منذ الدّيوان الأوّل الصّادر في 1964 و
الحامل لعنوان " أوراق الزّيتون " تلاحظ القراءة لشعر محمود درويش
الوفرة في توارد الأسماء الأعلام الّتي تشتغل في القصيدة باعتبارها مرجعا تاريخيّا
و أفقا تأويليّا و محرّكا رمزيّا في ذات الحين . و قد ارتأينا في هذه المقاربة أن
نعتمد على المنهج الدّياكروني ، أي نتابع دواوين الشّاعر بحسب صدورها و في الآن
نفسه نستخلص أسماء الأعلام و معانيها أو دلالاتها بحسب الظّرف التّاريخي الّذي
نشأت فيه القصيدة و استقبلت فيه من لدن جموع القرّاء .
في ديوانه " أوراق الزّيتون
" يقول الشّاعر :
<< نيرون مات
يحكون في بلادنا فلسطين
و في سياق آخر يتكلّم عن أبيه دون أن يذكر اسمه :
كعهده محمّلا تاعبا
يطارد الرّغيف أينما مضى
لأجل يصارع الثّعالبا >>
و مفردة فلسطين مفردة مؤسّسة لشعر محمود
درويش لأنّه فلسطيني أوّلا و لأنّ لفلسطين في الذّاكرة العربيّة حضورا خاصّا ، دينيّا و تاريخيّا و عروبيّا لا مثيل له .
في هذا الدّيوان نلاحظ صدى للتّاريخ الّذي اتّصف في السّتّينات بصعود حركات
المقاومة و انتصارا للمضطهدين على
المستبدّين . و الشّاعر ينظر بأعين حالمة إلى الجزائر ، و لعلّه يرى في الجزائر
صورة عن فلسطين .
<<ليتني بائع خبز في الجزائر
ليتني راعي مواش في اليمن
لأغنّي لانتفاضات الزّمن . >>
و الواضح أنّ الشّاعر ينصت إلى الثّورات
التّحرّريّة الكبرى و يحلم أن يكون جزءا منها ، طرفا و شاهدا عليهــا ، و لكن
لكلّ ثورة تاريخها و ذاكرتها . و هذا هو
الموقف التّاريخي / الشّعري الّذي يحسب للشّاعر و صورة مبكّرة في تجربته مع الشّعر
و مع المقاومة .
<< يا صديقي لن يصبّ النّيل في الفولغا
و لا الكونغو و لا الأردن في نهر الفرات
كلّ نهر و له نبع و مجرى و حياة .
>>
من الأسماء الأعلام للمدن ، إلى الأسماء
الأعلام للأشخاص .و يذكر الشّاعر في هذا المقام الشّاعر الاسباني لوركا و هو زاخر
بكلّ الرّمزيّات الممكنة .
يقول عنه :
<< عازف الجيتار في الليل يجوب
الطّرقات
آخر الأخبار في مدريد >>
و في سنة 1966 يصدر ديوان " عاشق من
فلسطين " و يذكر الشّاعر فلسطين في حيّز اعلامي و ابداعي أكبـر و لكن يذكرها
موصولة بأمّه حوريّة الّتي يحبّها و يرى فيها رمزا لوطنه و لذاته ، رغم أنّه لم
يذكر أمّه بالاسم و لكن بالصّفات .
<< فلسطينيّة العينين و الوشم
فلسطينيّة الوشم
فلسطينيّة الأحلام و الهمّ >>
و الأروع من ذلك أنّه يخصّ أمّه بقصيدة
تعتبر إلى الآن من أجمل ما نظم في الشّعر العربي عن الأم ، و هي قصيدة "إلى
أمّي" و الّتي لحّنها الموسيقار الكبير مارسيل خليفة و نافس بها أغنية عبد
الوهّاب عن الأمّ
" يا حبيبة " .
و يقول عن أمّه حوريّة :
<< أحنّ إلى خبز أمّي
و قهوة أمّي
و لمسة أمّي
و تكبر فيّ الطّفولة
يوما على صدر يوم
و أعشق عمري لأنّي
إذا متّ
أخجل من دمع أمّي .>>
و مع رمزيّة الأمّ و رمزيّة فلسطين ، ترى
الشّاعر الكبير يتواصل ابداعيّا مع الرّموز الّتي كانت سائدة في الشّعريّة
العربيّة الحديثة الّتي هبّت تباشيرها مع أدونيس و السّيّاب و البيّاتي و صلاح عبد
الصّبور و غيرهم ممّن لقّبوا بالشّعراء التّمّوزيّين ، فهناك استعادة لرموزهم ،
و يقول :
<< تمّوز مرّ على خرائبنا
تمّوز عاد ليرحم الذّكرى .>>
و اضافة إلى " تمّوز " نجد
" روما " و " بابل " و كلّ هذه الرّموز تشي بالفضاء المغلق ،
فضاء المعتقلات و السّجون الاسرائيليّة الّتي سيشهدها الشّاعر بدءا من قصيدته
الحدث " سجّل أنا عربيّ "
اضافة إلى هذه الرّموز الّتي تشي بالظّلم و الاستعباد و المآسي ، نرى رموزا أخرى
تشي ببعد رؤيوي و حلمي متّصل بالحرّيّة
<< افريقيا في رقصنا
طبل و نار حافية
و شهوة على دخان غانية .
و من هذا الدّيوان بدأنا نقف على أسماء
أعلام سيكون لهم وزن مهمّ في الشّعريّة الدّرويشيّة مثل "المسيح" ، و
يبتكر الشّاعر رمزا عربيّا و هو " محمّد العربي " و سيحي الشّاعر هذا
الاسم العلم بعد عقد من الزّمان ، في ظروف أكثر مأسويّة ( أو ملحميّة ) ، في
"أحمد الزّعتر" أو "أحمد العربي" .
المهمّ أنّ هناك روح جديدة بدأت تسكن
قصائد الشّاعر من خلال وفرة الأسماء و رمزيّتها العالية و روحانيّتها الأصيلة .
و في ديوان " آخر الليل "
الصّادر سنة 1967 يتكلّم الشّاعر عن "ريتا Ritta" و هي ثاني امرأة يتكلّم
عنها بعد أمّه ، و هي مجنّدة اسرائيليّة
التقى بها الشّاعر وجها لوجه في مظاهرة ضدّ الاحتـلال بعد هزيمــــة 1967 . و
الشّاعر لا ينفي أنّه صورة عن تسامح الرّجل الفلسطيني مع الآخر حتّى و ان كان
غازيا، و لكن هناك اختيار صعب سيواجهه محمود درويش و هو من سيختار : المرأة أم
البندقيّة ؟ خاصّة و أنّ الأعاصير أمام فلسطين قد بدأت تلوح علاماتها بقوّة .
و في ديوان " العصافير تموت في
الجليل " الصّادر سنة 1969 ، تبدو الأسماء الأعلام مختلفة عمّا سبق نوعا ما
فالجليل فضاء مكاني في شمال فلسطين ، و نلاحظ اختراع الشّـاعر لأسمـاء أعـلام
حقيقيّـة أو رمزيـّة مثـل " عبد الله " و " ليلى " .
و يبدو الشّاعر منحازا إلى هذه الأسماء
لأنّها ذات أصول شعبيّة و طبقيّة فقيرة أو مهمّشة و هذا ما يشير إلى الحمولة
الايديولوجيّة و التّقدّميّة للشّاعر في حقبة السّبعينات ، و لكنّ هناك معطى جديدا
وهو الوعي بالاحتلال و بوجود هذا الآخر الغاصب .
و في ديوان " حبيبتي تنهض من نومها
" الصّادر سنة 1970 يفاجئنا الشّاعر بحضور اسم علم ثان يحيل إلى امرأة
اسرائيليّة و هي " شلوميت " وهي تأتي بعد "ريتا" في حضورها في
سيرة الشّاعر الذّاتيّة و الشّعريّة ،
و لكنّ لحضور " شلوميت " نوع من
الغموض في المتخيّل الشّعري اذ أنّنا لا
نعرف ان كـانت امرأة تاريخيّـــــة و حقيقيّة أم هي من وحي الشّعر و الشّاعر
، و لكنّه مع هذا الغموض، يتحاور و يشرب معها كأسا من النّبيذ .
في هذا الدّيوان يتكلّم الشّاعر عن نفسه
بضمير " الهو " :
<< كان محمود صديقا طيّب القلب
خجولا كان لا يطلب منها
غير أنّ تفهم أنّ اللاجئين
أمّة تشعر بالبرد >>
هل يمكن القول أنّ أوّل حوار فلسطيني
اسرائيلي مباشر قد وجد في شعر محمود درويش فضاءا له ؟
يقول عنها :
<< ضقت ذرعا بالأساطير الّتي تعبدها .
>>
هي إذن امرأة اسرائيليّة ، صهيونيّة ،
متزمّتة و تجد أمامها رجلا مثقّفا ، فلسطينيّا ، لبقا ، يجيد فنون الايتيكيت ، و
صاحب حقّ و رجلا من رجالات الثّورة الفلسطينيّة في تغريبتها الكبرى .
و بتقدّم الدّواوين ، تبدو الفاجعة
الفلسطينيّة ( أو التّغريبة الفلسطينيّة ) أكثر بروزا و حضورا . و يذكر الشّاعر في
قصيدته " يوميّات جرح فلسطيني " نوعا من الأمومة حينما يذكر " فدوى
طوقان " و لهذه المرأة تأثير خاصّ على أغلب شعراء فلسطين .
و يقول عنها :
<< عندما كنت تغنّين رأيت الشّرفات
تهجر الجدران
و السّاحة تمتدّ إلى خصر الجبل
لم نكن نسمع موسيقى
و لا نبصر لون الكلمات
كان في الغرفة مليون بطل . >>
و في ديوان " أحبّك أو لا أحبّك
" الصّادر سنة 1972 تصبح أسماء المدن الفلسطينيّة أكثر تواترا في شعر المبدع
الكبير :
<< المهمّ أن أرتاح ثمانية أيّام في
الأسبوع
حسب توقيت فلسطين >> .
فهناك خضور لحيفا و لأغلب رالمدن السّاحليّة في فلسطين
التاريخيّة ، و هي المـدن الّتي سقطت سنـة 1948 و تنتمي إلى ما يسمّى الخطّ الأخضر
، ومنها قرية الشّاعر وهي "البروة" و تنتمي إلى فضاء عكّا .
و القدس أيضا الّتي يرسمها بقلمه و بريشته
و تيمة العودة الآن أصبحت فاعلة أكثر من أيّ وقت مضى :
<< و ستعودون إلى القدس قريبا
و قريبا تكبرون
وقريبا
وقريبا
و قريبا
هللويا
هللويا >>
إذن نحن أمام طوبوغرافيا فلسطين في شعر محمود
درويش ، وهي طوبوغرافيا لا نجدها لدى الشعراء الاسرائيليّين ، اذ أنّهم لا يعرفون
المكان أصلا إلّا في كتبهم و أساطيرهم .
الآن أصبحت هناك تيمتان جديدتان فيما يبدو
: اللجوء ، و المنفى فالتّغريبة الفلسطينيّة في بعدها الفجائعي غدت قصيدة طويلة لم
تنته بعد .
<<
لترتفع الآن أشرعة اللاجئين
رياحا رياحا
لتنتشر الآن أسماؤهم
جراحا جراحا >>
و لمّا كنّا نتكلّم عن اللجوء و التّغريب
فلا بدّ ىأن يستحضر الشّاعر أسماء للاجئين و
متعبين أصبحت مطارات العالم و موانؤهم تكتظّ بهم .
و أوّل غريب و منفيّ هو الشّاعر ذاته :
محمود درويش .
و أوّل اسم علم لرجل عربي عدا الشّاعر في
ديوان محمود درويش هو رجل يحمل اسم "سرحان" في قصيدة "سرحان يشرب
القهوة في الكافيتيريا " و هذه القصيدة المطوّلة هي نموذج لأهمّ القصائد
الّتي سيحرّرها الشّاعر في مستقبل تجربته الشّعريّة : مثل قصيدة الأرض و أحمد
الزّعتر .
و سرحان هو رجل فلسطيني أردني اتّهم بقتل
أحد رجال السّياسة في أمريكا و حكم عليه بالسّجن المؤبّـــد و هو إلى الآن في
السّجن و عمره حوالي 80 عاما و سرحان نموذج للمنفى و للقدس و المدن الضّائعة . و
يصفه الشّاعر بأنّه " كان أسير
الحروب و كان أسير السّلام " .
و في مجموعة "محاولة رقم 7"
الصّادرة سنة 1973 يعيد الشّاعر استحضار الرّموز الدّينيّة و الرّوحيّة لفلسطين :
مريم المجدليّة ، عيسى ، القدس ، جيل الكرمل .
و يستعيد ذكرى يافا و حيفا ، من موقع
الرّجل المنفي . فالأماكن الآن تتّخذ شكل الذّكرى و الجنّة و الفردوس المفقود .
و مقابل ذلك ستحضر مدينة أخرى لم يذكرها
الشّاعر فيما مضى أبدا و هي " بيروت " . ذكر دمشق ، بغداد ، القاهرة ...
افريقيا ، لم يكن يحبّ أن يذكر كثيرا مدن الخليج الّتي لم يحلّق بعضها بعد . و لكن لبيروت متخيّل آخر و وجود مختلف في وعي
الشّاعر .
إنّه يذكر المدن العربيّة بكلّ اجلال (
القاهرة و مصر خاصّة ) و لكن لبيروت روح أخرى ....
لا ننسى أنّها كوسموبوليتيّة تحتفي بالجديد و المختلف و
المتحرّر .
و في تلك " صورتها و هذا انتحار عاشق
" الصّادرة سنة 1976 هو الشّاعر الآن في بيروت و لكنّه يتذكّر يافـــا ، و في
بيروت تقوم الحرب الأهليّة ، لوجود الفلسطينيّين فيها أو ىبتعلّة ذلك .
و في ديوان " أعراس " و هو درر
دواوينه ، و عصارة تجربته مع الشّعر و تزدحم فيه الأسماء فهناك محمّد " لأنّه
أمير العاشقين " و هناك " راشد
حسين " و هو أحد المنفيّين الفلسطينيّين ممّن كان لقاء الشّاعر معه في المطار
و أوحت سيرة هذا الرّجل للشّاعر بقصيدة حول المنفى ، و بالنّسبة لهذا الرّجل فإنّ
أمريكا ليست الأرض الموعودة و ليست حلما بل :
<< كانت نيويورك في تابوتها الرّسمي
تدعونا إلى تابوتها . >>
و يبدو لنا أنّ الشّاعر التقى معه عشيّة
الكلمة الّتي ألقاها ياسر عرفات ( و الّذي لم يذكره الشّاعر في أيّ قصيدة أخرى في
حدود قراءتي للشّعر ) في الأمم المتّحدة .
اثر ذلك يلوح لنا اسم سيكون له شأن في الشّعر و
المقاومة و الملحمة و كلّ ماهو جميل و مأسوي
في هذا الكائن الفلسطيني العجيب . إنّه أحمد الزّعتر . من يكون ؟ كائن من
ورق ؟ رجل من لحم و دم ؟ فتى يمتشق سلاحه التقى به الشّاعر في بيروت . مهما تكلّمنا
لا يمكن أن نفي هذا الرّمز حقّه و لذلك نرى أن تتواصل القراءة لنقف على أسماء لم
تكن ذائعة الصّيت مثل ابراهيم مرزوق .
و لكن ما نلاحظه هو حضور نوعين من الأسماء
الذّائعة الصّيت : المسيح ، أو المجهولة تماما ، مثل خديجة .
ديوان مديح الظّلّ
العالي
بيروت هي عصب الشعريّة لدى درويش
<< بيروت قلعتنا
بيروت دمعتنا >>
يتكلّم عنها تكلّمه عن يافا و عن القدس :
<بيروت ، سورتنا >>
أسماء أخرى لأماكن تثير الوجع الفلسطيني :
شاتيلا ، صبرا ، دير ياسين .
حصار لمدائح البحر
1984
في هذه القصيدة المطوّلة مسار الشّاعر في
المدن العربيّة
ضاقت نفسه بالعراق ، و مصر ، و بالقاهرة ،
و يشير الشّاعر إلى أ،ّنه لا يؤثر الاستقرار في أيّ مدينة عربيّة . لأنّ في مصر
كافور ، و في دمشق زلازل .. يحلو له أن
يشبّه نفسه بالقرمطي . يلجأ إلى صديقه" عزّالدّين القلق " و هو ضحيّة
لاغتيال سياسي في باريس . و في هذا الدّيوان ينشئ قصيدة بيروت الّتي كتبها من وحي
خروج المقاومة سنة 1982 وفيها اعتراف إلى كلّ من أحب فلسطين إلى كلّ الأصدقاء و
الأعداء ...
هي أغنية هي أغنية
1986
الشّاعر يكشف مصادره في الالهام الشّعري ،
و تبدو مرجعيّة المتنبّي واضحة في شعره <<
على قلق كأنّ الرّيح تحتي >>
وردة أقلّ 1986
لا مكان للأعلام ، أو يندر حضورها ، و
يسافر بنا الشّاعر في قصيدة النّثر ، و له فيها نصوص جيدة و مؤسِّسة ما عدا اسم
النّبيّ يوسف و هي القصيدة الّتي أثارت سجالا لا يزال إلى اليوم قائما .
خـــــاتـــــمــــة
لقد كانت اسماء الاعلام في شعر محمود درويش حاملة
للمعنى و مولدة للدلالة في القصيدة و في السيرة الذاتية لهذا الشاعر الفذ بيدانه
لوحظ أن في دواوينه الاخيرة قبل وفاته سنة 2008 لوحظ أن اسماء الاعلام تقل و تندر
مما يشير حقا الى ان الشاعر أضحى يتحرك في عالم اكثر تجريدا و أقل فلسطينية فيما
يبدو ففي ديوانه " لماذا اتركت الحصان وحيدا " لا نعثر إلّا على ثلاثة
او اربعة اسماء اعلام على نقيض ما كان عليه الامر في دواوينه الاولى .إنَّ ذلك
يمكن ان يكون موجها لدراسة تطوّر المعجم الشّعري لهذا الشّاعر الذي لا نملّ ابدا
من قراءة شعره . < بيروت ، صورتنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق