2021/03/19

الشعراء والكتّاب بين النضوب المؤقت و" السكتة " الابداعية


 إذا كان قدر البشر العاديين أن يواجهوا لمرة واحدة التحدي الوجودي الذي يفرضه الموت على كلّ منهم ، فإن الشعراء والمبدعين يواجهون هذا التحدي مرتين اثنتين ، أعني الموت الابداعي والموت البيولوجي . وإذا كان الخوف من الثاني هو القاسم المشترك بين سائر البشر ، بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الطبقية وهوياتهم القومية والاثنية ، فإن الخوف من الأول لا يقل سطوة وإثارة للهلع عند المشتغلين بالأدب والشعر والفن ، الذين يرون في الابداع بمختلف تجلياته ، هويتهم الحقيقية ومعنى وجودهم على الأرض . فالخوف من الموت يصاحبه في الأعم الأغلب تأجيل دائم للفكرة ، وتعاملٌ مع هذا الأخير بوصفه استحقاقاً يخص الآخرين وحدهم ، فضلاً عن كون الموت يأتي مرة واحدة ، يحلّ بعدها العدم المطبق والسكون التام . في حين أن العجز عن الكتابة أو العقم الابداعي ، يمنح صاحبه شعوراً بالنقص والتصدع وفقدان الجدوى ، موازياً الى حد بعيد لما يشعر به العنّينون ، حيث أكثر من وجهٍ للشبه يربط بين الخصوبة الجنسية والخصوبة الابداعية . كما أن المرء ، من جهة أخرى ، لا يتواجد مع الموت في الحيز ذاته وفي الآن إياه ، بل إن وجود أحدهما تأكيد على غياب الآخر ، كما يذهب أحد الفلاسفة الى القول . ولكن الشاعر أو الفنان يتواجد مع عجزه الابداعي في زمن واحد ، بل وفي غرفة واحدة ، ولذا فهو يتجرع في كل لحظة حنظل الاخفاق وسمّ النضوب المأساوي .

إن الكاتب الذي يكفّ مكرهاً عن الكتابة ، يشعر بغتة أنه فقد سلاحه الأمضى في وجه الحياة . ذلك أنه لا يجد ما يفعله ، خارج فضاء اللغة التي لا يتقن " مهنة " سواها ، كما أشرت في مقالة سابقة ، عن مهن الشعراء والمبدعين . ومن الطبيعي أن يشعر ساعتئذ بهامشيته وبحضوره الطفيلي وغير المجدي ، وبفقدانه للسلطة الرمزية التي يمتلكها على الكلمات ، في عالم عديم الرحمة ، يتم تقاسمه بشكل حاسم بين سلطات السياسة والأمن والمال . كما أن شأن الكاتب مع الموت لا يختلف عن شأنه مع الحياة . فالكتابة في عمقها هي تحايلٌ على الموت ، وبحث دؤوب عن معادل رمزي لعشبة الخلود التي فشل قلقامش في الاحتفاظ بها لمواجهة مصيره المحتوم . أو هي نوع من اللقاح الذي يحصن الروح ضد جرثومة الزوال ويمنحها مناعة أشدّ في وجه الهبوب المطّرد لرياح العدم . والواقع أن الوضع التراجيدي للمبدعين ، متصل بكونهم يذهبون أكثر مما يجب ، في تقصيهم المعرفي وسط أرض مترعةٍ بالشكوك ، حيث يتحول العقل المهجوس بالبحث عن إجابات شافية الى لعنة على صاحبة ، على حد تعبير المتنبي . ولعل ما يجنّب البشر العاديين هذا النوع من المكابدات المأساوية ، هو تصالحهم مع فكرة الموت ، ومع المنظومة الثابتة للقوانين والحقائق الكونية التي يتقبلها هؤلاء بالقدر الأكبر من الرضا والايمان والتسليم القلبي .
ولا بد من التمييز في هذا الصدد من التمييز بين الانقطاع المؤقت عن الانتاج ، وبين النضوب النهائي للمبدعين . فمن الطبيعي ، لا بل من الضروري في بعض الأحيان ، أن تكون هناك انقطاعات زمنية معقولة بين دواوين الشعراء أو أعمال الكتاب والفنانين . فهذه الانقطاعات هي الفرص الثمينة التي لا بد منها للتأمل في ما أنجزه الكاتب من أعمال ، ولتوفير المزيد من الاطلاع والتحصيل المعرفي , ولتهيئة الظروف الملائمة للانطلاق نحوكشوفات جديدة ومقاربات تعبيرية مختلفة . على أن هذا الانقطاع ما يلبث ، متى طال أوانه ، أن يتحول الى خوف داهم من العقم ، يقض مضجع الكتاب ويجعلهم فرائس حقيقية لشتى صنوف الوساوس والكوابيس . وقد عبر غير كاتب عربي وأجنبي عن خوفهم العميق من النضوب النهائي إثر انقطاعهم القسري عن التأليف . فبالرغم من كون نجيب محفوظ هو أحد أكثر الروائيين العرب غزارة في الانتاج , إلا أن توقفه الطويل عن الكتابة في مطالع خمسينات القرن الفائت , كان واحداً من أصعب المحن والمآزق التي واجهها في حياته . ففي حواره الطويل مع جمال الغيطاني يعترف صاحب " ثرثرة فوق النيل " بأن الثورة التي قام بها الضباط الأحرار على الحكم الملكي آنذاك ، بدت من بعض النواحي وكأنها تجيب عن كافة الأسئلة التي طرحتها رواياته على الواقع المصري المأهول بالتصدعات ، الأمر الذي دفعه الى الخرس التام لخمس سنوات كاملة ، قبل أن يكتشف أن الواقع الجديد لم يكن وردياً بما يكفي لحلوله محل الكتابة . والأرجح أن صمت محفوظ الطويل عن البوح السردي قد أكسب كتابته المزيد من النضج والاختمار ، الأمر الذي يظهر جلياً من خلال " ثلاثيته " الشهيرة التي صدرت مباشرة بعد فترة الانقطاع .
لكن حقل الصمت لا يتطابق بشكل دائم مع بيدر الكلام ، عند أولئك المصابين ب " العنّة " الابداعية . صحيح أن بعض الكتاب يعودون من فترة احتجابهم القسري بعصبٍ أشدّ وزخمٍ أكبر ، ولكن الصحيح أيضاً أن آخرين كثراً لا يفلحون لدى عودتهم في إضافة أي شيء يُذكر الى ما أنجزوه من قبل . وغالباً ما تكون أعمالهم اللاحقة مجرد تقليد باهت لأعمالهم السابقة . وإذ تفتقر تلك الأعمال الى أية نكهة أو مسوغ أو مذاق ، تبدو شبيهة بطعام بائت أو بما يبقى من الوليمة في يومها التالي . ولعل تجربة خليل حاوي الذي عاد الى الكتابة ، مرهقاً وشبه مُكرَه إثر فترة احتجابه ، هي الدليل الساطع على ذلك . فحاوي الذي تمكن خلال فترة وجيزة من رفد الحداثة الشعرية العربية بمجموعات " نهر الرماد " و " الرعد الجريح " و " بيادر الجوع " ، ذات اللغة العصبية والرؤى الانبعاثية القيامية, لم يضف من خلال عمليه الأخيرين اللذين أعقبا عقداً ونصفاً من الصمت القسري ، ما يسوّغ له تلك العودة أو يبررها . إذ كشفت قصائده في تينك المجموعتين عن لغة باهتة وصور مكررة وتراكيب ذهنية مفتقرة الى الحياة ، متماهياً بذلك مع بطله " لعازر " الذي عاد من موته بارداً ومهيضاً ومسلوب الفحولة . وإذا لم يكن انتحار خليل حاوي متصلاً بالشعر وحده ، بل بأسباب أخرى تتعلق بتكوينه الجيني والنفسي ، كما بعلاقاته العاطفية الفاشلة وبالحال المزري الذي آلت إليه الأمة ، فإنني أميل الى الاعتقاد بأن طريق النجاة لم تكن لتوصد تماماً في وجه الشاعر ، لو لم تعمد شياطينه الحرون الى خذلانه والتخلي عنه . وهو ما أشار إليه محمود درويش في قصيدته " مديح الظل العالي " التي كتبها بعيْد حصار بيروت ، حين قال " الشاعر انتحرتْ قصيدته تماما \ وثلاثة خانوه ُ: \ تموزٌ وإمرأةٌ وإيقاعٌ " ، ملمحاً بذلك الى انتحار حاوي التراجيدي في تلك الحقبة العصيبة من الزمن .
لم يكن محمد الماغوط من جهته بعيداً عن تجرّع كأس النضوب المرة التي تجرّعها خليل حاوي . فقد كتب مجموعتيه الأوليين " حزن في ضوء القمر " و " غرفة بملايين الجدران " خلال عامي 1959 و 1960 ، بما يشبه الانعكاس التلقائي والمبكر لاندفاعة البدايات . وفيما كان عليه أن ينتظر عشر سنوات كاملة ليصدر مجموعته الثالثة " الفرح ليس مهنتي "، لم يلبث بعد ذلك أن أخلد على المستوى الشعري البحت الى الصمت الكامل لما يزيد عن العقود الثلاثة ، قبل أن يصدر مجموعتيه الأخيرتين " سياف الزهور " و " شرق عدن \ غرب الله " ، واللتين افتقرتا الى جموح الأعمال الأولى ولغتها المتوترة . وإذا كانت المصادفات وحدها هي التي وفرت لكل من الماغوط وحاوي نوعاً من التناظر اللافت في الصعود والهبوط وعدد المجموعات ، فإن ما حمى الأول من مصير الثاني هو إقباله المفرط على الحياة ، وعلاقته الساخرة بالوجود والأشياء ، فضلاً عن تعدد المجالات التي واصل من خلالها مغامرة الكتابة ، وتنوع نتاجه النقدي والمسرحي والسردي .
وفي سياق الحديث عن " الاحتباس " الابداعي الطويل لدى الشعراء ، لا بد أن يستوقفنا المسار الصعب والوتيرة المتفاوتة لعلاقة الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي بالشعر . فحجازي الذي كان شديد الاعتناء بلغته وأسلوبه ، والذي بدأ مسيرته الشعرية بشكل مبكر عبر مجموعته المميزة " مدينة بلا قلب " لم يكن بوجه عام شاعراً غزير الانتاج ، كما تُظهر الفترات الزمنية الفاصلة بين أعماله . ومع ذلك فقد بدا توقفه التام عن النشر في منتصف خمسيناته ، أمراً غير عادي ومثيراً للتساؤل . فمنذ عام 1989 وحتى اليوم بدت شياطين الشاعر وكأنها توقفت تماماً عن العمل ، باستثناء مجموعة واحدة أصدرها في عام 2011 بعنوان " طلل الوقت "، موجهاً من خلالها التحية الى الثورة المصرية الثانية التي أعادت إلى قصيدته ما يلزمها من أسباب الحيوية والتوهج والجدوى . وحين يُسأل حجازي عن مسببات صمته الطويل يجيب بأن شاعراً له خبرته وباعه الطويل في الكتابة يستطيع أن يستدعي الشعر ويكتبه ساعة يشاء ، " غير أنني أفضل ألا أكتب القصيدة إلا إذا فرضت نفسها علي فرضاً ، فلا أستطيع تجنبها " . ثم يضيف قائلاً " إن الشعر رائع كالحب وقاسٍ كالموت " .
سيكون من المتعذر اختتام هذه المقالة عن صمت الشعراء ، المؤقت أو الدائم ، دون الاشارة الى الشاعر الفرنسي الأشهر آرثر رامبو الذي وهب فرنسا والعالم ، وقبل أن يبلغ العشرين من عمره ، إحدى أكثر التجارب الشعرية فرادة وثراء ، لينصرف بعد ذلك الى التجارة والبحث عن المال ، عبر مغامراته المشوقة والمحفوفة بالمخاطر الى الحبشة واليمن ، والتي ما لبثت أن تسببت بموته المبكر قبل بلوغه الأربعين . وإذا كان لا بد أخيراً من المفاضلة بين الخيارين القاسيين ، الصمت أو اجترار الذات ، اللذين يواجههما العديد من الشعراء والمشتغلين بالأدب والفن في مرحلة من المراحل ، فإن الخيار الأول على خطورته، هو الذي يليق بالكتاب الحقيقيين الذين يؤثرون الخروج من الحلبة بكامل لياقتهم التعبيرية وشجاعتهم النبيلة ، دون أن يمرغوا منجزهم الابداعي السابق في وحول الرطانة الباهتة والتكرار السقيم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق