2021/08/05

مروى جديدة

 


كان اللقاء بينهما صدفة ،كما قال لها.جاء لزيارة طبيب الأعصاب، في الحقيقة ليس الطبيب من كان يهمه .جاء من أجل شابة كانت تعمل مع طاقم الموظفات اللائي يعملن عند الطبيب. راقبها منذ مدة ولاحظ ذكاءها، وسرعة بديهتها، وما تتمتع به من بشاشة تدخل بها القلوب بدون استئذان.ولما جئت لأسأل عنها،متذرعا بزيارة الطبيب الذي أتابع معه منذ أن جئت إلى أكادير. سألت الموظفات عن زميلتهن التي كانت معهن. علمت منهن أنها تزوجت، وأنك جئت منذ أيام لتعويضها على سبيل التجريب. رأيتك منذ النظرة الأولى قلت بيني وبين نفسي :هذه هي من أبحث عنها. لا أريد ممرضة ولا زوجة.أريد شيئا آخر، امرأة تكون كالصفحة البيضاء أثبت فيها وأمحو حتى أشكل ما اصبو إليه في حياتي. أخلق امرأة كما أتصورها. سألتك عن اسمك ،أجبت بتلقائية محببة : مروى .قلت بيني وبين نفسي، هذه بداية مشجعة. وتتابعت الاختبارات وكنت بتلقائيتك تنجحين بتفوق. ذكاؤك ،أنوثتك، عذوبة صوتك،لامبالاتك بماديات الحياة... وأهم شيء استعدادك للتطور نحو الأفضل، كما رسمته في ذهني؛ كلها عناصر جعلتني أرشحك لحياة جديدة. نسيت عنصرا مهما من الأولويات وهو الصبر وردة الفعل والقدرة على التحمل... اتصلت بالطبيب، طلبت منه أن يرسلك مع سائقي لأرى هل تصلحين ممرضة لي؟ لأن مرضي دخل في مراحل متقدمة. أوصاني الطبيب بضرورة البحث عن ممرضة تتكفل بحياتي وفق نظام مخصوص، حتي اتمتع بنوع من جودة الحياة، بحسبما يحتمله جسمي وعقلي اللذان غزاهما المرض، وبدأ يفتك بهما. حرصت على متابعتك وأنت تقفين عند الباب مع السائق،وأنت تدخلين الفيلا ، وأنت تعبرين من مكان الى آخر، إلى أن وصلت إلى غرفتي، معتكفي الذي أعددته مسرحا لحياة أحلم بها. تتبعتك عبر الكامرات المبثوتة في كل مكان. وكأنك شعرت بأنك تحت المراقبة؛ كنت هادئة ،لم يبهرك أي شيء .كأن كل ما يقع تحت بصرك مألوف لديك. ها أنت تنجحين في اختبار آخر. لاتنبهرين بالقشور والبهرجة اللافتة للنظر. قلت بيني وبين نفسي، لو كانت أخرى مكانها من بيئتها نفسها لظلت تلتفت يمنة ويسرة، وتتوقف لتنظر، ولفغرت فمها دهشة ولسال لعابها. لكنك لم تظهري شيئا من ذلك. مستواك التعليمي هو ما طرحت عليه علامة استفهام. نجحت الى مستوى الباكالوريا وتوفت عن الدراسة.مستواك في الدراسة كان يؤهلك للاستمرار، لكنك انقطعت عن الدراسة! لا يهمني سبب ذلك، تلك كانت حياتك وأنت حرة فيها. هنا قلت ربما لن تتحملي، لأن زادك المعرفي قليل.وخطتي مبنية في جانب منها على المعرفة والقدرة على التعلم.كدت أن أرسلك إلى المكان الذي جئت منه. قلت لابد من تجربة بسيطة .هات من خزانة الكتب كتاب "الغريب" لألبير كامو.لم تسألي، توجهت إلى خزانة الكتب، الجزء الخاص بالكتب الفرنسية، الجانب المخصص للرواية.وقدمت لي الكتاب. قلت نجحت، لم استبعد عنصر الصدفة. اقترحت عليك الخطة بوضوح .كنت تصغين وتحللين بمنطق الربح والخسارة، لذلك كانت أسئلتك كلها منطقية ...ثم جاء الاقتراح النهائي أن تتزوجيني، لا بصفتك زوجة بكل ما في الكلمة من معنى. لكن لترعينني وتنفذي كل ما أطلب منك. تصبحين ملك يميني بمعنى آخر. في مقابل ذلك أغدق عليك وعلى أسرتك ما لم تتخيلوا قط.وأعلمك أنت ما لم تحلمي به؛ حياة كلها دهشة وجمال، لاوجود لها في الواقع خارج أسوار الفيلا.حياة أنا أهندس ركائزها وأضع أسها، وأنت تنفذين كل ما آمرك به بالحرف، لا تزيغين عنه قيد أنملة. نسيت أن أبين لك طبيعة دائي.مرضي يصنفه المختصون مزمنا.لا شفاء منه، لكن بتظافر جهود محيط المريض، والمريض نفسه، يمكن الوصول إلى نوع من التعايش والتكيف مع المرض، يسمح بتحسين جودة حياة المريض بنسبة مائوية معينة. المريض هو أنا، ومحيطي هي أنت. ستضعين حياتك في كفة، وحياتي في كفة أخرى. وستحرصين على تساوي الكفتين.ستأخذين من كفتك، حياتك، وتزيدين على كفتي حتى تتساوى الكفتان، بالتمام والكمال، بحيث تكون إبرة الميزان في الوسط ،لا زيادة ولا نقصان.تتنازلين عن حياتك من أجلي.وتتشاركين معي في مرضي. أعلم أنها قسمة ضيزى.فيها أنانية كبيرة من جانبي.لكن هناك جانب آخر،أظن أنك إذا اجتهدت لتدركي كنهه،سيعوضك عن الخسائر الفادحة التي ستشعرين بها.سأجعلك تعيشين حياتي كما كنت سأعيشها لولا الداء الذي كبلني .لو نجحت خطتي، كما رسمتها في مخيلتي، لن يكون منا خاسر.أنت تربحين حياتي التي أطمح إليها.وأنا أستفيد من حياتك التي ستضعينها كلها في خدمتي. هل فهمت ما أقصد؟؟رأيت في عينيك بريقا هو أقرب إلى الحيرة منه إلى الرفض أو القبول.لذلك قلت لك خذي من الوقت ما يكفيك لترسو سفينتك في الميناء الصحيح. لأنك إذا قبلت،فلا مجال للتراجع. لا تأخذي قرارك النهائي إلا بعد تدبر واقتناع. لكي لا أشعر بالذنب وتأنيب الضمير. أعلم أن ما طلبت منك قاس، لا رحمة فيه. حين خططت للمشروع الذي عرضت عليك، خمنت في امرأة في نهاية مشوار حياتها، محبطة يائسة. لن تخسر شيئا إن هي ضحت بما فضل من حياتها... فاجأتني بالقبول دون تردد. فبقدر ما سرني ذلك،بقدر ما أشفقت عليك مني، من أنانيتي. سآخذ منك حياتك وأعطيك وهما. ما أدراني أن ما سأقترح عليك سيكون بقيمة ما سآخذ منك. ما أدراني أنك قادرة على تحملي أنا المريض العصبي العاجز عن الحركة. وهل ستقدرين على النظر، طيلة النهار والليل، في وجه فقد ملامحه؟؟ قناع جامد.كيف ستقرئين ردود فعلي وأنت تتواصلين معي؟؟.ملامح الوجه ضرورية في التواصل.انطلاقا من قراءتها ستحدد الخطوات المقبلة للتواصل.أتصورك وأنت تتواصلين معي كأنك تحاورين صخرة ملساء لا تتجاوب معك. بم ستردين على صخرة صماء، ملساء؟؟لا تظهر عليها علامات تشجعك على الاستمرار، ولا مؤشرات تجعلك تغيرين دفة الحوار إلى وجهة أخرى.كل ما أمامك كتلة من لحم وعظام،كبلها المرض واثقل حركتها، تهتز اهتزازا شديداحزمة من المشاعروالأحاسيس المتناقضة دفينة في الأعماق. لا تبرز إلى السطح بالشكل الصحيح في حالتي الحزن أو الفرح ،الغضب أو الغبطة. في الحالتين معا اهتزاز وارتعاش.الدواء، مع مرور الوقت، يقل مفعوله ،بل قد يأتي بنتائج عكسية؛هلوسات ،تهيئات وخرف...جسم لا يتحكم فيه صاحبه، قد تصدر عنه حركات لاإرادية لايستطيع التنبؤ بها.قد يصل إلى مرحلة الشلل التام. وهنا سيأتي دورك تعطيني من حياتك، بل كل حياتك... لن أكون قادرا على أبسط متطلبات جسمي أو قولي جثماني.طفل كبير سريع الغضب ،قد يبكي مثل الأطفال، اعتماده عليك كبير. لكن بالمقابل ،سأفتح لك في الجدار الصلب نافذة على الأمل ،على الحياة... سأحارب الاكتئاب الذي يرين على حياتي.سأضع لنا برنامجا لحياة راقية لا توجد إلا في عالم الخيال ؛في الكتب،في الحكايات العجيبة وفي السينما وفي الموسيقى. سنحيى حياة في معتكفي فريدة في نوعها.كل ما سنعيشه خارج إطار المرض ،سنحاول أن يكون مثاليا.سنعيش قريبين من بعضنا ،نتبادل ما يتبادله العشاق في حال القرب، كلمات تنضح عشقا وحبا وشكرا للحظة التي سمحت بالوصال. وسنعيش بعيدين عن بعضنا، نتبادل ما يعانيه العشاق في حال الهجران .نتبادل رسائل الحنين والشوق ونبكي حظنا الذي لم يسمح لنا بالتلاقي.ستكون حياتنافي الواقع أيامها مكرورة، الفضاء نفسه الشخوص نفسها المعاناة نفسها الروتين اليومي نفسه، لكنها في الوقت ذاته مختلفة كل يوم لا يشبه الآخر... سنعيش حياتين متوازيتين : حياة الواقع المثقل بالداء وما يفرضه من آهات وأنين وأوجاع ... في مقابلها حياة الحلم المثقل بالأمل وما يحبل به من جمال وحب وخيال...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق