
هل ما زال للشّعر/ الشّاعر دور رياديّ و قياديّ و
مقاوم في المجتمع بإمكانه أن يلعبه كما كان بالأمس ؟ قبل الاسلام كان الشّعر ديوان
العرب و كانت القبائل تحتفي بميلاد الشّاعر أيّما احتفاء فتذبح له الذّبائح و تقيم
الولائم . فالشّاعر كان في ذلك الوقت ترجمان القبيلة و ناطقا رسميّا باسمها و آلة
دعائيّة تلعب دورا حاسما في الاعلاء من مكانتها و تلميع صورتها و التّرويج لمآثرها
و مناقبها ... أمّا اليوم
فالشّعراء عادة ما يريدون جمهورا يصفّق لهم و يقف منهم موقف الثّناء و التّبجيل و
التّكريم لانتاج فوائض قيّمة لنرجسيّتهم . تلك النّرجسيّة الّتي يتوهّم الشّاعرمن
خلالها بأنّ له دور رسوليّ نبويّ . هذه الرّسوليّة لا تعدو أن تكون سوى تعبير عن
احساسه بمركزيّته و تفوّقه بوصفه مركز الكون و محور الوجود و أولى من النّاس
بأنفسهم . لهذا فإنّ الدّعوة تنطوي في عمقها على الاستبداد و الاستبعاد و الوصاية
. و هذا هو مأزق نرجسيّة المثقّف بوجه عامّ. يقول
الشّاعر اللبناني بول شاؤول : << الشّعراء ليسو أنبياء و إنّماهم فقر"
بمعنى أنهم معدمين و لا يملكون شروى نقير>>و بأنّه : << لا يملك إلّا
أن يكتب >> و بأنّ الكتابة لديه مقصودة لذاتها و هي بلا جدوى لأنّها لن
تغيّر شيئا على الاطلاق. مضيفا : << كنّا نحلم بتغيير العالم فإذا بالعالم
يغيّرنا >> . و بأنّه يكتب الشّعر إيمانا منه بالكتابة ليس إلّا ، مثله في
ذلك مثل البطل التّراجيدي في المسرح الاغريقي الّذي يواجه القدر و يعرف سلفا أنّ
معركته خاسرة و مع ذلك يناطح بسيزيفيّة صخره . و
يمضـي سعـد الله ونّـوس قـائـلا فـي نفـس الاتّجـاه : << الكلمة ليست فعلا و
هذا سرّ مرارتي >> .
لعلّنا لا نبالغ في القول بأنّ محمود درويش هو من أوسع
الشّعراء العرب شهرة و ليس كسائر الشّعراء ، هو ابن شرطه التّاريخي و ابن الهزيمة
الكبيرة و الارتحال الدّائم و الجرح المفتوح . فاسمه كان و لا يزال من أكثر
الأسماء تداولا في الأوساط الشّعريّة و شعره يلقى رواجا لدى قطاع واسع من
المثقّفين و الطّلبة في عصر يوصف بأنّه
عصر التّواصل و التّبادل بامتياز في ظلّ الاقتصاد المعولم حديثا و ما نجم عنه من
تسويق و تسليع لكلّ شيء . و مع ذلك لا
بدّ من الحذر و التّحفّظ خشية وقوعنا في تلك النّظرة الصّنميّة و العقيمة و الّتي
عادة ما تخلع عن الشّعراء صفات القداسة و الألوهيّة ممّا يجرّنا إلى التّعامل معهم
كمعنى مسبق و كملكة ثابتة تتعالى على شروطها و تاريخيّتها . فقد استطاع تطوير قصيدة التّفعيلة موظّفا في ذلك
المنجز العربي القديم و المعاصر على صعيد البناء الجمالي الفنّي ، عبر امتصاصه
للاضافات التجريبيّة البارزة للشّعراء الــرّوّاد ( السّيّاب ، البيّاتي ....)
ناهيك عن تأثّره بأبرز الشّعراء الكونيّين ( اليوت ، لوركا ...) و الذّين ارتبطت
أسمائهم بالنّضال من أجل حرّيّة شعوبهم ( بابلونيرودا ، لوي أراغون...( . يقول درويش : << في الخمسينات من القرن الماضي
آمنّا نحن العرب بامكانيّة أن يكون الشّعر سلاحا>>. و
هو ما ينسحب على أعماله الأولى بإمتياز.
1 ـ مرحلــة
التّماهـــي بين الشّعــر و البندقيــّة و الهويّــــة :
هكذا اجتهد الشّاعر في أن يوسّع بالشّعر و الحبر آفاق
الحلم بوطن فلسطيني حرّ مستقلّ في لحظة من لحظات الكفاح المسلّح ، لا مناص في طريق
العودة إليه من لهيب البنادق و دمــاء الفــدائيّين من الجرحـــــى و الشّهداء و
دموع الثّكالى و الأرامل و اليتامى . فأصبح
شاعر الأرض المحتلة شاعــر الثّــــورة الفلسطينيّــة و يختصر فلسطين الّتي صار
النّاطق باسمها و ضميرها و وجدانها و لعلّ أبرز قصائده الّتي تعبّر عن هذه المرحلة
بأدقّ تفاصيل مسار النّضال الفلسطيني و محطّاته الرّئيسّيّة " أحمد الزّعتر
" ، " الأرض " ، " بيروت خيمتنا الأخيرة " ، " مديح
الظّلّ العالي " ، " بطاقة هويّة " ، " سرحان يشرب القهوة في
الكافتيريا " ، " جواز سفر ". كلّ
هذه القصائد تمتدّ زمنيّا من سنة 1964 تاريخ صدور مجموعته " أوراق
الزّيتون" إلى سنة 1984 تاريخ صدور مجموعته " حصار لمدائح البحر "
مرورا بمجموعة " عاشق من فلسطين " 1966 ، "العصافير
تموت في الجليل" 1970 ، "حبيبتي تنهض من نومها" 1970 ، "
أحبّك أو لا أحبّك " 1972 ، " محاولـة رقم 7 " 1974 ، مجموعة
أعراس.
إلى حدّ هذه المرحلة (أو ما اصطلح الناشر
اللبناني رياض الريس على تسميتها بالأعمال الأولى ) بدا محمود درويش مثقّفا عضويّا
بالمعنى القرامشي يتماهى مع قضيّة شعبه و يحمل همومه و أحلامه و أشواقه . فهو هنا
يمارس ذاته بوصفه يمثّل النّخبة و الطّليعة و القيادة كعضو في اللجنة التّنفيذيّة
لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة و رئيس اتّحاد الكتّاب و الصّحفيّين
الفلسطينيّين.متوهّما أنّ رؤيته هي رؤية شعبه بل أمّته و أنّ همومه هي هموم شعبه و
أنّ قضيّته هي قضيّة شعبه . و تلك هي النّرجسيّة الّتي يتّصف بهـا الشّعــــراء و
الكتّاب و المثقّفون عموما ، فتعامله مع ذاته و مع الآخر يقوم على احساسه
بمركزيّته و رسوليّته و نخبويّتـه و تفوّقه و كماله بوصفه أوعى و أحقّ و أولى من
النّاس بأنفسهم ،
لعلّه لهذا السّبب بالذّات يتجرّع الشّاعر خيبة
أمله من شعبه عندما لم يثر غاضبا ضدّ اتّفاق أوسلو(1993) مثلما كان يتوقّع و ينتظر
، حتّى يكون متماهيا مع شعبه دوما لا مع الموقّعين على الاتّفاق. لكنّ هذا الشّعب
خذله و فاجأه باللامتوقّع عندما رقص في معظمه طربا و صدّق أكاذيب قيادته بأنّ
السّلام قادم و الدّولة الفلسطينيّة المستقلة على بعد أربع سنوات فقط . خيبة الأمل
هذه هي الّتي أجبرته أن يخفّف من حدّة معارضته للسّلطة و أجبرته أن يعود إلى رام
الله لأنّه لم يعد يستطيع العيش في باريس الّتي يحبّها ، حتّى لا يتّهم بأنّه من
الرّافضين لحقّ العودة و هو من المدافعين الأشاوس على هذا الحقّ . سيّما و أنّ
الفرصة أصبحت متاحة لممارسته. يسمّيها "العودة
المجازيّة ". ثمّ تتالت الخيبات من الفشل الذّريع في إقامة مؤسّسات الحكم
الذّاتي النّموذجي الّذي كان يأمله. فضلا
عن انهيار المشروع الوطني الفلسطيني الّذي كانت تبشّر به السّلطة و قادتها و
اتّساع دائرة الفساد المالي بصورة مرعّبة.
أمام هول الخراب و بشاعة المشهد استقال درويش من
جميع مؤسّسات منظّمة التّحرير الفلسطينيّة و أعاد اصدار مجلّة الكرمل و رفض كلّ
ضغوط الرّئيس الرّاحل عرفات لتوزيره في حكومة السّلطة ( نستحضر في هذا الصدد على
سبيل المثال شهادة صديقه عبد الباري عطوان ). و إزاء انقلاب حلم الشّاعر إلى كابوس
و هو يرى وطنه الواقعي صورة شاحبة و باهتة لاستعارته الجميلة يشعر بالحاجة إلى
الرّحيل . فانزاح شعره عن لغة الملاحم و السرديات الكبرى، حيث التماهي بين الكلمة
و المقاومة المسلحة و العنيفة، و هو ما يلقى تعبيره في أعماله الجديدة .
2 ـ مرحلـة المقاومـة
النّاعمــة و الرّمزيّــة أو مرحلــة التّمـرّد على " الثّورجيّــة: "
من كلّ ما
تقدّم ليس غريبا أن يتمرّد درويش على "الثّورجيّة" الّتي حاولت اختزاله
في خندق ضيّق يخضع فيه لزاما لإرادة المتصارعين و موازين القوى و المتحكّمين في
مسارات هذا الصّراع . و يمكن
اعتبار السّنوات الباريسيّة حسبما ذهب غير واحد من النّقّاد، بمثابة سنوات
التّحوّل الحاسمة. و العودة
إلى رام الله هي بمثابة مرحلة النّضج . و عليه، يمكن اعتبار مجموعة " ورد
أقلّ " (1986) بداية
الانعطاف في تجربة درويش حيث أخذت قصيدته تتخفّف تدريجيّا من غنائيّتها العالية و
دراميّتها المتوتّرة و من حمولتها الثّوريّة و منسوبها النّضالي و تواصلت
الانعطافة منتصف تسعينات القرن الماضي مع صدور " لماذا تركت الحصان وحيدا
" ( 1995 ) ثمّ "سرير الغريبة
" (1998) " جداريّة " ( 2000 ) ، " حـالـة حصـار " ( 2002
) ، " لا تعتـذر عمـّا فعـلت "(2004 ) ، " كزهر
اللوز أو أبعد " ( 2005). و قد جمع النّاشر رياض الرّيّس كلّ هذه المجموعات
في مجلّد خاصّ تحت عنوان الأعمال الجديدة .
فتخفّف
عاشق البدلات و ربطات العنق الباريسيّة الأنيقة من أعباء كثيرة كانت تكبّل شعره
فاستطاع على حدّ قوله << تخفيف ضغط اللحظة التّاريخيّة على جماليّة الشّعر
من دون التّخلّي عن الشّـرط التّاريخــي >> و<< أنا لا أقرّر تمثيل
أيّ شيء إلّا ذاتي ، غير أنّ تلك الذّات مليئة بالذّاكرة الجماعيّة >>
(قرامشي يتبخر ) و << ليس لي مطالب شخصيّة من الحياة لأنّني أعيش على زمان
مستعار ، ليست لديّ أحلام كبيرة ، انّني مكرّس لكتابة ما عليّ كتابته قبل أن أذهب
إلى نهايتي. >> ( يقترب من بول شاؤول و يتخلّــى عن مقولــة المثقّف العضـوي ( و يقول في
حوار مع الشّاعر اللبناني عبّاس بيضون في مجلّة الكرمل العدد 78 شتاء 2004 : <<
اكتشفت متأخّرا أنّ الشّعر لا يستطيع أن يحارب الحرب لا بأسلحتها و لا بلغتها بل
بنقيضها ، نقيضها الهشّ ، يحارب الحرب بالهشاشة الانسانيّة... أي بجماليّة الحياة
البسيطة ، الصّغيرة ، الهادئة ، غير المفكّرة ، البديهيّة ... بالفطرة و لا يستطيع
أن يحارب بخطاب كبير . أظنّ أنّ هذا أكثر تأثيرا لأنّ اللغة الكبيرة انتحارا لغة
الملاحم الكبرى و الانتصارات الكبرى انتهت >> . و كان ديوان " سرير الغريبة " ( 1998 ) كما
يقول أوّل كتاب له مكرّس للحبّ كلّيّا و رغم ذلك حتّى القدرة على الحبّ شكل من
أشكال المقاومة ، يفترض أن نكون نحن الفلسطينيّون مكرّسين لموضوع واحد : تحرير
فلسطين : هذا سجن نحن بشر ، نحبّ نخاف الموت . نتمتّع
بأوّل زهور الرّبيع ، لذا فالتّعبير عن هذا مقاومة حتّى لا يكون موضوعنا مملّا
علينا. إذا كتبت قصائد حبّ فإنّني أقاوم الظّروف الّتي لا تسمح لي بكتابة قصائد
الحبّ . و حتّى أنسن
الجندي الاسرائيلي ، يقول :<< سأواصل أنسنة حتّى العدوّ فأنا منذ البداية لم
أرد اليهود إمّا شياطين أو ملائكة بل كائنات انسانيّة . >>
يؤكّد درويش
الّذي يختزن شعره رمزيّة توراتيّة انجيليّة و مسيحيّة يهوديّة على موروث مزدوج له
: << ليست لديّ هويّة ثقافيّة عربيّة خالصة ، أنا نتيجة مزيج حضارات ماضي
فلسطين لا أحتكر التّاريخ و الذّاكرة و الرّبّ كما يريد الاسرائيليّون أن يفعلوا .
لا أحبّ أن نتقاتل على الماضي و لندع كلّ واحد يروي سرده كما يشاء و لندع
السّرديّن يجريان حوارا ، وسوف يبتسم التّاريخ >> . التّخلّص من وهم الهويّة
الوطنيّة الفلسطينيّة الّتي يراد طمسها و استبطان مفهوم الهوية بالمعنى الذي ذهب
إليه إدوار سعيد بوصفها غير صافية و نقية و ثابتـــة و إنما هي هجينة و مختلطة و
مفتوحة . هكذا شهد
شعره و نثره تحوّلات هائلة و مدهشة فأصبح غير مخلصا قليلا لقضيّته . و قد صدم
قرّاؤه لما رآه البعض تخلّيا عن القضيّة و هروبا من وجهها، بل حتى إعلان للهزيمة و
إلقاء للسلاح. و لعلّ
الصّدمات المتتالية لدرويش إزاء تحوّلات الزّمن الفلسطيني و انهياراته وراء
مجاهرته بموقع الخاسر و طالب -أسوة بالشاعر شارل بودلير الذي رفع في زمنه مطلب الحق في التناقض- بالحقّ في
إعلان اليأس بوصفه فسحة لـتأمّل المصير و دعوة إلى وعي الهزيمة و التّحرّر من
ميثولوجيـــا المنتصــر و البطولات الوهمية. و
لعلّ ذلك ما دفع بأنطون شماس إلى اعتبار شعر درويش في رام الله المحاصرة يقول قصّة
مختلفة ، يقول : << أنتظر
اللحظة الّتي أستطيع فيها القول إلى الجحيم بفلسطين و لكنّ ذلك لن يحصل قبل أن
تصبح فلسطين حرّة. لا أستطيع تحقيق حرّيّتي الشّخصيّة قبل حرّيّة بلدي. عندما تكون
حرّة أستطيع لعنها . >> ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3– الأخــوة الأعــداء :
في حوار معه نشر بجريدة أخبار الأدب المصريّة في 09 فيفري 1997 تحت عنوان "
قصيدةالنّثر ليست شعرا و لكنّي أخاف ميليشيّاتها " يقول : << هناك
ميليشيّات و أحزاب تدافع عن هذه الكتابة الّتي لا أعادي الجميل منها ، إلّا أنّني
أشعر بأنّهم ينظرون لي كعدوّ أساسي و لن يرتاحوا قبل موتي و أنا أدعوهم أن يخوضوا
الصّراع نصّا لنصّ ، و ليس بالحملات الاعلاميّة و التّشهير في المقاهي و النّميمة
الجارحة. التّنافس ضروري و لكنّ
القصيدة بقصيدة و النّموذج الشّعري بالآخر>> . كان يخشى هؤلاء و يتجنّب الصّدام معهم
فهم مراكز قوى مدجّجة بالأسلحة أو مافيات تهيمن على الصّفحات الثّقافيّة في الصّحف
و المجلّات العربيّة ، يكرهون بعضهم البعض و يتحالفون ضدّ خصومهم من شعراء الوزن . للمقاومــة أشكـال
عديـدة و متنوّعة و لا يمكن اختزالها بأيّ حال من الأحوال في المقاومة المسلّحة
فحسب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق