حين أنهيت قراءة رسائلها الحزينة السابعة والخمسين كان الوقت ما بعد منتصف ليله بقليل..وكانت الرسائل متناثرة هنا وهناك على الفراش..مددت يدي ورحت اجمعها وأرتبها ..كنت انوي وضعها في مكانها الذي اعتدت جعلها فيه، لكنني ترددت..رفعت الوسادة ووضعتها تحتها..
الصباح رباح، قلت لي ولها..
لم اغلق النافذة ونمت حزينا..
***
وكان الوقت صباحا حين استيقظت..ديك الجيران أيقظني بصياحه.. فتحت عينيَّ ونظرت..و..
فوجئت بي هناك وليس هنا..كانت الغابة كثيفة وكنت وسطها شبه عار والرسائل في يدي..فزع رهيب داهمني وضياع لهيبي غاص في أعماقي وراح يحرقها..
ما الذي جاء بي إلى هنا؟..ما هذه الغابة التي أراني فيها؟..نمت في منزلي فكيف وجدتني هنا؟..راحت الأسئلة ريحا تحاصرني في الداخل..وراحت أشجار الغابة تحاصرني من خارجي..
تحركت قدماي ولم أعرف في أي اتجاه أسير..لا شرق لي..لا غرب..لا شمال ولا جنوب..ولا سماء تظهر لي..كل وجودي كان ضبابا في الضباب..
كنت وحدي.. ولم تكوني معي هنا ، يا طفلتي الضائعة..
رفعت الرسائل إلى فمي..قبلتها رسالة، رسالة ثم وضعتها على صدري من جهة القلب..إحساس ما كان يقول لي : الرسائل تعرف الطريق..سر على هديها..
أغمضت عينيَّ وسرت..سأسير على هديك أيتها الرسائل، همست لها..وانطلقت الأصوات آتية من كل الجهات..كانت زقزقات عصافير وتغاريد طيور، تارة..وكانت زعيقها، تارة اخرى..لكنني حين رفعت رأسي ونظرت لم أر أي عصفور أو طائر على أغصان الأشجار، رغم ان الضباب كان قد خف كثيرا..
إنها أصواتها، همست شجرة لي..إنها فرحها وحزنها، أيها الشاعر، همست أخرى..
توقفت عن سيري وجلست على العشب الندي حزينا وتائها..
***
وكانت الرسائل ما تزال تعانق صدري من جهة القلب حين وقفت..
في أي اتجاه كنت أسير، يا ترى؟ سألتني..ولم أجد فيَ إجابة لي..
تذكرت انني كنت أمشي نهارا وأسير ليلا في الجبال والسهوب، في الوديان والرمال، في الكهوف والأنفاق على وقع خطاها..لكنني لا أسمع الآن وقع تلك الخطى ولا أشم رائحة عرقها التي كانت تسرع بي في الذهاب إليها..
نظرت إلى الفوق وفي البعيد..كانت الجبال التي تظهر لعينيَّ بعض أجزائها عالية،ولم يتردد في اذنيَّ صدى صوتها الذي كان يأتيني منها في كل مكان أكون فيه..
جلست على ركبتيَّ ونظرت بين الأشجار..في كل جهة نظرت وجدت الأشجار تمتد كثيفة إلى ما لانهاية..
يا إلهي..وجهي إلى السماء التي كانت ترسل إلي بالقليل القليل من أشعة شمسها..ركبتاي بالعشب الندي ملتصقتان..أسناني تصطك من بردها..ولا طريق لي..لا ماء ولا مدى..
وقفت..أبعدت الرسائل عن صدري:
يا رسائلها الحزينة كوني دليلي في هذا الهباء..ولم تتحرك الرسائل.. صمتَها العميق كانت..
الزقزقات والتغاريد التي كنت قد سمعتها في صبيحتي صارت صمتا هي الأخرى..ولا زعيق حتى..لا زواحف أرى..أسمع فحيح الأفاعي والثعابين ولا أراها.. لا وحوش..أسمع ضباح الثعالب ولا أراها أيضا.. نخيرَ الخنازير أسمع ولا خنازير تظهر لي..زمجرةَ الضباع ولا ضباع تلوح لي في القريب أو البعيد..ولا نسائم.. النمل وحده يحمل خبزه ويسير منتظما..ولا صراصير..لكنني مشيت..
***
لا ادري كم مر من الوقت وأنا أمشي..كل ما ادريه أن العطش والجوع كانا قد تمكنا مني..وأن الأشواك قد أدمت قدميَّ الحافيتين.. وأن أصوات الزواحف والوحوش تقترب أكثر أكثر.. هلعا مريعا كنت قد صرتُ.. وصوتي كان قد صار عواء ذئبيا يرعبني..و..
ريح هبت من جهة اليسار، فاجأتني..من جهة اليمين..من شرقي ومن غربي..
توقفت..كانت الريح ريحي وريحَك..أنفاسك كانت فيها وأنفاسي..
فتحت الرسائل ورحت أقبلها رسالة تلو الأخرى..
الرسالة السابعة والخمسون طارت من يدي في اتجاهاتي كلها من حيث هبت ريحها وريحي..
الريح التي أتت من كل تلك الجهات حملت الرسالة وحملتْني..
كانت تلْكها طريقي..
وكنتِ تقتربين مني..
وقعَ خطاك كنت أسمع ..معها سمعت زقزقات عصافيرك وتغاريد طيورك..
أصوات الذئاب والضباع والخنازير والثعالب والأفاعي والثعابين اختفت تماما..
الرسائل التي مشيت على هديها صارت ثيابي القزحية التي يعلوها الأحمر والأبيض والأخضر..
دفء صوتك الغزير عانقتي :
حريه، حريه، حريه
حريه، حريه، حريه
وكنت أنتِ تفاحة قلبي في هذا المدى،يا طفلتي الرائعه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق