"فضلت مسبقا أن أقدّم للقارئ هذه "الجولات" لقلم ثائر على كلّ نظام متمرّد على كلّ انضباط بدلا من تكريسها إلى ما لا أدري من كرامة مفتعلة لكاتب أو إصدار بعد الوفاة، سواء أكانت هذه الجولات ذات قيمة أم لم يكن لها من ذلك شيء. فأنا أكتب ولكنّي أفّكر وأتأمّل وأضرب في التّيه مع قلم تيّاه"
بهذه المقدّمة افتتح محمود المسعدي مجموعة من النّصوص القصيرة المكتوبة باللسان الفرنسيّ فجعل نصابها مائة وخمسة وسبعين نصّا وجعل مادتها بين ستّ كلمات إيغالا في الإيجاز ومائة وأربعين كلمة نزوعا إلى التّفصيل وبذل القول والذّهاب بالفكرة أبعد ممّا يمكن الإيجازَ أن يقول. نُشرت هذه الأحاديث لأوّل مرّة ضمن الأعمال الكاملة التي أعدّها الأستاذ محمود طرشونة ونشرها المجمع التّونسيّ بيت الحكمة وكان لي شرف النّقل لهذه الأحاديث إلى اللغة العربيّة في انتظار وجود ناشر لها. أُدرجتهذه الأحاديث في المجلّد الرّابع الخاصّ بالنّصوص الفرنسيّة من الصّفحة الحادية والأربعين بعد أربعمائة إلى الصّفحة السّادسة والثّمانين بعد أربعمائة فإحصاؤها إذن ثمان وعشرون صفحة من القطع الكبير، ومجمل كلماتها زهاء عشرة آلاف كلمة.
ويستفاد من بعض الأحاديث أنّها كتبت في شيخوخة المؤلف إبّان المُكث بالبيت وترك النّشاط حيث قال كما قال الآخر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا، لا أبًا لك، يسأم
فقال مؤلّفنا على نحو زهير:
" لقد عشتُ بما فيه الكفاية، فيا إلهي إن كنتَ موجودا حقّا تتحكّم بمصائرنا حتى في جزئيّاتها الصّغيرة فكن لطيفا واقبضني إليك قبل أن تدركني إصابة في الجسد أو في الدّماغ فتجعل الحياة مهزلة، وأحرمَ من العظمة المأساوية للكائن الفاني التي بها تتحدّى الأبديةُ كلّ حياة" ح 15
بيد أنّه وقد بلغ الثّمانين كانت حياته أبعد ما تكون من العبث ومن الحمق، فتجلّت الحكمة في أقوى معانيها متمثّلة في هذه الأحاديث الملخّصة لتجربة قائمة على تجريب الوجود والاضطلاع بمسؤوليته ودوام التّسآل ومحاربة العبث.
من هنا أحسب من الجائز القولُ بأنّ هذه الأحاديث هي الصّياغة الفلسفيّة لفكر المؤلّف المبثوث في مختلف آثاره الدّراميّة وقد اكتملت التّجربة واستقرّت واستقامت لصاحبها الحكمةُ باعتبارها الرأيَ الصّائب والقول السّديد أو البحثَ عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بحسب تعريف التّهانوي .
في الأعمال الدّراميّة ذات الحركة في الزّمان والفكر والمذاهب كانت المواقف مبثوثة في أفعال الشخوص وأقوالهم ومواقفهم ومعاناتهم من الحيرة ومن العوز المعرفيّ ومن الكدّ في طلب هذه المعرفة وسدّ النّقص... أمّا في هذه الأحاديث فإنّ الشّكل الغالب عليها هي المصادرات أيْ أنّ الخطاب أقوال ليست بديهيّة بذاتها، لكنّها لا تحتاج إلى الاستدلال. ومع ذلك فإنّ العقل يسلّم بها أو يقبلها ويطمئن إليها، كقوله:
" الوهم ذلك الضّلال الرّائع لا يستمرّ بل لا يكون إلاّ باعتباره مدخلا للأمل الحرّ مرغوبا فيه بلا حدود وبلا عودة. ههنا يبدأ الخلود وينتهي. ح 159
محاولة في تصنيف هذه الأحاديث حسب المضمون
تتّصف الأحاديث على إيجازها بدرجة عالية من الكثافة وتعدّد المحاميل، وتتشعّب الدّلالة في الحديث الواحد بين مشارب فكريّة عدّة... تحضر فيها الفلسفات شرقيّها وغربيّها والأساطيرُ والأديانُ قديمُها وحديثها (من أقدم المعتقدات إلى أحدثها) وتحضر الأساطير والكتب المنزّلة والتّفلسف في مهاده إبّان بدء الإنسان بالحيرة إزاء ذاته وإزاء الكون، والفنونُ من موسيقى وآداب ومسرح ورسم، والسّياسةُ والاجتماع... وهكذا فإنّ الدّقة في الفصل والتّصنيف القائم على التّمييز والحدّ غير ممكنة بتاتا...لكنّنا حاولنا أن نستخرج من هذه الكثافة المحاور َالدّلاليّة الكبرى وهي ذاتها متداخلة في تواشج عضويّ، ثم أشرنا إلى المحاور الصّغرى المنضوية فيها.
* تأمّلات في الثّقافة والفكر والفنّ (47 حديثا)
من المحاور الفرعيّة فيه: الكائن بين الحلم والعلم، مفهوم الأدب،
* الكائن في اختبار الوجود (67حديثا)
من محاوره الفرعيّة: علاقة الكائن بالزّمن، الكائن في مجابهة المصير ومجالدة القدر، مسؤوليّة الكائن في الاضطلاع بالوجود، إيتيكا الوجود، معنى الحياة ومسؤولية الكائن فيها.
* تأملات في الميتافيزياء( 34 حديثا)
من محاوره الفرعيّة: الوجود والعدم، المنزلة الإنسانيّة في الوجود الماديّ، منزلة الإنسان ومطلب الألوهيّة، تمزّق الكائن بين المعقول واللامعقول، الإرادة وحدودها، الله ومنزلته في كينونة الإنسان بين الحاجة إليه واعتباره موضوع قلق وتسآل.
* العقل: قدراته وحدوده (14 حديثا)
موقف العقل من العدم ومن الوجود وإمكاناته في حلّ اللغز المحيط بهما.
* تأملات في السّياسة والاجتماع (17 حديثا)
السّلطة، الدّولة، الحرّيّة، النّظام، العمل.
التّصنيف حسب الشّكل
لم تتخذ هذه الأحاديث شكلا موحّدا من حيث التّركيبة البنيويّة ولا أسلوبُ الصّياغة، فإنّ تعددّ مضامينها وتعدّد مناسبات القول وتعدّد مشاغل المؤلف الفكريّة أحدث فيها بعض التّنويع حيث نجد:
* المصادرات: وهي النّسبة الأوفر، والمصادرة هي ذلك القول البليغ المتضمّن للمقولات بمعناها الذي قصده المحدثون أي التّصوّرات الكليّة التي إليها يرجِع العقل في أحكامه. وفي معناها اللغويّ القريب صياغة ما يراه العقل حقيقة، والمقصدُ هو العقل بصنفيه العمليّ والتّجريبيّ كما هو عند كانط من حرية وخلود للنّفس والاعتقاد في إله، وتجريبيّ بما هو شروط الكائن الأمبريقي وارتباط مقوّمات الوجود بعضها ببعض.
الشّاهد:
* الحجاج: وهو أسلوب استدلاليّ يعتمد طرح القضايا كما تتبادر لذهن المحاجّ في حيرته أو كما وردت عند غيره من المفكّرين أو ما ساد من المواقف وترسّخ لدى العموم. واهتمامات الحِجاج في هذه الأحاديث كانت فلسفيّة عقلانيّة واجتماعيّة وسياسية...تتوالي فيها الطّروح والاستدلالات والاستنتاجات...
* الخواطر. نصوص قليلة العدد تتّسم بهدأة الفكر وركونه وأخذه بشأن الحياة في غير ما تأمّل عميق وهي ذات منحى فرديّ أو اجتماعيّ.
* نصوص أقرب إلى الإنشاء الشعريّ النّثريّ وعددها اثنان أو ثلاثة
خاتمة
تكتسي هذه الأحاديث أهمية قصوى في قراءة الآثار الباقية عن المؤلف فربما كانت آخر ما كتب فأغلق بها حلقة من الأعمال الجليلة وضعته في مصافّ الكتّاب الإنسانيّين لأنّها تمثل نسقا فكريّا متكاملا، كلّ أثر من آثاره مرحلة منه.
فأهمية هذه الأحاديث حينئذ متمثلة في اكتمال دائرة الفكر لديه وإن كان السّؤال ما فتئ قائما والنّصوص ذات المنحى الحجاجيّ وفيرة ... لكنّ كلّ ذلك منير للقارئ الدّارس المؤوّل . وبإمكان القراءة الآن وخاصة منها تلك المتعلقة بآثاره الدّراميّة وحتى بمقالاته أن تجد في هذه الأحاديث مشكاة فيها مصباح ينير فكر الرّجل ومشاربه الفلسفيّة وما انتهى إليه من قناعات وما حسم من مواقف.
عبد المجيد يوسف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق