2022/06/17

الهاوية


 مات أولاده الذكور، صحة، وجمال رباني، بعد ولادتهم بفترة بسيطة، وكلما تذكرهم بكي ممرورًا من أفاعيل القدر، يُصلي الوقت بوقته، ويدعو الله مع كل سجدة أن يكرمه بولد، ولو شبه "القلوط"، خلقتك حلوة يارب، عندما يذكر اسم المولي يرتجف خوفاً، ودائما حريص على أن يُدخِلَ بيته المال الحلال، يدقق فى الصغيرة والكبيرة، لو عود فجلٍ نما على حواف الخزان، لا يمد يده نحوه يفرق الحد على الشعرة، يقيس الأرض (باسم) ، و الناس تحبه وتحس براحة فى مسامرته، ويسمونه الشيخ رغم أنه لا يحفظ من القرآن سوي قصار السور؛ ليصلي بالجيران جماعة فى الغيط.

مع الحمل الأخيرة للسيدة "سناء عبد الفضيل" استجاب الرب لدعاء مدرس الرياضيات الذي لا يُعطي دروسا، ولا يقهر تلميذاً، ولا يضرب تلميذة، أو يجرح مشاعرها، ويعامل كلَّ تلاميذ المدرسة باعتبارهم أولاده، وأعطاه الله ولدا صحة بغل، ووجه خنزير لعين، وزاد من بشاعته باختيار اسم يليق بهذا الكائن العجيب، والذي ثبت بعد ذلك أنه حمَّال الأسية وشاطر، ولكنه عنيد كثور، لو أراد أن يفعل أى شيء، لا يرجعه شيءٌ، الست سناء قالت: وزوجها يضع اللقمة فى فمه :أنا عندي إحساس أني مش هفرح بالولد ده" . عبد الفضيل وكأن لسعته أفعي ،بصق اللقمة وقام مفزوعاً وكأن عزرائيل يدق على الباب لاقتناص عمر ابنه الوحيد.
"تفيه من بوقك يا ست أنتِ، خلي فأل حسن".
رمى اللقمة علي القياس، وقام، متعكر المزاج يدور فى البيت، ثم خرج، وذهب للغيط، توضأ وصلي العصر، ثم أخرج المسبحة ،وأخذ يُسبح بحمد المولي ،فالق الحب ،والذي يحيي ويميت وهو علي كل شيئٍ قدير.
نظر للمواشي" اللهم صلي علي النبي" علي آخرها شبعانة ،وبزازها منتفخة باللبن، قال: "البلد دي حسادة "ولما تقصد واحد تجيب آجله" وفكر ثم فكر ثم قام وطالب ابنه ان يفك المواشي فالشمس بدت تنحدر نحو المغيب
كان "أبو غبيط" يلبس جلبابا قديما ،جعله أشبه بالبهلول، وهو يحش البرسيم ويرمي وراءه، فرح بالولد الفالح، الذي ربنا أكرمه به، وقال: إن أرض الله واسعة.
وأضمر سرا داخل صدرة ،وقرر التنفيذ، ذهب للبحث عن تاجر الأراضي" رمضان أبو أسماعيل" وخلال أسبوع كان قد باع ما يخصه فى البلد من أراضٍ وبيت ، واشتري 35 فدانا فى أرض التحرير، وقطع علاقته بالبلد ومن فيها، ورغم أن (أبو غبيط ) كانت سنه صغيرة، والناس كانت تضحك منه ،لأن بيت النجار مخلع ،والأستاذ المتعلم ابنه فلاح، وعندما وصلا الأرض الجديدة كان هناك عشرة فدادين مستصلحة ومزروعة، وهناك خمسة عشر فدانا محاطة بسياج من الأشجار، كأن (أبو الغيط ) في البلد متخصص في زراعة البرسيم فى الشتاء ،والذرة في الصيف ،وتربية المواشي. و رغم ذلك وخلال مدة بسيطة فهم طبيعة الأرض ،والحبوب والفاكهة الصالحة للزراعة، وكأنه نبت من الرمل، فخلال مدة بسيطة كان الجيران يستشيرونه في الزراعة وفي التسبيخ، وفى الماكينة التي عطلت فجأة، وهو لا يهمد ولا يقول لأحد لا ، مجرد أن تقول له (يا أبو غبيط ) يقوم على حيله، ويخرج المفاتيح، ويدخل على الماكينة يفحصها، وخلال مدة بسيطة تكون الماكينة شغالة ،والمياه تتدفق فى الزرع، أو فلاح يذهب بورقة مصابة بلطعة ،لا يعرف أي دواء يصلح لإ عادة اخضرارها، وإزالة اللطعة، أو التقاوي الجيدة، أو السماد الذي يصلح لشجر البرتقال، كان وتدا فى المكان ورجلا ( جدع ) وابوه يكز على أسنانه ويقول له:" يا بن الكلب تضيع مني أوديك فين"؟
يرد ويقول سيب الملك للماك، هو حد خلِّد فيها؟
يرد ويقول: "عبيط ... عبيط ابن كلب كِنْ وداري على شمعتك تقيد، الحسد مذكور فى القرآن، يا بن الكافر " فيقوم فى مواجهته ويقول: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون".
فيصمت الأب كمدا، ويظل طوال الليل يكلم نفسه، والأستاذة سناء تحاول أن تريحه فتتكلم معه عن أشياءَ كثيرة عن الزرع والبهائم، وأختها وعمتها، وكيف أن خالتها "بهانة" اشترت تليفونا محمولا، وتظل تتسامر فيه مع أختها الحاجة (فاطمة) ، والعجين والنسوان ويا ختي وكل شوية يتخانقوا ويقفلوا التليفونات فى وش بعض ،وبعدها بشوية يرنوا علي بعض ويبدأ العتاب".
كبِرَ (أبو غبيط) ومن عقل رأسه ذهب للحاج محمدين وقال: أنا عايز اتجوز انتصار يا حاج.
قال له: كده على طول؟
أنا بس حبيت أديك خبر ،وآخر النهار أبعت أبويا.
قال: علي خيرة الله . و تم زواج (أبوغبيط ) على (إنتصار) وبعد تسعة أشهر أنجب إبراهيم وسالم.
استراح الأب، ورأي أن الأيام تجري لصالحه، خاصة أنَّه ينعمُ بالخير وراحة البال، وفى يوم كان (أبو الغبيط) يزيت الماكينة حتى دخل عليه ابن خالته ،ورجل أسود بعين براقة مقتحمة ،وكرش كبير وعرَّفَه به: (الحاج عبدالله، الحاج عبدالله بيقول إن الأرض دي فيها آثار.
وضعَ جركنُ الزيتِ، ومسح يده ، بفوطة وَسِخَةٍ، وقال لا مؤاخذه زي ما إنت شايف، كانت يده مليطة بالزيت ومتسخة، ولكنها فى نفس الوقت لفتت نظر الشيخ بحجمها الهائلِ وقوتها البادية عليه، كان بقوة جرار ، لحيم، شعره أكرت ووجهه أحمر ،مقلبظ، جمع قص فروع الشجر ورمى عليه جاز وسخ ،وأشعلَ فيه النار ،ووضع البراد علي النار، وقال له: كنت بتقول إيه؟
رد ابن خالته: قال له: بقولك يا (أبوغبيط ) آثارات وإيه ملغمة، قول قول يا حاج عبدالله
قال: الأرض دي ملغمة آثارات ..
ــ طيب وأنتم مالكم بالموضوع؟
ــ مالنا إزاي؟
قال: الأرض أرضي والآثار تخصني، أنتم تاخدو الواجب ،وعلي البيت عِدِل.
قال الحاج عبدالله: الخريطة معايا ومش هتوصل ليها إلا بوجودي ،وآخذ النص كمان لأن أنا اللي عارف التاجر.
قال: هيء هيء متشكرين يا أفندي . ورسم خطوطا محددة ،أظهرت خريطة لمساحة الأرض .
شرب الحاج عبدالله الشاي ،وابن خالته وسارا وبصدورهم كمدٌ وغمٌ.
بعد أن ذهبا ،أخذ يدور فى الأرض ويفكر فى أي الأماكن التي من الممكن أن يجس نبضها ليعرف دسائسها، أخذ يرسم دوائر علي مناطق، ومثلثات على أماكن أخري ومستطيلات على أماكن أخري، كانت الدوائر هي الأماكن الذي كان يعتقد أنه بها مساخيط كان لديه يقين، شاور زوجته في الأمر فكادت تجن وقال: علي بركة الله ، لكن أوع أبوك يعرف، يكسر مجاديفك .
فى الليلة الأولي ،سحب الكوريك وأخذ يحفر كثور ،وزوجته تصب الشاي، وتناوله وتصنع له فطائر، ويعمل ويعمل حتى لم يعد يري، رغم النور المبهر من اللمبة الكهربائية، ويسقط فى جوف الأرض ويضع الأخشاب كساتر وحامي ولكن التربة الرملية مخادعة، انهار عليه جرف رملي فكتم أنفاسه إلي الأبد ولم يسمع صراخ زوجته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق