عَكَفت لأزمنةٍ مصونة مقدسة ، كهيكلٍ من هياكلِ الآلهة العِظام ، لا تمسّ بسوءٍ ، ومن يفعل ذلك يَلقى أثاَما ، ساكنة في وقارها ، تَشخص حيطانها بألوانها الزّاهية ونوافذها المُشرّعة ، وأبوابها التي يلج عبرها سَدنتها زُمَرا وفُرادى كبارا وصغارا ليل نهار ، ما إن تطلع الشّمس ؛ فتَطبع أولى قُبلاتها على جبين الأرض ، حتى تأخذ " المندرة " زينتها مُتزينة ، تُكنس أرضيتها، وتُرتّب " الدّكك" إيذانا لخُيوطِ شمس الضُّحى الفاتر أن تدخل على استحياءٍ ، ولولا أنّها مأمورة ما تَجرّأت .
قَالَ العجائزُ في تأسيٍ :" كنّا نسمع ضحكاتها عذبة كأنّها رنين الذهب " ، بينَ حيطانها دارت كؤوس الشّاي ، تُسكِّر بنشوتها عُقولَ الزَّائرين ، وفِي حِماها فاضت الحَناجر وتلاحمت الأجساد عداوة وبُغضا ، وتصافحت الأيادي وتناجت القلوب صَفاء ومحبة ، خَطَبَ ودّها كُلٍّ طالب وجاهة ، وراغب زعامة ، يحكي " فرج" الخياط عجبا :" رأيتُ بأمِ عيني ، كيفَ امتلأت المندرة بالرِّجال وقت الانتخابات ، حتى ضجّت جنباتها خطبهم الرَّنانة تهزّ حبات القلوب " ، أولئك اعتقدوا أنّ مقاديرهم بيدها ، فأكبروا شَأنها ، يَلوذوا بحِماها ، كفقيرٍ لا يملك من نَشَبِ الدُّنيا وثَروتها ، لا تزال القريةِ في زفراتِ الألمِ تُردّد المعركة الطاحنة بين " أولاد مدكور " وعزبة " بديع" ، حدّق " زينهم" بعدما تمشّى الارتعاش فيه، اطفئ عقب سيجارته ، وقد تبدّت سورة غضبه: " أوسعناهم ضربا ، قلتنا يومها عبدالشافي ، كانَ يظنّ أنّه فتوة الملقة وابن ليلها ، ضربته بهراوة فَخَرَ كالعجلِ يَتَخبّطُ في دمهِ الزِّفر"، قهقه مغمضا عينيه ، تتزاحمُ عليهِ الأيام يتلو بعضها بعضا ، ثم غَاصَ في سُكونٍ كمن حَرَكَ ما كَادَ يندمل من شجونهِ ، يتزاحم من حولها شريط الذِّكريات كطير أبابيل ، تسترحم " نوّارة" الدّاية أيام عِزّها الغابر ، صَكّت وجهها بطرفِ حرِامها القطني ، قائلة في تنهد :" خَطَبني زوجي الأول محروس الكلاف في المندرة ، جاءَ بأهلهِ ، واتفق الرِّجال على كُلّ شيء ، انطلق موكب العُرس يحملني إليهِ من أمام بابها " ، هَبّ " مسعود أبو حطب " هبّة وابور الجاز مُنتفضا في حَماسٍ ، ضَرَبَ الجدار بكفهِ مُتَحدّيا :" كانت المندرة عزوتنا ، لَم يكن في المجاورةِ أختها ، هي احَنّ علينا من أمهاتنا ، كستنا زمنا ثوب المهابة، احترمنا الكبير والصّغير ، حسبوا لنا ألف حساب " ، سادت مجدا أجدعَ أنف الدّهر ، تتوارى في حِجابِ الأفقِ البعيد شامخة ، ترفلُ في ثوَبِ العِزِّ والجّاه ، يقصدها كُلّ من تجرّع غصص الحياة ، انجذب إليها كُلّ شحاذٍ ومحتاج ، كما الشّمس تبهر العيون ،أضحت قلبا يعرِف الرّحمة ، تُورِقُ فيها أغصان الإحسان ، جنة أنزلت الأرض فيها ما تشتهي الأنفس ، مُدّت الموائد وأُفرغت العَطايا ، تجبر قلب كُلّ حسير .
تراخت الأيام ، لتذوب ذوبان الثّلج تَحتَ همس الرَّبيع ، فعلت بها أيادي الزَّمن العابث فعلتها ، فتبدّلت الأرض غيرَ الأرض ، كَأُمنيةٍ بدت لحَالِمٍ ، تهدّمت حيطانها ، وتآكلت نوافذها ، وخرّ بابها ساجدا مُستَسلما لبطشِ الدّهر الغَاصِب وجبروته ، انتهكت حُرمتها هوام الأرض تعبث بكرامتها ، انتظرت وصلا بعد طولِ هجران ، طَاَلَ الانتظار ، حتى صَحَت القرية على ركامٍ من التّرابِ تطأه أقدام السّابلة ، لم يحفل بها أحد ، اللّهم إلّا دموع " خليل " الخفير تَبكّ من مدامعهِ ، يشيّع العمال الذين اعملوا فؤوسهم في الأنقاضِ ، يغنوا فرحا وابتهاجا ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق