2021/01/19

درس ثلجيّ

أنهى تحضير دروس الغد.. في محفظته السوداء وضع مذكراته.. يبدو أن البرد سيكون شديدا جدا هذه الليلة، قال لها مبتسما وهو يضمها إلى صدره..
حسب الأرصاد الجوية سيهطل الثلج بغزارة طوال الأسبوع الموالي، وبدء من الغد، قالت له، وراحت تحتمي بصدره أكثر.. و..ناما دافئين يحضنان بعضهما..
في حلمه رأى عصافير لاحد لها تحط على كتفيه..على رأسه..على صدره..;وتطير..
في حلمها رأت حقولا خضراء تمتد أمامهما..
كانا يسيران..يده في يدها ورذاذ مطري خفيف يداعب وجهيهما..
***
دق جرس الصباح..إنها السادسة والنصف، قال لنفسه..مسح على خدها بكفه..فتحت عينيها وابتسمت له..ألقى بشفتيه على شفتيها..كانت القبلة حارة وعميقة..وكان الورد مدى..
فتحت نافذة الغرفة..ياااااه، الثلج كثيف، صاحت فرحة سعيدة..لا عمل اليوم..لن يجازف التلاميذ ويأتون إلى المؤسسة.. لن تجازف وتذهب..
بعمق نظر إليها..التقت عيناها بعينيه..مسرعا وقف..احتضنها..قبلة أخرى أشهى وألذ..
عمال العالم كلهم يشتغلون مهما كانت الظروف والصعوبات..سأذهب إلى العمل..لن أتأخر..
بسرعة لبس ثيابه..حمل محفظته وخرج..
مجنون أنت، لن تجد أحدا والله، قالت له..
سأجد، سأجد، قال لها..
***
إلى محطة حافلات النقل الحضري توجه.. لا حافلة رأى..بعض العمال وبعض التلاميذ كانوا هناك.. الطريق مقطوعة، قال بعضهم..ليس أمامنا سوى السير على أقدامنا، قال آخرون..
عاد البعض متوجهين إلى بيوتهم وواصل الآخرون سيرهم..
واصل مع الآخرين..فتح مطريته وسار..حذاءه البوطيُ كان يغوص في الثلج..وجهه كان يواجه ريح الشمال.. ندف الثلج كانت تلسع عينيه وشفتيه .. المسافة كانت أقل من ست كم بقليل،والأرض بياض لاحد له..من حين إلى آخر كان يتوقف..يستدير..يتنفس بعمق..ينفض ما تراكم من ثلج على معطفه الشتوي وعلى مطريته..
في الطريق رأى عمالا يستديرون راجعين..رأى تلاميذ وتلميذات يفعلون ويفعلن مثلهم..وأصر على سيره..
أخرج هاتفه..كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة بقليل..ضاعت الساعة الأولى إذن ،قالها بحسرة عميقة..لن تضيع الثانية، أكمل..
في المدخل الشارعي رأها.. تلميذته..جنب الجدار كانت تقف باكية..كانت تغطي وجهها بكفيها.. كرات الثلج كانت تنزل من كل الجهات على جسدها متسارعة صائحة..
أسرع إليها..بصوت غاضب واجههم..وتفرقوا مبتعدين.. على رأسها رفع مطريته وسارا..
دخلا المؤسسة..كانت الساعة تشير إلى الثامنة والربع..رأيا تلاميذ قليلين جدا يقفون هنا وهناك..يدخلون أقسامهم ويخرجون..يخرجون ويدخلون..يرمون بعضهم بعضا بكرت الثلج ويضحكون.. تلميذات أقل رأيَا..
توجهت إلى التلميذات زميلاتها وتوجه إلى قسمه.. تلميذين وجد..فتح المحفظة ..
لايسمح الوقت بتقديم الدرس يا أستاذ..الساعة تشير إلى الثامنة وعشرين دقيقة، قال أحدهما..
لماذا جئتما؟ سأل..
لندرس،أجابا..
ستدرسان إذن..
لكننا وحدنا ، قال التلميذ الآخر..كيف ستفعل مع الآخرين؟ سأل..
لقد مشيت ما يقارب الـ ست كم يا تلميذيَّ ..فكيف لا يحضرون ؟..
لم يحضر من الأساتذة إلا أستاذ واحد وأنت ،ولم تحضر إلا واحدة من الأستاذات، قال الأول..
كل أستاذ مسؤول عن نفسه وأمام ضميره، قال موضحا..
فتح التلميذان محفظتيهما..وألقى درسه..
***
حين دق جرس التاسعة جاء آخرون وأخريات..
يا إلهي، إنه هنا..كيف جئت يا أستاذ؟ سألوه..
طار الثلج بي إلى هنا،أجابهم مبتسما..
جلسوا وجلسن ،وأكمل درسه..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق