا. قالت:
- لي ولد وحيد يعمل في منجم صغير للفحم في أطراف المدينة. ولكنّني حزينة من أجله.
- ................... (لو تعلمين ما في هذا القلب من شوك الأيّام يا عمّة!)
- إنّه يعاني تعبا شديدا في كلّ يوم. كلّ الّذين اشتغلوا معه فرّوا منذ اليوم الأوّل.
استدرت نحوها واتّسعت عيناي:
- يمكنني مساعدته يا عمّة. لقد اشتغلت مع والدي في منجم مماثل. (كنت أكذب)
***
صرت ماهرا. تعلّمت قطع الأخشاب. أبنيها بسرعة في شكل كومة كبيرة أغطّيها بالوحل وأترك كوّة أسفلها أشعل فيها النّار. ألازم المكان يومين أو ثلاثة والحطب في أحشاء الكومة يتحوّل إلى فحم. في تلك الأثناء اهتديت إلى مكتبة تعير الكتب ببعض الدّنانير. كنت أراقب الكومة، وأستغل الوقت في تهجّي القصص والرّوايات. وعند الفجر، أحمل أكياس الفحم على عربة يجرّها بغل إلى المدينة، ثمّ أعود. في آخر النّهار أغتنم الفرص أحيانا لكتابة بعض الجمل. ومن يوم إلى آخر أراقب تلك اللّطخة السّوداء على رقبتي فأراها تبتعد مثل وشم طال عليه الزّمن.
أمس انتهيت من كتابة نصّي الأخير. كانت بي سعادة وخفّة. وقفت أمام مرآتي. كانت القبلة الملعونة قد اختفت نهائيا. كانت فكرة قصّة أخرى تعتمل في رأسي المجنون، بينما تلوح ابتسامة والدتي في المرآة مضيئة كفجر وشيك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق