(كونوا روحا هائمة تبحث عنها
أو
كونوا نارا في الهشيم)
- من أقوال الحكيم الصيني العالمي كورونا
على الصخرة ذاتها جلس..لا عصافير على أغصان شجرته ولا تغاريد في سمائه..
مد عينيه إلى شرقه البعيد حيث هي التي لم يلتقها منذ كاف كوروناها.. ومنذ راء رحيلها ونون اسمها..
حزينا كان حد وحدته..
وضع كفه على جبهته..ثم..مسح ذقنه التي لم يحلقها منذ أكثر من أسبوعين بأصابعه..
كانت الأرض صيفيه ولا غيم في سمائها..وكان الوقت مابين صبحه وضحاه..وكعادته، حمل عودا صغيرا وجده بجانبه وراح يرسم خطوطا مبهمة على التراب..
في رسمه ذاك مرت النمالة ومر العود على جسدها..رأسها صار في جهة وبطنها وأطرافها في جهة اخرى..وتألم حين رأى أطرافها تتحرك بسرعة ثم تتوقف..
رمى بالعود بعيدا..هكذا نحن أيضا أيتها النملة، وجه الكلام إلى الجسد الذي كان حيا قبل لحظات ،واستدار إلى يمينه..
في يمينه ذاك رأى نملا كثيرا..منتظما كان النمل..بعضه إلى الشرق يتجه..بعضه الآخر الغرب اتجاهه..بعضه لا يحمل شيئا..بعضه يحمل قشا وحبوبا..لا نمال يلمس أخاه النمال.لا نمالة تمس أختها النمالة.. أحيانا يتوقف نمال أو نمالة..يكلم أو تكلم نمالا آخر أو نمالة اخرى ويعودان إلى مشيهما..
في نفسه قال: حين يغزو النمل المنازل يرشه الناس ب fly-tox وينهون حياته..
حطت الفكرة في رأسه سؤالا صامتا: ترى، ماالفرق بين هذا النمل والناس؟..الناس يرشون النمل بالمبيد فيقتلون بعضه فيما بعضه يتلوى متألما وينجو..وسكت..بعضه الآخر لا يصل المبيد إليه فلا يتألم ولا يموت،اكمل..ابتسم: ها نحن الناس نُرش بالكورونا..بعضنا يموت..بعضنا يتألم وينجو..وبعضنا الثالث لا تصيبه رشات الكورونا أبدا فلا يتألم ولا يموت بسببها..
لا فرق، لا فرق إذن..و..
فوجئ به يمشي على أربع..على يديه ورجليه..حاول ان يقف على رجليه..واستحال عليه الوقوف..استحال الكلام..استحال الإحساس بآدميته..نملا أحس وراح يمشي على أربعه..
***
حين دخل الحي كان الناس أمامه نمالا..سمع الكلام ولم يفهمه: ما بك ياعم؟..لماذا تمشي هكذا؟..نظر إلى الكلام..رأى المتكلمين يمشون على أربعهم مثله..دفع الباب ودخل المنزل..
سمع ولم يفهم أيضا: مابك يا أبي؟..نظر إلى الكلام..رأى ابنه يمشي مثله..
أسرته كلها على أربعها..الحي كله..
***
قرأ المراسل التلفزي: كل سكان حي 62 يمشون على أربعهم..ظاهرة غريبة تحدث في تاريخ كل البشرية..لا احد منهم يردعليك..لا أحدة تجيبك..حين تتحدث إليهم يبحلقون فيك ولا يتكلمون..يبدو انهم لم يعودوا يفهمون كلامنا..الأغرب أ كثر انهم يفعلون نفس ما يفعله النمل..يجمعون ما يجدونه من قش أمامهم ثم يحملونه على ظهورهم ويمشون منتظمين إلى منازلهم..وحدها المنازل لم تمح من اذهانهم..و..قبل ان يقول كلاما آخر رآه المتابعون يرمي عدته وينزل إلى الأرض.. ويمشي على أربعه هو الآخر..كل الذين كانوا يتابعونه نزلوا إلى الأرض أيضا وصاروا نملا بشريا..
***
انتبه العالم..كل من يشاهد نملا بشريا يصير نملا مثله..
ماذا نفعل؟ تساءل المتحكمون في دواليب حكم العالم حائرين..
تساءل رجال الدين ثم...
قالوا كلهم: إنها إحدى علامات الساعة، أيها الناس..عودوا إلى خالقكم..ابتهلوا له واطلبوا مغفرته..الساعة آتية لا ريب فيها، وها قد صارت قريبة كثيرا كثيرا..
تساءل العلماء وراحوا يدرسون الظاهرة..يبحثون فيها محاولين كشف أسرارها..وتوصلوا أخيرا إلى ضرورة الحفاظ على من تبقى من الناس على حاله والكف عن الحديث عن النمل البشري وإظهار صوره..
بعضهم رأى وجوب القضاء على كل الذين صاروا نملا بشريا..قالوا: ليس أمامنا للحفاظ على وجودنا البشري غير هذه الطريقة..
طرح آخرون السؤال: لكن، كيف نقضي عليهم؟..
ومرة أخرى تفاجأ الذين استمعوا إلى السؤال وهم يرون طارحي السؤال يمشون على أربعهم..وبدورهم مشوا هم كذلك على أربع..
***
كل العالم كان قد صار نملا بشريا..ولم تعد هناك حدود بين الدول..الحدود وحدها كانت البحار والمحيطات حيث لا يستطيع النمل البشري عبورها..وكالنمل راحوا يتسلقون الأشجار ويأكلون فواكهها وأوراقها..يأكلون أغصانها الطرية حتى..ويأكلون سنابل الحصائد وتبنها..يأكلون الحشائش جافة وغير جافة..ويشربون مياه الوديان والأنهار والبحيرات والبرك والمستنقعات..وترمي مؤخراتهم ما فيها في كل مكان..
***
حين صار آخر بشري نملا بشريا عاد هو إلى بشريته..رائحة النتانة غزت أنفه..كان الوقت ما بين صباحه وضحاه..بصعوبة وقف على رجليه الإثنتين..على صخرته جلس..حمل كعادته عودا صغيرا وراح يرسم خطوطه المبهمة على التراب..مرت النملة على ترابه ولم يصبها بسوء..
رفع بصره ونظر..كان شرقه ما يزال بعيدا بعيدا..تذكر كاف كورونا..تذكر راء رحيلها الذي ما يزال..تذكر نون اسمها..تذكر صوتها الفيروزي ونظرتها الغجرية..تذكر..تذكر..حمل رجليه ومشى في اتجاه حيه حزينا..حفرا لا عد لها رأى..جثث عديدة لم تمش أمامه..معظم تلك الجثث كانت لرضيعين ورضيعات..لكبار في السن وكبيرات..
دخل المنزل..نظر..بصعوبة وقف ابنه على رجليه الإثنتين..وقف من تبقى من أسرته..
خرجوا..بصعوبة كان الناس يقفون على أرجلهم..وتدريجيا تدريجيا راح العالم كله يقف على أرجله هنا ،هناك وهنالك..
وراح الناس يقومون بحملات تنظيفٍ ودفنٍ واسعة النطاق في كل أرجاء هذه المعمورة..راحوا كذلك يردمون ملايير الحفر بترابها..
***
وهاهو الآن يجلس على الرمل البحري..رجلاه في الماء وعيناه على البعيد البعيد حيث هي التي سيلتقيها بعد لحظات ويمتطيان قارب عمرهما من جديد..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق