عطرك رملي، فكيف له أن يعانق زرقتي؟..
ما يزال السؤال صمتك فيَ منذ 59 سنة مررت بها هنا..ما يزال يتلولب في داخلي أسئلة حارقة:...إلى أين؟...إلى أين؟..وأين هي جزرك المحتلة، ياطيب؟..لماذا لم تسترجعها حتى اللحظة، رغم انها فيك؟
ما يزال الكلام الذي حملته الريح وغادرتني لم يجد خطاك ليحط رحاله فيها..
وما ازال أنا البعيد اناديني ولا تسمعينني الا في الغبار الكثيف الذي يغطي كل جهاتك ولا يراني..
ها أنذا أمد سنابلي ليديك.. ولا اجدهما..
نظرتي لعينيك.. ولا ترينني..
وأعود اليَّ بي وحدي..لا انت معي ولا ظلك..ولا خطاك..
أقول للموج الذي يتجازر فيَ ويتركني لرملك: عد إلي يا موج..ولا يعود..
للصخور التي على شاطئي: تعالي إليًّ..لقد تعبت وأريد الجلوس..ولا تأتي..
وللأشجار التي في سفوحي: تقدمي نحوي، شمس اليوم حارقة، ظلليني..ولا تتحرك الأشجار..
***
على الرمل أجلس..أتامل مائي وأسماكي التي تظهر لي بسرعة..وتختفي بسرعة أكبر..
أحرك رجليَّ ذات اليمين وذات الشمال..عينيَّ أيضا..
أستدير إلى الخلف..على أثافيك إبريقك الشايي يغلي..قريبا منه طبق مكسراتك..ينكسر الداخل في..ينكسر بي..
أتذكر كسرة قمحك التي أكلتها معكفي شبابي ..حلواك التي ذابت في دمي حين صباي..وشخشوختك الحضنية في كهولتي..
اقف..أمشي نحو الإبريق الذي قلت لي بانه إرث جدتك..أنزعه من على ناره وأضعه على رملك..وأنتظره حتى يبرد قليلا..
أبحث عن كأسيك..ولا اجدهما..
أنادي عليك..أضطرب..تتعالى امواجي..ويتحرك رملك..
في البعيد تلوح لي قوارب حزينة تتجه نحو شمالي..أسمع أحزان من فيها..أرى تيههم..وخوفا عليهم أعود إلى هدوئي..
أواصل البحث عن كأسيك..
أكرر النداء: يا...ولا أسمعني..
أسأل: أينك فيَ..في كل شواطئي لا أجدك..في خلجاني لا أجدك..في أعاليَ..أين انت؟
يداهمني الموج..يغطيني..ويدفعني إلى الرمل الذي ماؤه قليل..
أنفضني وأقف مرة أخرى..ويقف العطش المالح في حلقي..
أعود إلى الإبريق..أراه في الموج الذي تجازر..لا شاي إذن، أقول لي متحسرا..
أمد يدي إلى طبق المكسرات..تخطفه الحوتة الزرقاء مني وتغيب به عميقا..
أتذكر زجاجة الماء التي تركتها في ظل الصخرة..أسرع نحوها..ولا زجاجة أجد في ظلها..
أصعد بعض سفحي المقابل..في ظل إحدى شجراته أجلس..ألقي ببصري علني أرى فاكهة ما..القرود التي هناك أنهت كل فاكهتي..
وراء جبلي أمشي..أبحث عني في حقول القمح..ولا أجدني..عنك في البساتين..ولا أجدك..
عنك وعني في الآبار..أجد الجفاف..في النخيل..لا تمر يراني ويراك..
***
الوقت الآن يحضن مساءه..أستيقظ من نومي..لا أرى شمسك ولا نجومك..
أتموج بي..أكون مدك وجزرك..واكون قواربك التي صارت هناك..
أنزلني .. نحن الآن في ال هناك..نخرج مني..نتغلغل في الأزقة حذرين..وتائهين..
الجوع يحاصرنا والعطش..وتذكرنا الجدران العالية بزرقتهم الجافة وهراواتهم السوداء..
ندخل حديقة نجدها مفتوحة ..نسرع نحو مائها المتدفق ونشرب..
على كراسيها ننام..
***
تتلاطم امواجي..تتدفقني موجة تلو أخلتها: دو..لة..مد..نية..
أفتح ذراعيَّ عن آخرهما..أتنفسني وأنظر إلى أعلاي..سمائي غيوم وأراك تبتسمين لي فيها..أبتسم لك.. أحضنك نسائم فيَ وغزيرة عليَّ تصبين:
حريه، حريه، حريه
حريه، حريه، حريه
نرقص..غزالة أنت وشهية..ورهيف انا..ترقص الأمواج معنا..ترقص السفوح وأشجارها.. والقوارب ونوارسها..
ترقص كل الجهات التي تحبين..والتي أحب..
يرقص مصطفى سعيد فينا..
***
عطرك أبيض..
امتدادي فيك أخضر وأزهاري حمراء..
العصافير التي أنت فيها تزقزق لي..
والطيور التي فيها انا تغرد لك..
يا أنت..يا انا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق