في شكل يبدو مستطيلا لابداية له ولا نهاية تارة، ويبدو دائريا تارة أخرى كانت المنازل الطينية المتقاربة من بعضها تمتد.. داخلها رمل كثيف ورمل أكثف يحاصرها من كل الجهات.. فيها كنا نتنقل جماعات جماعات..وشبابا كنا..الماء الذي في قربنا شربناه كله ولم نبق منه فيها إلا الجفاف..حبات التمر التي ملأنا بها جيوبنا قبل المجيء أكلناها كلها ولم نترك منها غير نواها الذي غطته الرمال..
أفواهنا عطشا لافحا صارت..وبطوننا راحت تتضور جوعا..ولم نكن ندري من أين جئنا..ولا كيف جئنا..ولا ماذا نفعل هنا..كل ما كنا نحس به أن هذه المنازل ليست غريبة عنا وأننا نحن الشباب نعرف بعضنا منذ عشرات السهول والجبال والبحار والصحاري والوديان والأنهار.. ومنذ مئات الأجيال..ومنذ ملايين الأشجار والطيور والعصافير والحيوانات المدجنة وغير المدجنة.. ومنذ ملايير الأحجار والصخور والحشائش..
لابد ان نتحرك،قلت للشباب..
في الحركة بركة، قال أيسري..
على بركة الله، قال أيمني..
وتحركنا..من منزل إلى الذي يليه كنا نتنقل..
حين تعبنا اتكأنا على الرمل..لم يكن الرمل حارا ولا باردا..الوقت ما يزال في ضحاه..وبعض الخفافيش تفاجئنا بطيرانها المباغت من حين إلى آخر وتدفعنا غريزيا إلى وضع أيادينا على رؤوسنا وعيوننا..
لابد ان نصعد إلى السقوف، قال أحدنا..ربما نرى في القريب أو البعيد واحة ما.. تسلق جداره وصعد..مثله فعلنا واحدا واحدا..وكنا فوق السقوف واقفين..
نظرنا إلى الجهات كلها..في السهو جهة جنوبنا رأيناها..واحة واسعة على بعد حوالي الكيلومترين تتلأ لأ أمامنا خضراء خضراء..
هيا بنا ، ياشباب، قال الذي اقترح علينا الصعود..
هيا بنا، قلنا كلنا..
وكما صعدنا نزلنا..كانت الشمس قد بدأت ترسل بلهيبها.. سنستريح قليلا ثم نتحرك، قلت..ووافقوا على اقتراحي..
حين استرحنا تحركنا..
ياله من لهيب رملي، قال أيمني..
يا لها من شمس حارقة، قال أيسري..
انتبهنا..كلنا كنا حفاة وثيابنا ممزقة..لكننا مشينا..كانت الواحة اتجاهنا..
حين أشرفنا على السهو ،حيث الواحة، رأيناهم..كانت نظاراتهم المسلحة تصطادنا واحدا واحدا..وكانوا لباسا أسود..هراوات ومسدسات كانوا..
أشار عليهم أكثرهم سوادا لباسيا بالانطلاق..وانطلقوا في اتجاهنا.. ولم يكن امامنا إلا الرجوع إلى خلفنا..
كنا نجري لاهثين، نتعثر بين الفينة والأخرى بعظام تشبه رائحتها رائحتنا ..
دخلنا بيوتنا الطينية متعبين ورحنا نصعد جدراننا جدارا جدارا مستعينين ببعضنا..وكنا في أسقفها من جديد..
بعد لحظات قليلة رأيناهم يدخلون المنازل ويتسلقون جدراننا..
وكانوا قريبين جدا منا حين حركنا أذرعنا وطرنا..حركوا هم أيضا أذرعهم لكنهم لم يطيروا..طار رصاصهم خلفنا..
صحنا دفعة واحدة: حريه، حريه، حريه..وراحت كل حرية تسقط رصاصتها وتغيصها في الرمل..
وكنا نحط طيورا وعصافير في الواحة..شربنا حتى ارتوينا من ماء سواقيها وجداولها وأكلنا حتى شبعنا من دقلة نورها ومختلف فواكهها..كنا وحدنا..
بعد استراحة قليلة تحركنا..لابد ان نطلع على ما في الواحة، قلنا..وكنا حينها قد عدنا إلى شبابنا..و..
ما إن بدأنا التحرك حتى رأيناهم يتقدمون إلينا من جهة الشمال حيث المنازل الطينية التي تركنا..لم نهرب..ثبَتنا في أماكننا وصحنا عاليا: حريه، حريه، حريه..
ويا لعجب ما رأينا..كل حرية تنطلق من أفواهنا في اتجاههم تسقط أحدهم على ظهره أو بطنه ثم تغوص به في عمق الرمل بعيدا بعيدا.. هكذا انتهوا..وهكذا تحركنا سعداء مبتهجين..
كانت الواحة واسعة وكبيرة جدا..لم نكن فيها إلا نحن وأسراب الطيور والعصافير والنحل وبعض الغزلان والكثير من الحشائش الخضراء وأشجار النخيل والزيتون والبرتقال والعنب والرمان والتفاح والإجاص والمشمش..
والكثير الكثير من سواقي وجداول الماء الزلال..
فجأة، رأيناها أمامنا..كيف ظهرت لنا؟..لا ندري..قرية كبيرة كانت..قصر فخم يتوسطها..إنها قريتنا صاح الشباب فرحين..
لكن فرحتنا تلك لم تدم طويلا..
من بيوت القرية خرجت الهراوات والمسدسات..خرج السواد مزهوا بنفسه وانطلق ركضا نحونا ترافقه عشرات الكلاب..
صحنا مرة ثالثة: حريه، حريه، حريه..كل حرية كانت تخطف مسدسها وهراوتها وتعمي كلابها وتعود إلينا..
حين صرنا المسلحين وأمسوا العزل انطلقوا فارين بأنفسهم وانطلقنا وراءهم نصيح مغتبطين: حريه، حريه ، حريه..
وفي عمق الرمل كانوا هم أيضا..
بعد قليل رأيناه يخرج..عشرات النجمات على كتفيه..على صدره الكثير من النياشين..على يمينه ويساره حراسه..خلفه وامامه حراسه كذلك..جنراحا كان..وكانت أسلحة حراسه وهراواتهم عندنا..حرياتنا اختطفتها وجاءت بها إلينا..نجومه طارت من على كتفيه وصارت بين أيدينا..نياشينه بين أرجلنا..وكلابه فقئت عيونها..
ما أثار انتباهنا أكثر أن الجنراح كان يعوي كالذئب ويكشر عن أنيابه فيما كانت أنيابه وأسنانه وأضراسه تتساقط تباعا بفعل ارتطامها بأصوات حريتنا..
بعده خرج جنراحات آخرون متذأبنون يكشرون عن أنيابهم ويعوون وحدث لهم نفس ما حدث له..
ولأن السواديين صاروا بلا مسدسات ولا هراوات وصار جنراحاتهم هكذا فقد ولوا فارين إلى الرمل..وفي الرمل غرقوا واحدا تلو الآخر..
***
وفيما كانوا يغرقون رأينا الغربان التي تركناها قريبا من القرية التي هربنا منها أسرابا تتعالى زاعقة فوق رمالهم..
رأينا السحب أيضا تتكاثف في السماء ..
وانطلقت الأمطار تصب غزيرة غزيرة..
كل قطرة ماء مطري سمعنا وقعها على الحشيش الواحي وعلى الأشجار البهية غناء أزليا شجيا:
حريه، حريه، حريه..
حريه، حريه، حريه..
***
في نفس الرمل رمينا المسدسات والهراوات..ورأيناها تغوص في عمقه..كل مسدس يغوص خلف سواده..كل هراوة تغوص خلف سوادها..
في أيدينا رأينا باقات أزهار الحياة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق