منذ بداية روايۃ "سكاكين عمياء" لعبد القادر العليمي يتقيد القارئ بتحفيز تأليفي بوجود حكاية في قليم: "فلاش ديسك"، تحدثه عنها شخصية من فواعل السرد "حورية الدالي" دون أن يعرف عنها أي شيء، وعن علاقتها بشخصية الراوي. بل يدرك أن زمن الرواية كان في الماضي، إلا أن سردها في الحاضر محاولة لإكمال الخاتمة، لتحفيز القارئ ليتتبع مسار الأحداث واستخلاص ثنائيات الحياة، والتأملات الوجودية التي قدمتها الراوية في البداية. فكان إدخال القارئ لعوالم الرواية معايشة لزمن المتعة عبر الانغماس في الأحداث والتأجيل المستمر للمعنى، وفتح منافذ النص الروائي للبعد الجمالي، فهو زمن شعري يشتبك فيه النص بذهن المتلقي وهو يتوغل في أعماقه. ويمهل القارئ مساحة زمنية لعرض رؤيته بكل عتباتها ورموزها ومؤشراتها، مرورا إلى تفاعل الشخصية الأساسية مع الزمن، وهو تفاعل مقسم بين زمن خارجي موضوعي. وبين الزمن الذاتي في عرض واضح للكيان الفكري والوجداني والنفسي للشخصية.
الحافز التأليفي تقنية تدخلنا إلى عوالم الرواية وكأننا ندخل إلى كهف سحري عجيب، تتعاقب داخله اﻷحداث إلا أنها ترشح بحيرة الشخصيات الوجودية، وإحباطاتها وشعورها بأنها وقعت في فخاخ الواقع والوجود. تستحيل الشخصيات إلى مكونات نفسية تأسرنا كقراء، لا نفلت منها إذ تتركنا لعوالم الحيرة والسؤال حول مصير الإنسان وعلاقته بالذات والكون والمجتمع، في رحلات الجدوى والعبث، الجمال والسأم، الحقيقة والوهم. أسئلة تتوزع على أكثر من شخصية متعلمة سحقتها الحياة (صابر الأسود وتوفيق الدالي)، وشخصيات ليست متعلمة كانت فريسة للشعوذة والتطرف الديني، وانتهت حياتها على نحو قرره الواقع بسلطته المتسلطة والخرافية مجسدا عالما من التناقضات المتعاقبة تعاقب النور والظلام. وبذلك نسجت الرواية العوالم الممكنة الوقوع إلا أنها تحمل هموما وجودية في مبنى جمالي قام على جمالية الفضاء و أعماق الشخصيات.
إن الزمن الروائي في "سكاكين عمياء"، هو زمن سرد الأحداث متسلسلة تتخلله حالات من التداعي والحوار الباطني، وما استخلصته الشخصية الأساسية من أفكار وتجارب. فكل الأحداث بمثابة ظواهر تخضع إلى أسباب ونتائج يصعب تغييرها أو التحكم فيها، تخضع إلى زمن قدري عبثي في آن، لذلك تتقاسم الشخصية الرئيسية مع المؤلف هذا الوعي بحلقات الزمن المحكمة في توجيه الأحداث: "أعتقد الآن أن ما ظننته يوما ما اختيارا لم يكن كذلك في الواقع. هناك قوة خفية توجه كل ذلك. لست أدري ما أسميها. ولكني أحسها وأستشعرها مليا"ص 196. ومع ذلك فالرواية لا تخضع إلى شكل الرواية التقليدي، وإنما ثمة انعطفات واضحة، وخاصة إثر الصدمات التي يعيشها "صابر الأسود" إذ تتقطع الأزمنة وتتداخل وتتحاور وتبعثر الأوراق المنظمة بإحكام.
فكان استرجاع المحطات والصور المشرقة والتلقائية للطفولة بمثابة انفتاح الفضاء الزمني على أرجاء رحبة، يكبر بحجم الحنين ويتقلص بحجم الغربة، هو نوع من المفارقة الزمنية يفتح منافذا على هذه الشخصية الباحثة عن المعنى، عن الطفولة الضائعة .. فرغم صدمات الواقع وانتكاساته يعود "صابر الأسود" إلى الجانب البسيط التلقائي فيه، إلى عذرية البدايات. فهو يهرب من الحاضر إلى الذاكرة. وما الطفولة إلا حياة أخرى تقاوم الموت، تقاوم أوجاع الجسد المثخن بالجراحات والتشققات وتخفف من شعوره بالانكسار وروحه الهامدة: "كتلة من الندوب اللامرئية التي تشقق الروح الإنسانية وتحفر عميقا في أخاديدها"، "هنا في بلاد الثلج حيث تشقق وجهي وافتقدت ملامحي تواترت أحداث كثيرة تغيرت قناعات كانت بمثابة ثوابت"170.
إن العودة إلى زمن الطفولة بث طاقة جديدة حيث لحظات الاكتشاف والمتعۃ.
"لم أشف من تحناني اﻷصيل إلى جذوري اﻷولى..أحب فقط أن أعود طفلا كما كنت. أقتفي أثر الفراشة وألوانها . وتطربني سقسقة العصافير في الصباحات. أحب أن أسترجع ألعاب طفولتي البسيطة..أحب أن أتذكر أول همسة حب" ..
يتخلل السرد الرسم المشهدي الذي يكشف الجانب اللامرئي الشفاف ويصور الإشراقات الروحية في لحظات اﻹحساس الغريزي والفني بالجمال، فيلامس القارئ شعرية التفاصيل الرهيفة، يتدفق الزمن كماء النهر الهادر، يبعث لحظات النشوة. ومن بين هذه المشاهد نزول الثلج في كلية منوبة ونقل الراوي لإحساس عميق بالجمال:
"أشياء بسيطۃ تصنع الغبطۃ.. الندی الصباحي العالق بتيجان اﻷزهار وأوراقها، خفقۃ جناح ملون، وسقسقة صادحۃ لعصفور شاد..رذاذ ناعم..قهوۃ...صوت فيروز حالما صدحا وندف ثلج صغيرۃ بيضاء ناصعۃ..وأيقنت أن سر الجمال يكمن في البساطۃ..اكتشفت أن الروح اﻹنسانيۃ أثيريۃ لحظۃ تجل ونشوۃ".
مشهد اللقاء بالحبيبة جوزفين، فيه حنين لزمن قديم، زمن أنطولوجي، أسطوري، تردد أصداء قصص الماضي السعيدة، تتطهر الروح من سوادها لتنعكس شفافة كماء البحر، قارب عجوز يقوده رجل بروح ملاح من أساطير وقصص الذاكرة، باخرة تحمل بين طياتها وجوها وحقائب سفر لمرافئ الغبطة، حتى الصخور استحالت إلى شخوص تحرس المكان بأساطيرها وأرواحها المحلقة.
"المرافئ المسكونة بالشوق وقصص الحنين، زبد اﻷمواج المترع بالغبطة، غيمات شفافة بيضاء تضحك في سماء صافية، طيور البحر تسبح، تنط، تطير، وتتحدث لغة اﻷبدية..نوتي عجوز يرسي قاربه القديم ويفرغ شباكه مغتبطا، باخرة قادمة من بعيد تلوح مثل مدينة بيضاء يلفها الضباب ..نسمات أكتوبر تداعب الوجه ..وتبشر بشتاء قريب قادم..صخور بحرية تبرز مثل رؤوس لكائنات خرافية، صوت تكسر الموج يذكر بسمفونية قديمة خالدة، ثم يطل الله من عليائه ويبتسم "131
المشهدية هي تجل لله الجميل المسالم العاشق، في انزياح عن واقع صار فيه رجال الدين يصورون الله كصانع حروب وعنف واعتداء على البشر ونشر الكراهية..
" كان البرق يضيؤنا..وطين الأرض يعيدنا الى لحظتنا اﻷولی ثم تطهرنا السيول والمرايا، وقد اكتشفت من بعد أن اﻹلاه فكرة مرحة وحبات سكاكر تحلي تغريبتنا اﻷزلية ...ص 154
إن إيقاع زمن السرد يتراوح بين مشهدية الجمال والعاطفة ومونولوج النفس المنطفئة، فهو إيقاع متلون تلون التجارب التي عاشها "صابر الأسود" عبر زمن متخيل يكسر رتابة الزمن الموضوعي ويستدعي أزمنة أخرى ..
وقد رشح الزمن الموضوعي من خلال رؤية المؤلف للواقع عبر شخصياته القصصية بكل خيباتها، ونجاحاتها، وهواجسها، ورؤاها، وأزمنتها الخاصة، وتناوبها على السرد. وقد تعددت أبعاد هذه الرؤى إلى أسئلة تتجاوز المجتمع والسياسة للتفحص في حقيقة اﻹنسان ورحلته الوجودية، وهو في حالات ضيق أو انتشاء، إيمان وعبث. للزمن الحكائي تقنياته وأشكاله الفنية التي تطوع الواقع من أجل التخييل، والزمن الموضوعي من أجل الزمن الذاتي.
"سكاكين عمياء" رواية لعبد القادر العليمي صادرة عن دار ميارة للنشر بتونس 2019. الطبعة 1

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق