2022/07/19

ابن الفارض و الشّعر الصّوفي


 بين يديّ نسخة ممتازة من ديوان عمر بن الفارض كنت اقتنيتها ذات مرة من مدينة الرباط صادرة عن وزارة الثقافة المصرية بواسطة الهيئة العامة لقصور الثقافة. وقد طبع ديوان ابن الفارض عديد الطبعات منها تلك التي خرجت عن دار صادر ببيروت دون تحقيق وبمقدمة لكرم البستاني دون 150 كلمة عاب فيها الشاعرَ بإسرافه في المحسّنات البديعيّة على عادة أهل عصره (القرن السّابع الهجري) لكنّ الطبعة تحتوي في هوامشها على شروح لغويّة وهو ما يبدو لنا ضروريّا لفهم المعجم المعقّد لما فيه من غريب الاشتقاق والإلغاز.

أمّا النّسخة المصريّة التي حققها واخرجها المستشرق الإيطالي دجوزبي سكاتولين (لم نعثر له على ترجمة لا في المصادر الورقية (روبير 2 للأعلام) ولا في المصادر الرّقمية ) حققها تحقيقا علميا قوّض النّظرة القديمة التي كانت لدى القارئ عن مكوّنات ديوان ابن الفارض وربّما أثّر ذلك حتى على القراءة والتّحاليل التي قد تنجَز حول ابن الفارض. فقد تجاوز ما كان يعتمده النّاشرون من رواية سبط الشّاعر الشيخ علي (المتوفى سنة 755للهجرة بعد وفاة جدّه بقرن تقريبا) وقدم رؤية جديدة للديوان مع دراسة مستفيضة بالعربية والإنجليزية هي ملخص لأطروحة الدكتوراه التي أنجزها في موضوع التصوف الإسلامي بالمعهد البابوي للدراسات الإسلامية والعربية سنة 1987
ومما انتهى إليه الشاعر في خصوص اعتماد دور النشر على ما أخرجه سبط الشاعر أثار شكوكا واحترازات لدي سكاتولين فوقف بعد جهود مضنية على حقيقة الديوان.
يقول المحقق: "غير أن عمل سبط ابن الفارض لم يعد في ميزان الدّراسات الحديثة موضع ثقة لا في ترجمته لسيرة جدّه ولا في روايته لأشعاره...[ فقد حوّل] سيرة جدّه إلى سرد مطّرد من الخوارق والكرامات لا تصدّق..."
سيرة ابن الفارض
اقتباسا عن: وفيات ابن خلكان ج1 ص 383 وأعلام الزركلي ج5ص55)
هو عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي، قدِمَ والده من حماة في سورية إلى مصر وصار يعمل في إثبات فروض النّساء على الرّجال بين يدي الحكّام، فسُمّي نجله ابن الفارض. ولد عمر بن الفارض سنة 576هـ الموافق لسنة 1181م في القاهرة، تفقّه في المذهب الشّافعي وأخذ علم الحديث عن ابن عساكر أعجب بسلوك الصوفيّة فانخرط في مسلكهم، وكان يأوي إلى المساجد المهجورة في القاهرة وأطراف جبل المقطم. ثم سافر إلى مكة في غير وقت الحجّ فصار يصلّي في الحرم وينعزل في وادٍ بعيد عن مكة حيث نظم أكثر شعره. بعد خمس عشرة سنة عاد إلى القاهرة وصار يجلس في الجامع الأزهر وتتوافد عليه النّاس حتى سلطان مصر آنذاك (الدّولة الأيّوبيّة) رُميَ باعتناق مذهب وحدة الوجود أو الاتحادية وهو مذهب فلسفي يقول بأنّ الله والطبيعة حقيقة واحدة واعتُبر من يؤمن بها ملحدا، وقد رُميَ بها بعض المتصوّفة لتبرير قتلهم، من أمثال: ابن عربي، وابن الفارض وأتباع الأفلاطونية المحدثة وفلسفة الرّواقيين... وقد كاد يقتل بها ابن عربي لولا تدخّل العزّ بن عبد السلام لمنع ذلك. ( العز بن عبد السلام فقيه وقاض شافعي. (577/ 660 ه) (انظر سيرته في طبقات الشافعية الكبرى للسّبكي)

ديوان ابن الفارض بين الرّواية والحقيقة
(اعتمادا على مقدمة المحقق)
..............
منذ أن تفطن المستشرق الإنجليزي جون أرثر أربرّي Arberry ( 1905/1969)إلى وجود رواية لديوان ابن الفارض في دبلن Duplin ( ( Chester beatty collection لا تتّفق وما يُتداول من شعره رجّح أنّها كُتبت ما بين 691 و 701 هجريا فهي أقدم من نسخة الشّيخ عليّ التي اعتمدتها النّشرات المعروفة ، فنشر نسخة دبلن سنة 1952 مع ترجمة للإنجليزية... (لهذا المستشرق اهتمام كبير بالتّصوف الإسلامي فضلا عن ترجمته للقرآن إلى اللغة الإنجليزية) ثم عثر دجوزبي سكاتولين في مدينة قونية بتركية على مخطوط آخر لديوان ابن الفارض رجّح أنه كتب بين 640 و 673 هجريا، (وفي تركيا نسخ عديدة لديوان ابن الفارض أحصاها النّاشر...نُهبت من ثروات مصر إبّان الاحتلال العثماني) فهذه النّسخة أقدم من نسخة دبلن لكن تتّفق معها في عدد القصائد وهي خمس عشرة لا غير. وبالتّالي فإنّ ما أضافه سبط ابن الفارض يصبح مثيرا للاحتراز حول أصالته، لذلك أفرده سكاتولين بجزء مستقل سمّاه "القصائد المزيدة ونصوص متناثرة"
• القصائد المزيدة: عددها قصيدتان ونتفة من أربعة أبيات. أهم القصيدتين هي العينية التي مطلعها (من الطويل)
أبَرْقٌ بدا من جانب الغَوْر لامع*** أم ارتفعتْ عن وجه ليلى البراقعُ؟
ولهذا النّصّ قصة سنعود إليها.
• الدّوبيتات (مجموعات من بيتين اثنين) وعددها ثلاثون دوبيت.
• الألغاز: وعددها اثنان وعشرون نصّا بين القصيد والنّتفة. ومن نماذج الألغاز (من الخفيف)
ما اسم شيء من النّبات إذا ما *** قلبوه وجدته حيوانا
وإذا ما صحّفت ثلثيه حاشا*** بدْءَه كنت واصفا إنسانا
• نصوص متناثرة: مجموعة من النّصوص ذكر الشّيخ علي أنّه تلقاها من معارف جدّه بعد وفاته.
ومثل هذا يبرّر الشّكوك التي أبداها المستشرق الإيطالي في نِسبة محتوى هذا الجزء إلى ابن الفارض.
القصيدة التائهة مائة عام
من ضمن القصائد المتناثرة قصيدة ظلّت مفقودة مائة عام مطلعها:
أبَرْقٌ بدا من جانب الغَوْرِ لامع*** أم ارتفعتْ عن وجه ليلى البراقعُ
فلمّا فُقدت (إلا مطلعها) عمد الشّيخ علي إلى التّذييل عليها (محاكاتها) محتفظا بذات المطلع. قال الشّيخ مقدّما هذه القصيدة: "قد تقدّم القولُ في العنوان (قصد بالعنوان ديباجة الدّيوان) في أمر هذه القصيدة من الدّيوان أن ولد الشّيخ (يعني ابن الشّاعر ابن الفارض ووالده هو) تطلّبها مدّة ستّين سنة وتطلّبتُها بعد وفاته كما عهد إليّ أربعين سنة... وقد ردّها الله علينا على يد رجل صالح سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة..."
القصيد الأصل الذي عُثر عليه بعد ضياع به 25 بيتا في الغزل الرّمزيّ على عادة المتصوّفة... والنّساء اللائي كنّ موضوع غزل عدّة: هنّ ليلى وعزّة وسليمى، والأماكن، مسرح المشاعر، متعدّدة أيضا، منتقاة ممّا عرفناه في الشّعر الجاهلي أو العصر الإسلاميّ الأوّل: ذات الغضا ، وادي الحمى، لعلع، ماء العُذيْب، حاجر، قاعة الوعساء، رُبى نجد، توضح، لوى سلع...
أمّا معارضة السّبط فهي من 60 بيتا، والمرأة المتغزل بها ليلى لا غير، والظاهر أنّه اتّخذ فيها من قصّة قيس بن الملوح مرجعا: يقول:
خليليّ إني مُذ عصيت عواذلي*** مطيعٌ لأمر العامريّة سامع
ولكنّه ينحى بها منحى صوفيّا... وهي من النّاحية الشّعريّة الجماليّة أرفع بكثير من قصيدة الجدّ.
التّائيّة الصّغرى والتّائيّة الكبرى
...............
في ديوان ابن الفارض وضمن القسم الأوّل منه، وهو النّصوص المتّفق على صحّة نسبتها إلى الشّاعر، قصيدتان كتبتا على ذات البحر (الطويل) وانتهتا بنفس الرّوي (التّاء) سُمّيت الأولى بالتّائيّة الصّغرى وبها 103 أبيات، مطلعها:
نعمْ، بالصَّبا قلبي صَبَا لأحبّتي*** فيا حبّذا ذاك الشّذى حين هبّتِ
أمّا التّائيّة الكبرى المُسمّاة ب"نظم الدّرّ" أو "نظم السّلوك" فبها 761 بيتا، مطلعها:
سقتني حُميّا الحبّ راحةُ مقلتي*** وكأسي مُحيّا مَن عن الحُسن جلّتِ
تنتمي التّائية الصّغرى إلى ما وصفه المحقق سكاتولين بمرحلة الفرْق... حيث يصف الشّاعر حالة التّفرقة وعم الاجتماع بحبيبته، لذلك فإنّ المضمون المُهيمن هو التّوق إليها ووصف معاناة الوجد في غيابها.
أمّا التّائية الكبرى التي شرحها شرف الدّين داوود القيصري(توفي 751ه/ 1350م) وشرحها غيره، فقد لخّصت تجربة ابن الفارض الصّوفية، لذلك هي في الزّمن متأخّرة عن الأولى وإن لم يُذيّل الدّيوان بتاريخ الإنشاء، لكنّها، منطقيّا، تكون لاحقة، فربّما تكون كُتبت بمكة والشّاعر هائم في وديانها القاحلة. فقد كان الكشف تعذّر عليه في القاهرة، إلى أن أعلمه شيخ يُخفي الحكمة ويُبدي العته بأنّ الكشف لن يأتيه إلاّ في مكة، فرحل إليها(حسب رواية سبطه الشيخ علي في ديباجة الدّيوان) وعلى هذه التّائيّة الكبرى اعتمد الشّرّاح في فهم الفكر الصّوفي لابن الفارض وعليها اعتمد المستشرق الإيطالي في استخلاص تجربة ابن الفارض الصّوفية وإجلاء ملامحها، فقسّمها إلى ثلاث مراحل: مرحلة الفرق ( الحنين وطلب الكشف) / مرحلة الاتّحاد (حصول الكشف)/ مرحلة الجمع(ما بعد الكشف والذّوبان في الذّات العليا).
الشّعر الصّوفي والشّعر المتصوّف
أصدر الأكاديمي السّعودي فضل بن عمار العماري دراسة حول الشّعريّة في تائيّة ابن الفارض (مجلة الآداب الصّادرة عن جامعة الملك سعود م 29 ع 3 ص ص 75-105 بتاريخ 2017)
دراسة جديرة بالاهتمام، فقد ذهب مؤلّفها إلى أنّ النّقد القديم استبعد شعر التّصوّف من اهتمامه، فظلّ هذا الشّعر حبيس الدّوائر الصّوفيّة، ثم قال: «بدأنا نسمع مؤخّرا (سنة 2017) عن توجّه شديد نحو إعادة الاعتبار لهذا الشّعر... وكثيرا ما جعلوا علي أحمد سعيد (أدونيس) ممثّلا لهذا التّوجّه"، إلى أن قال:" ولقد قادت نتيجة الدّراسة (التي أنجزها هو)إلى أنّ علماء النّقد والبلاغة الأوائل كانوا على حقّ في استبعاد الشّعر الصّوفيّ من الشّعر."
خلاصة ما ورد في المقال ثلاث أفكار رئيسة:
• النّقد القديم استبعد شعر التّصوّف من اهتماماته
• الشّاعر الصّوفي ذو خيال ضعيف ومفتعل
• الشّعر الصّوفي ناقل لأفكار وليس لمشاعر
***
ففي خصوص النقطة الأولى ذكر أنّ النّقاد والبلاغيين العرب (يصعب التّمييز بين الفريقين) قد استبعدوا من اهتماماتهم الشّعر الصّوفيّ، وبرّر الباحث هذا الاستبعاد بأسباب فنّيّة بحتة أهمّها قضية الصّدق. فقال: "ولقد قادت نتيجة الدّراسة إلى أن علماء النّقد والبلاغة الأوائل كانوا على حق في استبعاد الشّعر الصّوفي من الشّعر- وإن صاغه المتصوفة بالقوافي والأوزان- فهذا الشعر هدفه الرئيس إيصال الأفكار، وليس نقل المشاعر والأحاسيس، وخياله خيال ما ورائي مصطنع، أي: لم يعش تجربة الشاعر بتوتره وانفعالاته، وإنما عاش تصور الناظم بعقله" (انتهى النقل عنه)
والحقيقة أنّ النّقد القديم لم يستبعد أشعار الصّوفيّة فحسب بل استبعد أيضا شعر الشّيعة وإن كان حظّهم أوفر من شعراء الخوارج وكثير منهم ظلّ مغمورا مثل عروة بن زيد الخيل وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني وأبو الأسود الدّؤلي الذي أشهره النّحو والكميت والسيِّد الحِمْيري، وقيس بن ذريح ودِعبل الخزاعي، وديك الجنّ، وأبي الشّيص، والحسين بن الضّحّاك، ومنصور النّمري، والأَشجع الأسلمي، ومحمَّد بن وهيب، وصريع الغواني... وكثيرا منهم من كان محلّ تتبّع من السّلطة السّنّيّة (أمويّة وعبّاسية) ومنهم من قُتل. وكان شعرهم مليئا بالمشاعر الفياضة.
واستُبعد أيضا شعر الخوارج من الدّرس الفنيّ، ومن اشتهر منهم لدى الخاصّة دون العامّة قَطري بن الفجاءة وعمران بن حطان السّدوسي وصالح بن عبد القدوس، إن دُرسوا فإنّما بشكل محدود، ولعلّ قَطري بن الفجاءة هو الوحيد الذي جمع شعره في ديوان... ولهذا قال إحسان عبّاس في مقدّمة كتابه: شعر الخوارج (دار الثقافة بيروت ط3/ 1974)"منذ أن كتبت الدكتورة سهير القلماوي رسالتها في " أدب الخوارج " وتصدّى الأستاذ أحمد الشايب للحديث عن أدبهم في كتابه " الشعر السّياسي في العصر الأموي " ، لم يكتب فيهم من الزّاوية الأدبية شيء آخر ذو بال، ولم يلق شعرهم وأدبهم عناية مجدّدة..."
فاستبعاد شعر الصّوفيين لم يكن مطلقا لأسباب فنّية ولكن لأسباب مذهبيّة عقديّة في ظلّ هيمنة المذهب السّنّي على الحياة السّياسية والاجتماعية. ولعلّ الباحث السّعودي قد خضع لذات الإرهاصات التي خضع لها النّقد القديم في استهجانه لأدب الصّوفيّة.
وفي خصوص النّقطة الثالثة(نقدّمها على الثانية) فقد حدّد الباحث مجال الشّعر الصّوفيّ بأنّه ناقل أفكار وليس ناقل مشاعر وإن اتّخذ في الظاهر شكل الشّعر من وزن وقافية، فماذا نقول عن قيام الشّعر الصّوفيّ على مقوّم الحبّ الإلهي واستعارة مرجعيّة الغزل والخمريات لوصف حالات الوجد والحنين والسّكر بالحبّ؟ وهل يخلو قول ذي النّون المصري هذا من العاطفة:
أموتُ وما ماتت إليك صبابتي*** ولا قضيتُ من صدق حبّك أوطـــــــــــــــــاري
تحمّل قلبي فيك ما لا أبثّــــــــــــــــــــــــــــــــــه*** وإن طال سُقمي فيك أو طال إضراري
وماذا نقول في قول ابن الفارض:
وقد نلت منها كلّ ما كنتُ راجيا*** وما لم أكن أمّلت من قُرب قُربتي
ويلثم مني كل جــــــــــــــــــــــــــــــــزء لثامها*** بكل فـــــــــــــــــــــــــــــــــمٍ في لثمِهِ كلُّ قبلةِ
وتبعا للمقاييس التي وضعها الباحث السّعودي التي من ضمنها صدق التّجربة فإنّ علينا أن نزيل من اعتبارنا للشّعر مقدّمات النّسيب وقد أبدع الشّعراء أيّما إبداع دون أن يكونوا عاشوا تجربة غراميّة، هل تركها النّقّاد وأهملوها لغياب الصّدق منها؟
وعن تغييب النّقّاد للشّعر الصّوفيّ لأنّه حامل لأفكار لا لمشاعر فهل أهمل النّقّاد حكمة أبي العتاهية وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء المعري؟
وفي خصوص النّقطة الثّانية التي أخّرنا الحديث فيها لأهمّيتها حيث أنّ الأكاديمي السّعودي سمع سنة 2017 بتوجّه جديد الشّعر العربي يعيد الاعتبار للشّعر الصّوفي ونسب الرّيادة فيه لأدونيس علي أحمد سعيد... (انظر كتاب: د. هلا حلبي: المنحى الصّوفي الفلسفي في شعر أدونيس. دار الفارابي بيروت 2019. وتوجد منه نسخة رقمية مجانية على الشبكة)
فمن النّاحية التّاريخية التّصوف قديم جدّا قِدم الأديان، سماوية كانت أم وضعيّة. ومن الطبيعي أن يتوخّاه الشّعر، في مراحل متقدّمة من تاريخ الإنسانيّة، في سبيل اكتشاف عوالم أوسع وأعمق عن طريق الإدراك الحدسيّ لقدرته التّأويلية المتخطية للإدراك الحسيّ للظواهر وللفهم اللغوي لظاهر النّصّ، فلا تحصل له بذلك معرفة عقليّة بل تحصل له معرفة قلبيّة تتجاوز حتما محدوديّة العقل واكتفاء قدرته الإدراكيّة بالعالم التّجريبي.
ولعلّ السيد فضل بن عمار العماري النّاقد السّعودي لم يميّز بين أمرين: الشّعر الصّوفي والشّعر التّصوّفي: فالأوّل هو ذاك الذي كتبه صوفيون حقيقيون كابدوا التّجربة الصّوفيّة بكلّ آلامها من مجاهدة النّفس والزّهد في اللذة وإسكات العقل، فكان الحدس هو وسيلة الإدراك لديهم بواسطة الحبّ لا بواسطة التّفكير... وعبّروا عن تلك المكابدة في أشعارهم وكتاباتهم مثل ديوان ابن الفارض الذي لم يجعل له عنوانا لأنّه لم يجمعه في حياته، أو ترجمان الأشواق لابن عربي أو المواقف والمخاطبات لحمد بن عبد الجبار النّفّري أو فيه ما فيه لجلال الدّين الرومي...
أمّا الثاني فإنّه معبّر عن مجرّد منهج توخّاه الشّعراء عند اكتشافهم الطبيعة الكشفيّة للشّعر فأقاموا "الصّلة الجوهرية بين الإشراق الصّوفي والرّؤية الفنّيّة في الحداثة الشّعرية، والتي تتعدّى الأقفاص العابرة للغة في محاولة الوصول إلى ذلك المعدن اللامرئي للكون" (حسب عبارة هلا حلبي). ها هنا لا يقتضي الأمر أن يكون الشّاعر صوفيّا ولكن يقتضي أن يكون حاملا لرؤيا شعريّةٍ جماليّة ذات طابع روحانيّ، تجد عمقها الإنسانيّ الكونيّ في كشوفات الصّوفيّة، متشبّعا بالرّوح الصّوفيّة وعالما بلغتها وأبعادها الدّلالية ومُلمّا بملامح العالم الذي يخلقه "أهل الحق" كما يسميهم جلال الدّين الرومي في نصوصهم دون أن تكون حالة الصّوفيّ ومكابدته الرّوحيّة سِمة لوجود الشّاعر.
وفي تاريخ أدبنا التونسي عرفنا مرحلة سُمّيت بمدرسة القيروان الشّعريّة الصّوفيّة أو المدرسة الكونيّة منذ 1981 ومن مؤسّسيها حسن المؤذّن وحسونة المصباحي ومنصف الوهايببي ومحمد الغزي والبشير القهواجي. وقد خصّ الطاهر الهمامي هذا الاتّجاه بفصل من كتابه "مع الواقعية في الأدب والفن"(دار النشر للمغرب العربي. تونس1984) فسمّاهم الدراويش وتابع مسيرة هذا الاتّجاه الذي كان أفراده ينشرون نصوصهم الشّعريّة ومقالاتهم التّحليلية في الصّحف الأدبيّة في تمجيد رموز الصّوفيّة الفارسيّة والعربيّة. تابعه من منظور معاكس رافض، هؤلاء المؤسّسون لم يكونوا متصوّفة بشكل من الأشكال في ممارسة وجودهم ولكنّهم وجدوا في التّوجّه الرّوحاني أفقا لتطوير الشّعريّة مقابل التّوجّه المادّي الاشتراكي الذي مثّلته الطليعة والأدبيّة واليسار التّونسي عموما... ويبلغ الطاهر الهمامي من انتقادهم أن جعلهم "يجترّون فُتات النظريات الطوباوية والمثالية الماورائية"(مع الواقعية...ص 20).
وخلاصة القول إنّ صلة الشّعر بالصّوفية على نمطين ينبغي التّمييز بينهما عند مقاربة الظاهرة: شعر صوفيّ ناطق بحال كاتبه من المكابدة الرّوحية، وشعر يتوخى طريق الأوّل في كشف مجالات روحية وجمالية وتعبيرية دون أن يعيش صاحبه مثل تلك المكابدة في وجوده العمليّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق