2021/09/21

هكذا طيّرتني الريح غيمة إليك


 لم تكن الشمس قد أشرقت بعد..وحدها ديوك الجار كانت تصيح .. كتبت إلي : غاص ماء بئري ولم يعد إلا طينا..

سكتِّ قليلا ..ثم..أضفت متحسرة:ذبلت أزهار حديقة منزلي وورودها..ولا غيوم في سمائي..مرت شهوري هكذا، ولا غيمة واحدة زارتني حتى..
قلت لك: لاتتألمي، سأصير ماء وأسقيها..ثقي بي، سأسقيها..
لم تسأليني:كيف؟..مبتسمة كتبت لي: ثقتي فيك لا حد لها..سأنتظر ماءك..سأفتح أحضاني وأنتظرك..و..
ها أنذا أصعد أعلى عمارة هنا..أقف على سطحها وأنتظر الريح صديقتي لتمر..
و..لم يطل انتظاري.. ريحي الحبيبة هبت من جهة الغرب كعادتها..
ماذا تفعل هنا؟ سألتني..
أنتظرك،أجبتها..
وغامزة ضحكت لي..سآخذك إليها..
صيرتني طيرا، و رفرفتني عاليا و سعيدا سعيدا..الطيور التي مررت بها مغردة رافقتني ..والعصافير رافقتني وزقزقت لك في..
***
في سماء منزلك الزرقاء توقفت الريح بي..ضمتني إليها بعمق مدهش:
أنت الآن في سمائها..ماذا يمكنني أن أفعل لك؟ قل، صديقي..
صيريني غيمة ياريحي، خاطبتها خجلانا ..وصيرتني..
وها أنذا أصب غزيرا على تراب حديقتك..ها هو مائي يغسل أزهارك وورودك ويغوص في عمق جذور حشائشها وشجيراتها..
يا إلهي..
فتحت بابك وخرجت لي شهية وسعيدة سعيدة..ابتسمت ورحت متلهفة تنظرين إلي..فتحت ذراعيك عن آخرهما واحتضنت مائي..
لم يكن ذالك وحده.. نزعت خمارك الوردي..رفعت يديك وأسرعت تفكين جدائل شعرك الليلية..وهاهو شعرك موجات موجات.. حقولا قمحية تعانق سنابلها مائي.. وها أناذا أقبلها سنبلة سنبلة.
وااااااااو، مبتهجة همست: شكرا لك يا غيمتي، لقد رويت أزهاري وورودي..لقد وفيت بوعدك لي..شكرا كثيرا كثيرا..
***
تتحرك الريح من جهة الشرق..وأرفرفني فيها..يرفرف قلبي أكثر أكثر..وترفرفين معي..
***
ها انذا أقف اللحظة فوق سطح أعلى العمارة وأراك تمسحين بكفك السخية الشهية على أزهارك وورودك..وعيناك على جهتي..
ها انذا أراك تشمين رائحتي في ترابك مغتبطة وتهمسين من جديد: ما أروعها رائحتك يا..
أعرف أنك خجولة حد الرجفة..
أتذكر تلك اللحظة التي لا تنساني..ولا أنساها..ولا أنت تنسينها..همست لك: أنت أعز علي مني..أحنيت رأسك قليلا وهمست لي: نحشم، نحشم بزاف..ثم..نظرت إلي مبتسمة وأشعلت نارك في..أشعلت غاباتي وحقولي وبساتيني كلها..
***
وها انذا مازلت حتى الآن مشتعلا بك..
سأبقى مشتعلا ..وسوف أبقى..
أذوب في احتراقي بك، يا طفلتي الرائعة..
***
..
.
أنزل..في الشارع أمشي..غيوم كثيفة تغطي سمائي وتمطرني بغزارة برَدا..
أسترجعني وأنا أجري..يا حسرتي، أقول لي تائها..
أواصل:لم أنتبه لي..الريح التي حملتني طيرا إليك وعادت بي، لم أشكرها..غضبت..لم تعد ريحا..
رعودا مدوية صارت..بروقا حمراء ..
وراحت تصب علي هنا هذا البرد الغزير المؤلم..
أسمعها..سأطفئ نارك، حانقة ترسل كلامها إلي..
أتوقف..أرفع رأسي..أضحك: النار هنا، في أعماقي، أقول لها في سري..وأواصل احتراقي..
أحني رأسي وأعود إليها:شكرا شكرا سيدتي الريح..ماكنت هنا، أعذريني..
***
الريح التي كانت رعودا مدوية وبردا غزيرا تعانقني بلهفتها..وتنقشع في الحين كل غيومي..
وأراك هنا،في عرقي،في خطاي الوئيدة،ياطفلتي الرائعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق